فهم عملية التغيير

فهم عملية التغيير

20 يناير , 2022

دقق بواسطة:

ريم عبد الله

ألن يكون رائعًا لو حدث التغيير في برهة؟ ألن يكون رائعًا أن تستيقظ في الصباح وتفكر: “أريد أن ابدأ بتناول الطعام بشكل أفضل” ثم تقوم بذلك. أو تقرر، “سأتوقف عن التدخين” ومن بعدها تترك التدخين؟

لكننا جميعًا نعلم أن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها التغيير. التغيير ليس حدثًا لمرة واحدة أو عملًا منفردًا، بل هو  عملية. وكلما فهمنا عملية التغيير، كلما زاد تعاطفنا ودعمنا مع أنفسنا ومع أولئك من حولنا الذين يسعون إلى تغيير سلوكهم. فما هي عملية التغيير ؟

النموذج النظري للتغيير السلوكي:

يوفر لنا النموذج النظري للتغيير السلوكي، والذي يشار إليه أيضًا باسم نموذج مراحل التغيير، فهمًا لكيفية حدوث التغيير وفقًا لتعريف بروشاسكا وآخرون عام 1992. وطور النموذج في أوائل الثمانينيات من خلال الأبحاث التي أجريت على المدخنين السابقين. ووجد كلًا من بروشاسكا وديكلمنتي أن الأفراد الذين نجحوا في إجراء التغييرات يمرون بسلسلة من المراحل على مر الزمن، ويعد هذا الاستنتاج نقيضًا لفرضية أن التغيير يبدأ بتعديل السلوك. فاكتشف الباحثان عدة مراحل قبل القيام بالتغيير.

مراحل التغيير الخمس:

وتتسم المرحلة الأولى من عملية التغيير بعدم الوعي بالمشكلة. وهذه المرحلة، المعروفة باسم ما قبل التأمل، هي عندما يفشل الأفراد في رؤية إلى سلوكهم على أنه مشكلة. وقد يخبرهم الآخرون في حياتهم بأنهم بحاجة إلى التغيير، ولكنهم لا يوافقونهم، ولا يعتزمون إجراء تغيير في الأشهر الستة المقبلة. قد يقول أي  شخص في مرحلة ما قبل التأمل “ليس شرابي للخمر هو الذي يحتاج للتغيير، بل عملي الذي يسبب كل مشاكلي”. والتأمل المسبق هو نقطة انطلاق مشتركة للكثيرين من الذين يشرعون في رحلة التغيير.

يعد التأمل المرحلة الثانية من التغيير، أي عندما يصبح الفرد مدركًا للمشكلة، ولكنه يكون متناقضًا بشأن إجراء تغيير. فهم يرون إيجابيات وسلبيات التغيير على أنها متساوية تقريبًا، وبالتالي لن يلتزموا بالتغيير. ربما يفكرون في إجراء تغيير في الأشهر الستة المقبلة، لكنهم ليسوا مستعدين للتغيير حاليًا. فقد يقول الشخص الذي يمر بهذه المرحلة، “أعلم أنني بحاجة لتناول طعام أفضل، لكن شراء الفاكهة والخضروات مكلف للغاية. لا أعرف كيف سانجح بالتغيير”. وتتميز مرحلة التأمل بالتناقض ويمكن للناس أن يتعثروا في هذه المرحلة لأشهر أو سنوات.

المرحلة الثالثة من التغيير، التحضير أو الاستعداد، وتتسم بالالتزام بالتغيير. فينوي الفرد اتخاذ إجراء في غضون الشهر المقبل وقد يقوم بالفعل بإجراء تغييرات صغيرة (على سبيل المثال، تقليل استخدام المواد الإباحية). قد يقول الشخص الذي هو في مرحلة الاستعداد ، “أنا مستعد للإقلاع عن التدخين. لقد اشتريت لصقة نيكوتين ولم أشتري أي سجائر أخرى”. والأفراد الذين في قيد عملية الاستعداد يكونون على وشك اتخاذ إجراءات لصالح التغيير.

بعد مرحلة الاستعداد تأتي مرحلة العمل، حيث يقوم الأفراد بتعديل سلوكهم وإجراء التغيير. وفي هذه المرحلة، هناك التزام قوي بالتغيير، ويكون التغيير متعمدًا (أي موجه ذاتيًا) وليس مفروضًا من قبل الآخرين أو البيئة. قد يقول الشخص في هذه المرحلة، “لقد استطعت الالتزام بالتغيير، فقد ملأت خزانة أدويتي بدواء ديباكوت(دواء لعلاج نوبات الهوس)، وكنت أتناوله باستمرار طوال الأسبوع الماضي”. وتستمر مرحلة العمل لمدة ستة أشهر تقريبًا حيث تترسخ التعديلات الجديدة في السلوك.

وأخيرًا، المرحلة الخامسة من التغيير وهي المحافظة على التغيير، حيث يحافظ الأفراد على تغييرهم السلوكي إلى أجل غير مسمى. وخلال هذه المرحلة، ينصب التركيز على تجنب الانتكاس وإدماج التغيير السلوكي بشكل كامل في حياتهم. فقد يقول شخص في مرحلة المحافظة، “لقد مضى عام تقريبًا منذ آخر مرة تعاطيت فيها الكوكايين. لقد تعلمت كيفية السيطرة على الرغبة الملحة للتعاطي، والعثور على الدعم عندما أحتاج إليه “. وفي هذه المرحلة، يتعلم الأفراد الحفاظ على تغيير سلوكهم خلال مواسم الحياة المختلفة.

عملية التغيير أشبه بالدوامة:

وعلى الرغم من أن مراحل التغيير الخمس تبدو وكأنها تقدم طبيعي للأمام، إلا أن  هذا ليس هو الحال في كثير من الأحيان. فمثلًا أي شخص اتخذ قرارًا بالتغيير في رأس السنة الجديدة استمر بتطبيق التغيير حتى فبراير، فينتكس ويعود إلى الأنماط السلوكية السابقة.  وهذه القاعدة وليست الاستثناء. فالنموذج النظري للتغيير السلوكي يدرك تمامًا بأن إعادة كرة التغيير من جديد هو أمر وارد قبل أن يصل الشخص إلى مرحلة المحافظة. وبالتالي فإن عملية التغيير عبارة عن دوامة وليست خطًا مستقيمًا.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأفراد قضاء فترات متفاوتة من الوقت في كل مرحلة، وبالتالي فإن عملية التغيير مختلفة من شخص لآخر. فيجب أن ينظر للتغيير كونه عملية، فالهدف هو أن ينتقل الفرد من أي مرحلة يجدون أنفسهم فيها حاليًا (على سبيل المثال: التأمل) إلى المرحلة التالية (على سبيل المثال: التحضير). وبهذه الطريقة، يمكن للناس أن يدركوا ويؤكدوا الخطوات الصغيرة التي تؤدي إلى التغيير (على سبيل المثال: الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التالية)،  بدلاً من انتظار مرحلة المحافظة على التغيير للاحتفال.

تلبية احتياجات الناس في كافة المراحل:

تكمن عبقرية النموذج النظري للتغيير السلوكي بفهم أن الناس في كل مرحلة من مراحل التغيير يتعاملون مع مهام مختلفة عن تلك الموجودة في مرحلة أخرى. فعلى سبيل المثال، يستفيد الشخص في مرحلة ما قبل التأمل من اكتساب البصيرة والمعلومات لزيادة الوعي حول السلوك الذي يود تغييره، بينما يستفيد الشخص في مرحلة التأمل من استكشاف تأثير سلوكه على الآخرين، والتعامل مع عواطفهم، واستكمال الرحلة في ظل وجود تضارب.  ويستفيد الشخص الذي في مرحلة الاستعداد من وضع خطة عمل واستكشاف الأخطاء وإصلاحها، بينما يستفيد الشخص أثناء تطبيق الخطة من تغيير بيئته لتجنب المحفزات وتنفيذ سلوكيات بديلة. وأخيرًا، يستفيد الشخص في مرحلة المحافظة على التغيير من تطبيق استراتيجيات الوقاية من الانتكاس وتعزيز الصحة بشكل عام.

عندما نتعلم كيف ننظر للتغيير على أنه عملية ومراحل متتابعة، يمكننا حينها تحديد المرحلة الحالية من التغيير للفرد، ومساعدتهم على تلبية احتياجاتهم الحالية. والوصول إلى تغيير سلوكي مستدام هو رحلة، وكلما عرفنا أكثر عن هذه العملية، زادت قدرتنا على دعم بعضنا البعض طوال الرحلة.

المصدر: https://www.psychologytoday.com

ترجمة: عبير عبدالله الحقبي

تدقيق: ريم عبدالله


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية