لعنة الوعي: عندما تحاصرك أفكارك

لعنة الوعي: عندما تحاصرك أفكارك

26 ديسمبر , 2021

ترجم بواسطة:

ندى أشرف

النقاط الرئيسة:

  • للأفكار غير السارة بالغ الأثر على جودة حياتك ومن المستحيل تجنبها.
  • بعض ” الحيل العقلية ” التي ابتكرها اللاوعي لا تخضع للتفكير العقلاني.
  • يكمن أساس المشكلة في احتياج الإنسان للسيطرة على عقله. الأمر الذي يحفز استجابتين: القمع والعجز عن التفاؤل.

إن عدم القدرة على الهرب من الأفكار السيئة من شأنه تعكير صفو حياة العديد من الناس. إذ يبذل الفرد قدراً كبيراً من طاقته، إما في محاولة السيطرة عليها أو كبتها. واتضح حديثاً أن تلك الأفكار تنبع من العقل الباطن [اللاوعي] كرد فعل وإنها أقوى بكثير من عقلك الواعي. حيث التدخلات العقلانية لم ولن تجدي نفعاً.

تزداد هذه الأفكار الهدامة قوة مع الوقت والتكرار، ومن هنا تبدأ المشكلة؛ إذ أن ذلك يؤدي إلى حفظها وتطورها إلى نمط هوسي. والمصطلح البحثي لها هو ” الأفكار المتكررة السيئة ” وشخصياً، أنا أطلق عليها ” شبح ألم العقل”.

تكمن المشكلة الأكبر في طبيعة استجابة العقل لمثل هذه الأفكار، فهو يستجيب لها كما لو كانت تهديدات جسدية ويحفز الجسد إلى حالة الكر والفر (فسيولوجية التهديد). ومع أنها استجابة ضرورية فإنها تصبح قاتلة إذ اما استمرت لوقت طويل. لأن جسمك يكون في حالة تأهب قصوى والخلايا الالتهابية تهاجم أنسجة الجسم. ومع ذلك فإن كبت تلك الأفكار ليس هو الحل.

نظرية التأثير المعاكس

هي إحدى العقبات الهامة التي تؤثر على صحة وسعادة الإنسان. نحن ندرك جميعاً أن كبت الأفكار والمشاعر يزيدها قوًة وتدميرًا. ولكن المشكلة الأخرى الأكثر فتكاً والتي لا يعرفها الكثيرون. أنه عندما تحاول التفكير في شيء ما فسوف تفكر به بدرجةٍ أقل. حيث أن جهد العقل اللاوعي سوف ينصب على إيجاد طرق تجعلك لا تحقق هذه الغاية مما يربك عقلك الواعي، وبما أن العقل اللاوعي قوي جداً. فنجد أن الحرب غير متكافئة.

وكلما كانت نيتك حسنة ازداد الأمر صعوبة. فإذا كانت نيتك التخلص من الألم فبدون قصد ستجد نفسك تفكر بهذا الألم أكثر وتعززه. وأظهرت البحوث أنك إذا سعيت وراء السعادة سينتهي بك المطاف حزيناً. وإذا حاولت أن تحزن لن تستطيع إلا أن تكون في غاية السعادة. لو حاولت ألا تصنف البشر وفقاً للأنماط المعروفة ستصبح أكثر إجحافاً. وهذه واحدة من المعضلات الإنسانية؛ إذ يداهم القلق والأفكار غير السارة، من يريدون المساهمة في جعل العالم مكان أفضل، ويشل حركتهم. بينما من لا يكترثون للأمر لا يقعون تحت هذا التأثير. وربما لهذا السبب تجد من هم في السلطة ليسوا من أصحاب الضمائر اليقظة.

إن وجود بذرة لهذا التأثير أمر ضروري ليثمر أدنى قدر من التحكم العقلي. وفي حين يختلف مقدار هذا التأثير من فرد لأخر فهو متواجد باستمرار. ورغم أن الأمر يبدو سيئاً –وهو كذلك – فإن الحل بسيط للغاية. فقط اكتب أفكارك على ورقة ومزقها. ويدل هذا الفعل على التخلي عن التحكم العقلي وليس به أية مخاطرة. هذا هو السبب وراء البدء بهذا التمرين إذا ما أردت خوض رحلة (توجيه مسار الرعاية الخاص بك). يجدر أن تكون هذه العادة يومية لدى الجميع تماماً مثل فرش الأسنان. وبإمكانك اعتبارها كأنك تنظف الوبر من مجففك. دقائق معدودة فقط كفيلة بأن توقف الاستجابة. وهذا أيضاً السبب وراء أن الكتابة التعبيرية خطوة إلزامية ليس لها بديل.

تجاوز أنماط الأفكار الهوسية

إن فهم الطبيعة القوية غير العقلانية لتلك الأصوات الداخلية الناقدة سيغير حياتك بشتى الطرق. أولاً، إنها عبارة عن آليه عصبية هدفها حمايتك فلا تأخذ الأمر على محمل شخصي. سيسمح لك هذا الإدراك أن تتعلم الفصل بين شخصيتك النابعة عن رد الفعل هذا، والوصول إلى حقيقة ذاتك، ومن تريد أن تكون. إن “شياطينك” في الواقع، ما هم إلا أفكار مكبوتة، وأنت لست كذلك. ومرة أخرى، كلما كانت نواياك حسنة زادت أفكارك السيئة حدةً. إن الأمر حقاً ليس عادلاً.

إن إمعان التفكير في الأفكار النبيلة والإيجابية يأتي بتأثير عكسي. وهذا يخلق أنماطاً مضطربة للأفكار مثل “أنا لست جيداً بما فيه الكفاية” و” فقط ابذل مجهوداً أكبر” و” أنا فاشل” و”لماذا يحدث هذا معي دائماً؟”. وهناك إشكالية أخرى، في أن هذه الافكار تدفعك لأن تصبح ” ناجحاً” ولكنك لن تستطيع الشعور بذلك. حيث ستصل إلى النتيجة الشائعة؛ وهي ” متلازمة المحتال”. فعلى ما يبدو أن هناك العديد من الناجحين جداً يشعرون بأنهم مخادعون، بالرغم من وجود العديد من الأدلة التي تثبت عكس ذلك.

أين ينصب انتباهك؟

أياً ما كان السبب فإن المحصلة واحدة. تستهلك قدراً وافراً من طاقتك في سحق تلك الأصوات بدون استجابة، لأنها ببساطة لا تستطيع التوقف. بل إنها في الحقيقة ستزداد قوة، حيث أنك تعيرها انتباهاً وبالتالي تحفز تغيرات عصبية في الدماغ. إن الأمر أشبه بدوران كرة السلة على طرف إصبعك. إذ أنها ستستمر في الدوران ما دمت تمدها بالطاقة. ويمكنك أيضاً تخيل هذه الأفكار كالزوبعة ” شياطين الغبار” التي تحدث في المرج. فهي تدور بسرعة فائقة لا تستطيع معها إيقافها أو حتى اختراقها.

لذا، بمجرد إدراكك للمشكلة واستيعابك لكم الطاقة المهدرة في محاولة تهدئة تلك الضوضاء، سيحدث التغير التالي في حياتك وسيكون بإمكانك تجاوز الأمر. حيث أن طاقتك أصبحت الآن متوفرة للمضي قدماً نحو المستقبل وبناء الحياة التي تتمناها. وإذا عدنا إلى مثال كرة السلة، ستجد أن مع عدم الاكتراث لها سوف تهدأ حركة دورانها إلى أن تتوقف تماماً.
 وعليه سنتوصل إلى أنه لا يمكنك ” إصلاح” هذه الأنماط الفكرية، بل إن المسألة تتلخص في أولاً، الانفصال عنها ” الكتابة التعبيرية” ثم إنشاء دوائر في عقلك أكثر متعة. كما يمكنك الاستعانة بذهنك الواعي. وبالتدريب، سيحدث كل هذا سريعاً. ولن تصدق كم الطاقة التي ستصبح متوفرة لديك الآن. حتى أنك ستتوقف عن محاولة حل ما يستعصي حله.

ابدأ بما لا تصدقه  

رحلتك نحو الشفاء ليست في الإيمان بمعتقدات دايفيد هانسكوم، أو رحلة توجيه مسار الرعاية الخاص بك، أو أي مصادر أخرى. إذ ما كل هذا إلا نوع من أنواع كبت الأفكار. حيث تُنشئ الأفكار الإيجابية نفس الأنماط التي يُنشأها التأثير القطبي. يجب أن تبدأ رحلتك وتستمر بتواصلك مع ما يحدث في هذه اللحظة. لذا فإن بدء هذا العلاج سيكون بمثابة اعتراف بعدم تصديقك ونقدك اللاذع. فلقد جربت تقريباً كل ذلك ولو مرة على الأقل، لماذا ستصبح هذه التجربة مختلفة؟ يداهمك الحزن عندما تبحث عن السعادة. وتتسبب رغبتك في التخلص من الألم في مزيداً منه. لذا عليك الاستمرار في محاولة تجاوز هذا التفكير الإيجابي. صحيح أننا جميعنا نرغب في الإيمان بالسعادة وتجربتها، ولكن العيش مع ألم مزمن أمر صعب.

تأتيك رحلة الشفاء هذه بأدوات بُحثت بعناية تعمل على إعادة برمجة جهازك العصبي وتعطيك فرصة للهدوء والاسترخاء. كما أنها توفر طرق لتنظيم حالة جسدك الكيميائية. وتنطلق معك خطوة بخطوة من نقطة وقوفك أنت. ولأن رحلة التخلص من الألم مناقضة لنفسها، فيجدر بالعلاج أن يكون تتابعي حيث ينمو ويتطور من تجارب المرضى الناجحة.

الملخص

إن ” لعنة الوعي” هي الأفكار غير السارة المتكررة. ونظراً لقدرة الإنسان على معالجة اللغة وتكوين الأفكار والمفاهيم المجردة، فإنها تختلف من شخص لآخر لتصبح بمثابة نسخته عن واقعه وكينونته. ونضيع الكثير من الوقت في محاولة إصلاحها أو الهرب منها رغم استحالة هذا نظراً لطبيعتها العنيدة وغير العقلانية.

لذا فإن باستيعابك للآلية العصبية المسببة لها ستتعرف على ماهيتها تحديدًا. لذا طور نظامك الخاص وتجاوز الأمر لحياة أكثر متعة.  

المصدر: https://www.psychologytoday.com/

ترجمة: ندى أشرف

مراجعة: عبدالرحمن نصرالدين


تويتر: @abdonasr77


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية