ماهو المقياس الملائم لمثل هذه الحالة؟

ماهو المقياس الملائم لمثل هذه الحالة؟

6 ديسمبر , 2021

ترجم بواسطة:

عهود هادي

دقق بواسطة:

زينب محمد

في إحدى مدارس الفن المُهتمة بإنتاج الفنون الورقية يتم توزيع خمس أنواع مختلفة من الورق بشكل عشوائي على الطلاب، مثل: ورق الطباعة(repro paper) وورق مصقول (coated paper)، وورق المناديل (tissue paper )، وورق الصحف ( Newsprint )، وورق مقوى ( Cardboard or paperboard)، وذلك بمعدل ورقة واحدة لكل طالب خلال بداية الفصل الدراسي، حيث يطلب منهم جميعاً تنفيذ نفس الفكرة بالورقة التي لديهم ليتم بعدها تقييم نجاح أو رسوب الفرد على حسب جودة إنتاجه، ولأن المدرسة تُعرف بإهتمامها بمبدأ مساواة الفُرص فهي تسمح لكل طالب عند تلف ورقته أن يتقدم بطلب ورقة جديدة من نفس النوع الذي امتلكه ولا يحق بأي شكل من الأشكال تغير نوع الورق.

و يتم تحضير ورشة عمل مٌجهزة بكل الأدوات اللازمة لإنتاج وصنع الفكرة، وتتراوح الأفكار من طباعة ملفات ورقية، و صور فوتوغرافية إلى صناعة طيور الكركي، وصناديق، وزهور، وأكياس ورقية. ولهذه المدرسة ثقلها واعتبارها عند شريحة كبيرة من المجتمع، ولرأيها قوة معترف بها ما ليس عند غيرها، ويجب أن يجتاز الطالب 60% من الورشات بإتقان ليُعتبر ناجحًا ومُبدعًا، وإلا سيوسم بالفشل.

قد تبدو هذه المدرسة كلعبة تعتمد على الحظ وخالية من المساواة، لكنها تحكي مجازيًا واقعًا حقيقيًا نعيشه، أبطاله ثلاثة: المجال، والمجتمع، والطالب، أما الورقة التي حصل عليها الطالب فهي كناية عن حمضه النووي الذي يُعطيه شكلًا، وطولًا، ولونًا لا يد له به.

عند دخول الطالب لمجال مُعين يصطدم بنوعين من مقاييس النجاح، مقياس المجال ومقياس المجتمع واللذان سيبنيان غالبًا له مقياسه الخاص. ومن هنا تبدأ معضلة النجاح والجمال أيضًا.

ففي مدرسة الفن هذه، يثق المجتمع بمخرجات المدرسة ويربط النجاح والشهرة والمال قياسًا على اجتياز الطالب لاختباراتها، وقد عُزز المقياس المجتمعي هذا بناءًا على تقادم التجربة والخبرة، أما مقياس المجال فيُبنى على احتياج السوق وعامل منحى الدرجات، حيث يجب أن تتوزع درجات الطلاب بشكل مختلف، أول 10 طلاب يحصلون على A و30% علىى B وهكذا، حيث يعتبر من غير الطبيعي أن يكون كل الطلاب متفوقين، وهذا التفكير بحد ذاته غير منصف. وبالنهاية يبقى الطالب قليل الحيلة محتارًا ليتشكل مقياسه لنجاحه هو أيضًا بناءًا على المقياسين السابق ذكرُهما.

وعند سرد الأمر بهذه الطريقة، يبدو لنا  أنه من البديهي على الطالب غير المجتاز للمقاييس المذكورة أن لا يشعر بالفشل، ففشله ليس إلا بسبب عدم امتلاكه بالأساس الورقة الأكثر حظًا، أو مشاركته في ورش عمل لا تلائم الورقة التي يملكها، الأمر واضح فهو يحتاج لمجال وظروف مختلفة ليس إلا، وسيكون ناجحًا وربما أكثر إبداعًا. ولا يجب عليه أن يشعر بالضغط المجتمعي، فمقياس المجتمع كما ذكرنا مبني على خبرات سابقة عامة لمخرجات المدرسة التي ليست بالضرورة أن تناسب وضعه.

إن المقاييس هي عوامل موحدة وضعها البشر لقياس قدرة بشر آخرين على الإنجاز، وهي ليست بالأمر السىئ على الإطلاق، إنما من السىء تصديق قدرتها على تحديد إمكانيتنا التي نؤمن بها. فأغلبية المسؤولين يميلون إلى التمسك بهذه المقاييس الموحدة والتركيز على نتائجها فتحِلُ محل الحُكم البشري بموجب أن ما يتم قياسه يتم إنجازه، تُدعى هذه الحالة التشبث بالمقياس أو Metric Fixation . 

وصف مولر ثلاث معتقدات إذا ما وُجدت لدى مسؤول فإنها تشير إلى تشبثه بالمقياس، أولًا: اعتقاده بإنه من الممكن استبدال الحدس البشري والحٌكم المكتسب من الخبرة الشخصية بمؤشرات ومقاييس رقمية للأداء وهو بالأمر غير المنطقي، لأن قدرة البشر على تصميم مقاييس جيدة أمر نادر الحدوث، ثانيًا: اعتقاده بأنه إذا سعى نحو الشفافية ونشر هذه المقاييس للعلن فإنه يؤكد لفريقه أنه يٌنفذ ما يفعل وبالحقيقة أن الفريق لا يهتم بالمعلومات الكمية، وهذا السلوك يجبُرهم على اختيار إجراءات معينة أو خلق إجراءات لغرض الخروج بهذه الأرقام فقط، ثالثًا: الاعتقاد بأن أفضل طريقة لتحفيز الفريق هي من خلال ربط المكافآت والعقوبات بأدائهم المُقاس، لكنها في الحقيقة تُحفز على التحايل الشخصي أكثر منه على تحسين الأداء.

العديد من الأمور مقاييسٌها تفضيلية

هل تقتنع دائمًا بآراء النقاد السلبية التي تردُك على مقالة كتبتها ؟ يتذوق النُقاد المقالات قبل أن تُطرح في السوق ويفعلون بالمقال ما يفعله الشيف بالأطباق في قائمة الطعام، حيث يتذوق الشيف الطبق أولاً ويختبر طعمه وقد يبصقه إذا قلت توابله اللازمة، وبالمثل الناقد، فهو يتذوق  ويمضع ببطء الجمل والكلمات ويبصق المقال إذا لم يُدعم بالمراجع العلمية اللازمة. لكن على ماذا استند الناقد والشيف لقبول مراجع معينة علمية أو تحديد كمية التوابل اللازمة ؟ هل هي على معايير عالمية يتفق الكُل عليها ؟ لا بالطبع لا، بل على تفضيلات شخصية تمثل شريحة معينة قد لا تكُون منها.

هل سبق وحضرت أحد حلقات النقاش العلمية للمقالات الطبية ( journal club ) ؟ حيث يحضر هذا الاجتماع التعليمي ممارسي الرعاية الصحية المهتمين بموضوع المقالة من أطباء وصيادلة وممرضين وغيرهم ليتناقشوا موضوع الدراسة وينقٌدوا نتائجها فيبقوا على إطلاع دائم بالمعرفة الجديدة، لكن أهم سؤال يأتي بنهاية نموذج النقد الذي يحرص كل الحضور على الإجابة عليه هو: هل يُمكنك تطبيق نتائج الدراسة على مرضاك في المنشأة التي تعمل فيها؟ وهُنا ترى منعطفات حادة بالرأي؛ فبالرغم من كون الدراسة منشورة ومعترف بنجاحها، إلا أن طبيب في المستشفى الفلاني قد يرفضها لأن عينة البحث ببساطة لا تشبه المرضى الذين يُعالجهم فتباعًا قد لا تنعكس نفس النتائج عليهم.

فالناقد أو الشيف أو الباحث يحتاج ليكون قادرًا على قياس مفهوم النجاح في نطاقه، أن يملك مقاييس تشمل عوامل موضوعية وعوامل شخصية، و على من سينضم تحت مظلة هذه المقاييس أن يعي أنه قد لا يتفق مع هذه العوامل الشخصية ولا لائمة عليه وليس بفاشل إذا استُبعد.

قد يبدو الأمر كتحريض على التظاهر والإعتراض على كل هذه المقايس وإجبار المجالات والمجتمع على تصديقنا، لكنها ليست كذلك، بل هي دعوة لعدم إسقاط مقاييس غيرك عليك وجعلها تؤثر على مثابرتك وطموحك، هي دعوة لفهم الأسباب التي وُضعت عليها المقاييس ولفهم أسباب فشلك بشكل موضوعي، هي دعوة للمحاولة بمجال آخر، هي دعوة لفهم أنك ناجح جدًا عند اجتيازك هذا الشوط بهذه الأداة غير المناسبة. هي دعوة لأن تقيس نفسك على نفسك القديمة، هي دعوة لك أنت لأن تسأل دائمًا: ماهو المقياس الملائم في هذه الحالة؟

كتابة: عهود هادي

مراجعة وتدقيق: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية