لا تُصادق على صحة مشاعر لم تختبرها

لا تُصادق على صحة مشاعر لم تختبرها

6 يونيو , 2022

ترجم بواسطة:

رشا الحربي

طريقة تعاملنا بالحياة تحددها عواطفنا.

النقاط الرئيسية

  • العواطف هي مفاهيم تُرتب تجارب الحياة.
  • تقودنا العواطف على أن نقيم تجاربنا المميزة السابقة والتي قد ترجمناها على أنها غضب أو خوف أو ألم.
  • لا يمكنك المصادقة على عاطفة ما، دون المصادقة على التجربة الشخصية التي ارتبطت بظهورها.

ودائما ما يُنصح عند التعامل مع الأشخاص الآخرون بأن نصادق على مشاعرهم وعواطفهم. وبفعلك هذا ستحسن التواصل معهم وهذا ما سيوضح لمن حولك أنك تتفهمهم وتُقدر كل ما يمرون به.  ومع ذلك، يجب الحذر من هذه النصيحة، حيث لاحظ المعالجون والمستشارون والمساعدون أن مصادقتك على تجربة عاطفية، لا يعني أنك ملزم أن تُقر بمسببات عواطفهم ولا أن تُبرر ما يشعرون به.

ما يثير القلق بالمصادقة على مشاعر لم يتم اختبارها

خبرتي كطبيبة نفسية لسنواتٍ عديدة مع الأزواج، تَركز جل اهتمامي على العواطف التي تتولد أثناء التواصل خاصةً بالعلاقات الحميمية وكيفية معالجتها والتعامل معها بالطريقة الملائمة.

لدي ثلاثة مخاوف عند الأخذ بنصيحة تحليل أي رد فعل عاطفي دون التعرف على العوامل التي عززت هذا الشعور أي (تجاربهم الشخصية) وكيفية تعامل المعنيين بالأمر بناءً على الموقف.

  • كيف تُصادق على مشاعر شخص ما، دون الإقرار بمسببات هذا الشعور ولا أن تُبرر ما يشعر به بإيجاز ردة الفعل هذه؟
  • عند مصادقتك على مشاعر مرتبطة بموقف ما، فإنك تمنع الشخص من مراجعة وتقييم ما حدث.
  • النظريات السابقة حول المشاعر والتي بُنيت تباعًا على هذه النصيحة باتت قديمة.

مثال على أزمة عاطفية حدثت بين زوجين

كانت سارة ولوكاس، اللذان تزوجا منذ بضع سنوات، يجلسان معًا بعد العشاء ذات مساء، حينها بدأت سارة بالحديث عن مشكلة صعبة واجهتها بالعمل، ولعل لوكاس انغمس بعالمه فلم يتجاوب مع زوجته.  مما جعلها ترد بانفعال “لمَا تتجاهلني بهذه الطريقة بينما أحاول جاهدةً أن أراعيك وأعطيك جل انتباهي!” سارة غاضبة من لوكاس مما يُبرر اتهامها له بتجاهلها وأضافت تفصيلاً صغيرًا لاذعًا “أنها تهتم به وتراعيه”.

لو قام لوكاس بتبرير وتفسير غضب سارة فسيقول شيئاً مثل: “اتفهم غضبك لكنني لم اتجاهلك” حتى ولو أنّ هذا الرد بدّد غضب سارة لكنه يفتقد لكثير من مقومات التواصل بينهم. سنسرد المشكلة بالتفصيل:

  • فسرت سارة صمت لوكاس على أنه تجاهلها بدون أن تستفسر عن سبب ذلك الصمت.
  • إنّ تفسير صمته على أنه “تجاهل” يعني أنه التزم الصمت متعمدًا مما يبرر غضبها.
  • لن تُصادق على غضب سارة دون أن تُصادق على مشاعرها، بتفهم ما حدث من زاويتها.

سأعود لاحقًا لأوضح ما باستطاعة سارة ولوكاس فعله بهذا الموقف الصعب في علاقتهم.

نظرية جديدة عن العواطف

دعوني أعرفكم بعالمة الأعصاب وعلم النفس ليزا فيلدمان باريت (Lisa Feldman Barret) والتي بدورها ساعدتنا بإعطاء رؤية جديدة للعواطف. فوفقًا لها، العواطف حتى الأساسية منها كالخوف والغضب والحزن والسعادة والاشمئزاز لا تعتبر عناصر معروفة مميزة بداخلنا. تاريخيًا، عُرفت العواطف على أنها فئات مميزة من التجارب موجودة في منطقة دماغية تعرف باللوزة وتستطيع التعرف عليها من خلال حركات عضلات الوجه الشاملة، والتغييرات الجسدية على سبيل المثال زيادة معدل ضربات القلب، وإشارات الدماغ الكهربائية.

ويتلخص بحث باريت أنه لا توجد منطقة بالدماغ مخصصة لعاطفة معينة. علاوةً على ذلك، تتنشط كل منطقة دماغية أيضًا أثناء الأفكار والتصورات غير العاطفية. أي لا توجد بصمة بيولوجية فريدة لكل عاطفة محددة نفسيًا.

نظرية جديدة للدماغ

لا تتناسب النظرية القديمة والتي تنص على أنّ هناك مناطق محددة في الدماغ تعتبر مقر لكل عاطفة بذاتها، مع النظرية الجديدة للدماغ والتي تعتبره شبكة تفاعل ضخمة، بدلاً من اعتباره عضو مع مناطق متميزة ومرتبطة بأنواع مختلفة من الوظائف البشرية، مثل التفكير والعاطفة والحركة. وتتكون هذه الشبكة الضخمة من مليارات الخلايا العصبية المتصلة والتي تعمل بطرق مختلفة في أوقات مختلفة.

وتعمل هذه الشبكة الضخمة من خلال تنظيم نفسها كنموذج داخلي قيد التشغيل حسب المعلومات المخزنة من الخبرات السابقة وبيانات الوظائف الداخلية للأعضاء أي حالتك الفسيولوجية. حيث صُممت هذه النماذج الداخلية للتنبؤ بما سيحدث وما هو الإجراء الأمثل للتعامل مع الموقف الحالي.

ونُظمت هذه النماذج وفقًا لإدراكنا ووعينا لتجاربنا. فنحن نفكر بمفاهيم مثل مفهوم العاطفة، وتُوصف أيضًا بأنها مفاهيم مجسدة.

والعواطف هي أحد أنواع التجارب المجسدة والتي بُنيت من خلال تجربتنا الماضية المشفرة والتي تُرجمت كمشاعر عديدة، مثل الخوف، والغضب، والحزن، والسعادة، والاشمئزاز، وما إلى ذلك.

الأساس الحسي لمفاهيم العاطفة

أدمغتنا مهيئة مسبقًا لتجربة المشاعر والتي لا تعتبر عواطف. فقد تشعر بمشاعر مثل الهدوء والإثارة والإنفعال والراحة والانزعاج. هذه المشاعر تراقب وترصد باستمرار ما يحدث. وهي تمثل متغيرات في سلسلة متصلة من الإثارة (مدى قوة الشعور من عدمه) وهو أحد الأبعاد، والسرور والكراهية (وهو بعد التكافؤ أي مدى إيجابية أو سلبية الشعور) من ناحية أخرى؛ كما هو موضح في الرسم البياني أدناه.

تخطيط تحليل المشاعر

هذه “المشاعر” تتعقب ما يجري في عوالمك الداخلية والخارجية. فنحن نستخدم مصطلح “تؤثر” لهذا البعد الأساسي لتجربتنا. حيث العواطف حينها هي أغطية تُحدد وتُشكل ثقافيًا المفهوم الأساسي لطريقة تعاملنا بهذا العالم على أساس تجاربنا السابقة وتحسبًا لكيفية التصرف.

إعادة التفكير في المصادقة على عواطفنا

 الفكرة التي تقول أنه بإمكانك المصادقة على عاطفة شخصٍ ما، دون إقرارك بمسببات العاطفة نفسها ولا بتبرير ما يشعرون به فكرة مضللة. فعندما نصادق على عاطفة شخصٍ ما، فنحن نحلل وضعهم الحالي استنادًا على تاريخهم الشخصي. فلا يوجد شيء اسمه المصادقة على العاطفة بذاتها بحيث تُفصل عن الحدث ومنظورك الشخصي لما حدث.

التجربة العاطفية تدعو إلى التأمل الذاتي، وليس المصادقة على صحتها.

دعونا نكتشف ما يمكن للزوجين فعله لحل الاضطراب الحاصل في علاقتهما. ففي ضوء ما حدث بينهما في وقت سابق، من المرجح أن يستجيب لوكاس قائلاً: “أنا لا أعرف ما الذي تتحدثين عنه” لأنه لا يعرف كيف يرد على غضب سارة واتهامها له “بأنه تجاهلها”.

التأمل الذاتي هو أفضل وسيلة للزوجين لإدارة هذا التفاعل العاطفي.

حين تراجع وتتأمل أفعالك باستمرار، ستعلم متى تصبح غاضبًا (قد تُعرف أيضًا بمستاء أو مغتاظ أو منزعج، إلخ)، أو خائفًا (متوترًا، قلِقًا، حزينًا)، أو متألمًا (وهو شعور شامل لا يفصح عن الكثير). وهذا يعني اعترافك بأنك تحتاج إلى أن تتراجع خطوة للوراء لبضع دقائق لتتأمل بدلاً من أن تُظهر عاطفتك فورًا. فرد فعل لوكاس المفاجئ على شكوى سارة الغاضبة هي علامة تنبيه لها بأن تتراجع خطوة وتسأل نفسها، “مهلاً سارة، مالذي يحدث، لماذا أنتِ غاضبة جدًا؟”

حيث يسمح التأمل الذاتي لدماغك بالتوقف أثناء المشاعر القوية لتفرز ما تواجهه وتُصفي التفسيرات لما حدث بينك وبين من تحب، وما يجري بداخلك أيضًا. فالتأمل الذاتي سيتحكم بردود أفعالك في المستقبل في التفاعلات القوية المستثارة وغير السارة.

حل الأزمة

لو راجعت سارة نفسها لمرة واحدة لماذا غضبت و لماذا وصفته بأنه “تجاهلها”، قد تتذكر مدى حساسيتها تجاه عدم إعطائها انتباهه الكامل. ويرجع هذا في كثيرٍ من الأحيان لشعورها غالبًا بالتجاهل وهي شابة حيث لم يستمع إليها والديها وغيرهم من الأشخاص المهمين في حياتها.

وقد تصبح سارة على علم بالأسباب التي قوّمت هذا الغضب عندما فسرت أن الآخرين لم يُولّونها أي اهتمام. وستتعلم أن غضبها المجهول يُبرر وصفها السلبي لأفعال زوجها.

وبمجرد أن تراجع رد فعلها الغاضب على لوكاس، ستفكر فيما إذا كان لا يُنصت لها عادةً و يُولّيها جل اهتمامه كما ترغب أم لا. فإن كان الأمر كذلك، ستتناقش معه بدلاً من أن تتهمه بغضب بأنه يتجاهلها.

ما يمكن المصادقة عليه

 ما تصادق عليه في الآخرين ولنفسك هي سجلاتك الفسيولوجية المشفرة لتجاربك حول مفهوم العاطفة. أي هي أحداث حياتك والتي شُفرت من خلال عواطفك والتي تستوجب المصادقة عليها.

وسيرغب لوكاس بالمصادقة على الشعور وتفسير حساسية سارة حول عدم استماعه لها. وسيصبح على علم بأنه عندما تغضب سارة منه فقد لا يكون حول ما قام به فعلاً، ولكن تجربتها السابقة للفعل نفسه. وهذا سيساعده على عدم التجاوب فورًا والانفعال بل أن يكون سبّاقًا في الحديث مع سارة.

العواطف هي مؤشرات للطريقة التي نُرتب ونُنظم بها بعض التجارب الحياتية التي تُفهم فقط عن طريق التفكر، أي التجارب الحياتية التي نريد أن نصادق عليها ونفسرها.

المصدر: https://www.psychologytoday.com

ترجمة: رشا الحربي

تويتر: [email protected]

مراجعة وتدقيق: د. فاتن ضاوي المحنّا

تويتر: @F_D_Almutiri


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية