كيف تكشف عن عدوى صنعها الإنسان؟

كيف تكشف عن عدوى صنعها الإنسان؟

20 نوفمبر , 2022

سلالة جديدة من الإنفلونزا تنتشر كالنار في الهشيم.


حشرة مقاومة للمبيدات تلتهم أفدنة من المحاصيل.


مريض في غرفة الطوارئ ذو عدوى مقاومة لجميع المضادات الحيوية.


أي من هذه السيناريوهات قد يحدث نتيجة التغيرات التطورية الطبيعية في الكائنات الدقيقة أو الحشرات، ولكن كلما ازدادت سهولة الهندسة الحيوية ورخصها، يصبح من المعقول جدًا تصديق أن هذه التغيرات قد تكون نتيجة التلاعب المتعمد.

للحد من خطورة هذا التهديد المتوقع، تُموّل حكومة الولايات المتحدة تطوير الاختبارات الكاشفة للكائنات المُعدلة وراثيًا قبل أن تُحدث ضررًا هائلاً. في 2017 أعلنت نشاط مشاريع البحوث الاستخباراتية المتقدمة (اياربا – Iarpa) عن هذه الجهود بداخل مكتب مدير المخابرات الوطنية، وفي أكتوبر في بث مباشر، أعلمنا مدير البرنامج دافيد ماركوفيتش أنه طُور نظامين للكشف عن الهندسة الحيوية بدقة 70%.


يقول ماركوفيتش ” نحن لا نعرف أبدًا ما العينة القادمة التي ستأتي إلينا في المعامل الحكومية، لذلك يجب أن نكون مستعدين لأي شيء”.

النظام الأول هو جهاز اختبار محمول وسريع يحتوي على رقاقة بحجم ظفر الإصبع، للكشف عن الجينات المتلاعب بها، وقد طورته معامل درايبر اللاربحية والتي تقع في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس. أما النظام الثاني فهو برمجية تستخدم التعلّم الآلي للتعرف على التلاعب في البيانات الجينية المستخرجة من العينة، وقد طورته شركة جينكو بايو-ووركس (Ginkgo Bioworks) للتكنولوجيا الحيوية في بوسطن (لم تقم الشركة بنشر النتائج في مجلة محكمة بعد، ولا زال نظامهم قيد التطوير).

من المعتاد فحص المحاصيل والأعلاف الحيوانية على نطاق واسع، بحثًا عن الصفات الوراثية التي لا يمكن أن تتواجد في الطبيعة أو أن تظهر من مجرد تزاوج الحيوانات، يستخدم العلماء تقنية تسمى تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)، للكشف عن وجود الحمض النووي المعدل وراثيًا وعن كميته. ويعرف العلماء التغيرات الجينية التي يبحثون عنها بالتحديد عند كتابة الملصقات الغذائية. ولكن لا توجد أداة واحدة تستطيع البحث عن الجينات المعدلة في البكتيريا أو الفيروسات أو الكائنات الحية عمومًا في أي حالة.

لا زال العلماء حتى الآن يعتمدون على التحليل اليدوي البطيء والمجهد، للكشف عن الجينات المعدلة، عن طريق عملية تعرف بالتسلسل، حيث يقوم الباحثون بإنشاء قراءة للشفرة الوراثية الكاملة للكائن الحي عن طريق ترتيب القواعد النيتروجينية مثل الأدينين (A) والجوانين (G) والثايمين (T) والسايتوسين (C)، هذه القواعد هي اللبنات الأساسية للحياة، كل مخلوق دقيق، حيوان، نبات، أو إنسان لديه ترتيب فريد لهذه الأحرف.

لكي يحدد العلماء هل تم التلاعب بالشفرة الوراثية أم لا، يجب على العلماء معرفة الشريط الوراثي (Genome) الطبيعي للسلالة والسلالات القريبة منها أولاً، ثم يبحثون عن المناطق الخارجة عن المألوف.

يمكن التلاعب بالحمض النووي بطرق متعددة، الطريقة التقليدية تتضمن نقل جين من سلالة الى أخرى (تستخدم في المحاصيل المُعدلة عادة)، يمكن نقل أجزاء من الحمض النووي للكائن نفسه عبر شريطه الوراثي في عملية تدعى بالتبادل الوراثي. تُجرى الأبحاث حول استخدامات تقنية التعديل الجيني كريسبر القادرة على حذف أجزاء من الحمض النووي ، في علاج الأمراض البشرية، وتحسين السلالات النباتية والحيوانية للاستهلاك البشري. واستُخدِمتّ تقنيات التعديل القديمة مثل؛ نيوكلييز إصبع الزنك، وتالين لنفس الأهداف ولكنها لم تنجح مثل كريسبر.

