علاج للشعور بالوحدة

تاريخ النشر : 21/09/2019 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :290
المترجم قيس حسن

الملخص:

هل يستطيع الطبيب كتابة وصفة طبية للصداقة؟

“جوان رو” تبلغ من العمر 81 عامًا وتعيش في نفس المنزل المكون من ثلاث غرف نوم في جنوب كاليفورنيا منذ 60 عامًا; المنزل الذي ربت فيه هي وزوجها الراحل “كينيث” أطفالهم التسعة. تذكر “رو” بحنين كيف كانوا يقفزون من على أسرّتهم ومن فوق الأريكة لكي يسرعوا بكل حماسة إلى باب المنزل مرحبين بعودتها تم يجلسون معاً في عشاء حميم مفعم بالحياة وملئ بالمحادثات حول ما يحصل معهم في المدرسة وعن أصدقائهم.

اليوم، المحادثات الوحيدة التي تسمعها “جوان” هي بين المحققين “بريسكو” و “كورتيس” أبطال المسلسل الامريكي المشهور والتي أدمنته Law and Order.

وتقول: “يعمل التلفاز على مدار الساعة، يمكنني إخبارك ما التعليق التالي لأحد الممثلين، فقد شاهدت الحلقات مرات عديدة”. وتعاني “رو” من الأمراض الجسدية، منها اعتلال عصبي في قدمها اليسرى وآلام ظهر مزمنة, وعلى الرغم من ذلك فإنها تقوم بأعمال منزلية خفيفة وتطبخ لنفسها ووضعها الصحي كان مستقر إلى حد كبير منذ أن أصيبت بسكتة قلبية قبل ثلاث سنوات. وتصف روحياتها بأنها بين أربعة جدران، كل يوم تستيقظ وتأخذ أدويتها ثم تتناول إفطارها وتقضي بقية يومها جالسة على كرسيها البني المريح تستمع إلى أصوات المحققين والقضاة ومحامي الدفاع العام في مسلسلها المفضل بينما تتأمل في كتب التلوين للبالغين الخاصة بها.

وعندما يتعلق الأمر بمواجهة معاناة الشعور بالوحدة كل يوم، فإنها ليست وحيدة ولديها الكثير من الرفقة، ولذا أصبح هناك عدد متزايد من القائمين على توفير وتقديم الرعاية الصحية الذين بدأوا يفهمون أهمية الشعور بالوحدة ويأخذونها على محمل الجد كحالة لها تأثير سلبي لا يمكن إنكاره على الصحة. وكشفت دراسة مهمة في العدد الصادر في يوليو 2012 من مجلة Archives of Internal Medicine أن 43% من المشاركين الكبار في السن عبروا عن شعورهم بالوحدة وأشارت أيضًا إلى أن الأشخاص الذين يبلغون من العمر 60 عامًا أو أكثر ممن أبلغوا عن معاناتهم من الوحدة يواجهون خطرًا متزايدًا للوفاة مقارنة بالمشاركين الذين لا يبلغون عن كونهم وحدهم (22.8% مقابل 14.2% ).

ومنذ ذلك الحين، أجريت بحوث مشتركة بين البرامج الصحية الحكومية الفيدرالية الأمريكية Medicare وMedicaid ومنظمة CareMore Health المتخصصة بتقديم الخدمات والرعاية الصحية والتي تدعم الفكرة القائمة على أن الوحدة يمكن أن تؤثر سلبًا على صحة المرء، ويظهر بحثها الداخلي أن المرضى الوحيدين هم الأقل تعاوناً في أخذ أدويتهم والالتزام بمواعيد الذهاب إلى الطبيب، وتلك السلوكيات هي ما يؤدي إلى تدهور الحالات المزمنة بسبب ترك العلاج.

كما أن هناك بحث نشر في Oxford Research Encyclopedias من قبل باحث في الطب السلوكي في سانت جورج، جامعة لندن في 2017، يقول بأن السلوك الناتج عن الوحدة عادة ما يؤدي إلى أمراض مزمنة وتدهور في حالة المريض مع الوقت بسبب إهمال العلاج, وخلص البحث إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الوحدة هم الأكثر عرضة للمعاناة من مرض الشريان التاجي، والانخفاض في وظيفة الحركة والضعف العام وحالات أخرى من الانخفاض في الوظائف الجسدية والإدراكية.

كتب “فيفيك مورثي” الطبيب والجراح المتقاعد في Harvard Business Review في عام 2017 عن العمل والشعور بالوحدة:

“أصبح انتشار الشعور بالوحدة والمخاطر الصحية المرتبطة به أمر ملاحظ حتى في القطاعات الغير الطبية وخلال سنوات عنايتي بالمرضى ، لم تكن الأمراض الأكثر شيوعًا التي رأيتها هي مرض القلب أو السكري، بل كانت “الشعور بالوحدة” ، مشيرا إلى أن معدلات الوحدة في الولايات المتحدة قد تضاعفت منذ 1980s.” وقد وصف الحالة بأنها “وباء صحي متنام” و لفت النظر إلى الأبحاث التي أظهرت أن “الوحدة و ضعف العلاقات الاجتماعية ترتبط بانخفاض في معدل امتداد الأعمار مشابهًا لتلك الناجمة عن تدخين 15 سيجارة في اليوم ، وحتى أكبر من تلك المرتبطة بالسمنة. وبالنظر إلى أن الآثار الضارة للوحدة أصبحت معروفة ومأخوذة بعين الاعتبار، ما الذي ينبغي فعله حيالها؟ لا أعرف أي طبيب يمكنه كتابة وصفة طبية للصداقة. علاوة على ذلك، غالباً ما تكون الأسباب الأساسية للوحدة ثقافية بطبيعتها، ففي وضع “رو” مثلاً، أطفالها منتشرون في جميع أنحاء البلاد، تقول: “ليس لدي أصدقاء لأن “كين” وعملي كانا حياتي”، وتبرر ذلك : ” لم نكن بحاجة لأي أحد ما دمنا معاً.”

هناك العديد من المبادرات الجديدة التي تقترح طرقاً لمساعدة المرضى مثل “رو” على أن يصبحوا أقل وحدة بينما يقومون بالعمل علي تحسين صحتهم، وفي عام 2017 عيّنت CareMore Health موظف مسؤول عن الترابط والتآلف يقوم بالأشراف على الجهود المبذولة لمعالجة الشعور بالوحدة والعزلة بين المواطنين الكبار في السن الذين يتم التعامل معهم ،وقامت مبادرة “برنامج التآخي” بمراجعة قاعدة بيانات للمرضى تضم أكثر من 80000 مريض وتم تحديد 2000 من كبار السن الذين يشعرون بالوحدة ،اختير منهم أكثر من 700 للمشاركة في البرنامج والمكثف والذي يشمل مكالمات هاتفية أسبوعية وزيارات منزلية ودعم معنوي وتواصل مع برامج مجتمعية.

وعلى سبيل المثال، تحصل “رو” على مكالمة هاتفية مرتين أسبوعيًّا من متطوعين في هذا البرنامج, وتقول بأن هذه المكالمات هي أفضل جزء من الأسبوع, وتقول: “لا يمكنك أن تفهم هذا الشعور إلا إذا كنت وحيداً ولا تجد من يصغي إليك، ثم يتصل بك ذلك الغريب الذي يشعرك بأهميتك، يزرع السرور، يجعلني أشعر أن لي صديق.

وقد تم التأكيد على قيمة مثل هذه المبادرات عندما أظهر تقرير عام 2017 أن أكثر من تسعة ملايين شخص في بريطانيا هم في معظم الأوقات أو دائماً ما يشعرون بالوحدة، وقد عينت رئيسة الوزراء “تيريزا ماي” أول وزير للوحدة في بريطانيا، وهي مكلفة بتطوير برامج لزيادة الترابط الاجتماعي بين شعب البلاد. وفي يونيو من هذا العام، أعلنت حكومة “ماي” تخصيص 20 مليون جنيه استرليني لمساعدة الأشخاص المعزولين الذين يعانون من الشعور بالوحدة، وسيذهب جزء كبير من هذه الأموال نحو برامج مجتمعية مثل برنامج “الحياة المشتركة”، وهو برنامج لتقاسم المساكن يجمع ما بين المتقاعدين الذين يكافحون مع الشعور بالوحدة والشباب الذين يحتاجون إلى مكان يعيشون فيه، و “ورشة عمل للرجال” وهي مواقع اجتماعية حيث يتقارب المتقاعدون والرجال العاطلون عن العمل بالتواصل الاجتماعي والمشاركة في أنشطة مثل إصلاح الخشب والإلكترونيات.

بالعودة إلى جنوب كاليفورنيا، إذا قمنا بسؤال “رو” عن صحتها، ستقول لنا “أنا بصحة جيدة، ليس لدي أي مشاكل صحية خطيرة.”، بينما بمجرد النظر إلى تقاريرها الطبية يمكنك أن ترى أن الأمر ليس بهذه البساطة ولكنها تقول على الرغم من آلام الظهر، الاعتلال العصبي، التهاب مثانة، الصرير في ركبتيها، متلازمة النفق الرسغي في يدها اليسرى إلا أن المكالمات الهاتفية التي تتلقاها مرتين أسبوعياً من المتطوعين تحسن مزاجها وتجعلها سعيدة وكما قالت، فمن هو سعيد لن يبكي وينتحب.

في بعض الأحيان، كأطباء، نشعر بالحيرة من أعراض المريض، ومع ذلك، تذكرنا كلمات “رو”، نحن العاملين في مجتمع الرعاية الصحية، بأنه يجب أن نعالج الوحدة كحالة مرضية.

ترجمة: قيس حسن

@qies_msm

مراجعة: بلقيس الصالح

@42balqees

المصدر: Harvard Medical School


شاركنا رأيك طباعة