تترك هذه العمليات آثارًا واضحة للهندسة الوراثية مثلاً؛ يمكن للعلماء معرفة إذا تم نقل جين أو إضافته عن طريق مقارنة الشريط الوراثي للعينة بالشريط الوراثي لعينة مرجعية. وفي حالة استخدام كريسبر، يترك الحذف علامات في أجزاء أخرى من الشريط الوراثي والتي تشبه التسلسل المستهدف، ولكنها ليست هو.

قد يكون تأثير التالين ونيوكلييز إصبع الزنك بعيدًا عن التسلسل المستهدف (التحرير الجيني خارج الهدف) منتجًا طفرات غير مقصودة. وقد يؤدي الاشعاع المتعمد لجزيئات الحمض النووي إلى حدوث طفرات يمكن تتبع مصدرها.

صُممت تقنيات درايبر وجينكو لكشف هذه الأثار، تعتمد برمجية جينكو على خوارزمية تقارن بين الشريط الوراثي للعينة والعدد الضخم من الأشرطة الوراثية الموجود داخل قواعد بياناتها، لمعرفة هل هذا الشريط يبدو طبيعيًا أم تم تعديله، وتستطيع القيام بتحليل واسع النطاق لعينات متعددة، أما أداة درايبر فهي أداة ميدانية للكشف السريع عن العينات المفردة.

تقول لورا سيمان، قائدة الفرقة البحثية في درابر، أثناء البث المباشر: “الهندسة الوراثية من الممارسات العلمية الشائعة منذ فترة طويلة، وتزداد سهولة استخدامها مع الوقت، لذلك من المهم أن نفهم أدواتها ونستطيع الكشف عنها في الحالات المجهولة”.

عندما أطلقت اياربا برنامج البحث عن أدلة التلاعب الهندسي (برنامج فيلكس – Felix program)، والذي أدى إلى تطوير الأنظمة السابقة، كانت تهدف إلى تطوير تقنيات قادرة على الكشف عن التلاعب بنسبة 90%، ويبدو أن الناجحين في التعاقد مع اياربا، يحتاجون للقيام ببعض التحسينات.

في الربيع قام علماء اياربا بتقييم هذه التقنية عن طريق فحص مئة عينة من كل من الكائنات الطبيعية والمعدلة وراثيًا، وسُحبت العينات من أماكن مختلفة، مثل التربة وروث الفئران وأمعاء بقرة. كان هناك 73 عينة معدلة وراثيًا من ضمن المئة عينة، وقد خُلطت العينات المعدلة مع العينات الطبيعية. يقول دكتور ماركوفيتش: “لقد حاولنا أن نجعل العينات واقعية، لتعبر عن التحديات اليومية التي يواجهها المجتمع العلمي للأمن الحيوي”.

وأُعلنت نتائج التقييم في أكتوبر الماضي، طبقاً لماركوفيتش، فالفريقان درابر وجينكو استطاعوا الكشف عن سبعين بالمئة من العينات المتلاعب بها بنجاح، كانت كل نتائج درابر الإيجابية سليمة، أما جينكو كان لديه فقط عينة إيجابية زائفة – أي أن النتيجة تنص على وجود تلاعب بينما العينة طبيعية –  كان معدل النتائج السلبية الزائفة هو المشكلة الأكبر لكلا الفريقين – أي أن النتيجة تنص على أن العينة سليمة رغم أنها متلاعب بها – والسبب واحد، حيث إن النظام كان يعاني أمام التلاعب الدقيق للغاية، مثل تبديل قاعدة الأدينين بقاعدة الثايمين.

مثل هذا التلاعب يتم عن طريق تقنية حديثة نسبيًا تدعى بتعديل القواعد، حيث تتم التغيرات على مستوى القاعدة الواحدة بدلاً من قطع الجين بالكامل أو أجزاء منه كما تفعل تقنية كريسبر.

ولقد عانى النظام أيضًا في الكشف عن التلاعب في الكائنات ذات الشريط الوراثي الضخم، يوضح ماركوفيتش: ” كلما ازداد حجم الشريط الوراثي، زادت كمية بيانات التدريب التي نحتاجها لبناء النموذج الإحصائي، وكلما احتجنا إلى التدقيق الشديد حتى نجد آثار التلاعب”.

لكي نجعل النظام أكثر دقة، نحتاج إلى العديد من البيانات المتنوعة من الأشرطة الوراثية للكائنات الدقيقة المتواجدة حولنا.


يقول جوشوا دن، رئيس قسم التصميم في جينكو: “يجب أن نعرف تسلسل الحمض الوراثي في جميع الكائنات في البيئة ونراقبهم جيدًا، هذا سيساعدنا في معرفة التسلسل الطبيعي وإذا كان هناك أي شذوذ، نستطيع التركيز على أجزاء العينة الأكثر إثارة للاهتمام”.

(لم تصدر اياربا بيانات الأداء للتقنيات المطورة من المشاركون الأربعة الأخرون وهم: معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد ومعهد ويس بجامعة هارفارد ونوبلس ورايثيون)


ولكن حتى لو تطورت دقة النظام، فإنه من الصعب معرفة قدرة النظام على الكشف عن مخلوق جديد تمامًا، لم يره العلماء من قبل.


يشكك ريتشارد إبرايت، عالم الأحياء الجزيئية في جامعة روتجرز في أن أي تقنية ستستطيع الكشف عن الكائنات المعدلة وراثيًا بشكل قاطع ويقول: “لا توجد أي تقنية على الإطلاق، تستطيع التمييز بين الشريط الوراثي الطبيعي والشريط الوراثي الكامل بطريقة شاملة وموثوقة، ولن توجد أبدًا، يوجد العديد من الطرق للتلاعب بالشريط الوراثي بدون ترك أي أثر”.

وهذا يتضمن تقنية طُورت منذ أكثر من عقد من الزمان، تدعى بالربط المستمر للأحماض النووية (SLiCE)، حيث تستخدم الإنزيمات البكتيرية لربط أجزاء الدي إن ايه دون ترك آثار، ويتضمن الطرق الأقدم مثل التربية الانتقائية، أو التمرير المتسلسل أي إنماء البكتيريا أو الفيروسات في بيئات جديدة مع مرور الوقت بصورة متكررة. وكلاهما غالبًا لن يترك أثرًا للتلاعب.

وتقول جيجي جرونفال، الباحثة الخبيرة في كلية بلومبيرج للصحة العامة جامعة جون هوبكنز، والتي تركز على الأمن الحيوي إن التسلسل الجيني للمٌمرِض ليس العامل الوحيد الذي يجب وضعه في الحسبان عند تقرير هل تم هندسة التهديد الحيوي أم لا.


إذا كان هناك شك في التلاعب المتعمد، فإننا نحتاج إلى العديد من الأدلة قبل توجيه الاتهام، هناك العديد من العوامل التي يجب مراعاتها مثل أين يظهر المرض ومن يصيب في البداية وكيف ينتشر، القدرة على معرفةآاثار التلاعب في غاية الأهمية، وأتمنى أن نستمر في التحسن في هذه القدرة، ولكنها بالتأكيد لن تعطينا مئة بالمئة من الصورة”.

ليست جميع الكائنات المعدلة وراثيًا خطيرة قطعًا، تعدل الشركات البكتيريا والفيروسات والنباتات والحيوانات وحتى الخلايا البشرية، من أجل علاج الأمراض أو إنتاج أغذية جديدة. يقول ماركوفيتش: “القدرة على كشف التلاعب الوراثي سوف تساعد مثل تلك الشركات في حماية ملكياتها الفكرية”.

ولكن من المرجح أن تظل هذه التقنية في أيادي الحكومات، يقول ماركوفيتش أن اياربا قد أتاحت استخدام الأنظمة للوكالات الحكومية الأمريكية الأخرى. ويصرح: “لا أستطيع إخباركم كيف تُستخدم هذه الأدوات حاليًا، ولكن يمكنني إخباركم أنها كانت في حيازة العديد من الشركاء المحليين والدوليين منذ عدة أشهر”.

وأكد ماركوفيتش أن في بدايات جائحة الكوفيد-19، استخدمت اياربا الأنظمة التي طُورت من برنامج فيلكس، للتأكد إنه لم تتم هندسة الفيروس وراثيًا، وقد أضعف هذا الثقة في فكرة أن الكوفيد-19 قد وٌلد في المعمل تمامًا، ولكن طرح بعض العلماء التساؤلات حول جزء من الفيروس يسمى بموقع شق الفيورين وهو الجزء المسؤول عن قدرة الكوفيد العالية على الانتشار والعدوى، حيث إن البعض من أقرب أقاربه ليس لديهم هذه الميزة، مما قد يجعله دليلاً على الهندسة الوراثية.
 

ترى جرونفال ان الازدهار الجزئي لهذه النظرية كان بسبب المعرفة المحدودة بفيروسات عائلة الكورونا، وقد اتضح أن باقي الأفراد لديهم هذا الموقع أيضًا وتقول: “لقد بدا الأمر مشبوهًا حتى فحصنا أفراد أخرى من عائلة الكورونا وعندها أدركنا أن عينتانا السابقة كانت صغيرة جدًا. لقد كنا نجمع عينات ضئيلة مقارنةً مع الموجود في الطبيعة، ولكن الآن وقد ازدادت معرفتنا لم يعد الأمر مريبًا للغاية”.

في النهاية، لن تكتشف هذه المنصات التهديدات الحيوية المستقبلية فقط، بل أيضًا ستساعد في ردع المختبرات من خلقها في المقام الأول.

يقول ماركوفيتش: “معرفة أي شرير أن الأدوات متوفرة للكشف السريع عما سوف يقوم بعمله، قد تجعله يفكر مرتان”.

المصدر: https://www.wired.com

ترجمة: أحمد عاطف سالمان

مراجعة وتدقيق: د. فاتن ضاوي المحنّا

تويتر: @F_D_Almutiri


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية

error: Content is protected !!