ما هو دافع الإبداع المميز؟

ما هو دافع الإبداع المميز؟

27 أبريل , 2021

ترجم بواسطة:

طيف قاسم

دقق بواسطة:

نجلاء أحمد

تتحدث المقالة عن أن الابتكار متجلي في الفن والأدب أكثر منه في المساعي العلمية .

النتائج الإبداعية ليست عرضية وإنما ذات دافع قوي.

  شددت في أطروحاتي حول الإبداع العلمي على الشغف العظيم لدى العلماء البارزين أمثال، أينشتاين وداروين  ويوكاوا. وتحدث علماء آخرون من مجموعة الخمسة والأربعين مرشح للفوز بجائزة نوبل للعلوم في مقابلات أجريتها معهم عن تفانيهم لحل المعضلات التي اختاروها وعن إحساسهم العميق بالارتياح عند تحقيقهم الانجازات والنجاح وفي أحيان كثيرة عن إحساسهم بالمتعة.

وتوجد غالبًا أسباب عدة وراء الارتباط العاطفي الوثيق لكل عالم مع بحث معين فضلًا عن ثقتهم الواضحة ببلوغهم الهدف وذلك نظرًا لأهمية الحلول.   وارتبط هذا الشغف لدى أينشتاين وداروين بمدى أهمية المشكلة مع جميع أعمالهم العلمية حتى تلك اللحظة، فإن سبب اختيار العمل على مشكلة معينة لهذين العالمين وغيرهم من العلماء هو حتمًا نتيجة لمعرفتهم بأهمية هذه المشكلة في مجالهم وكذلك لاستيعابهم المفاهيمي.

وهنالك بعض المؤلفين ممن أكد على أهمية ما يسمونه (اكتشاف المشكلة) في الأعمال العلمية الإبداعية.  ولكن الجدير بالذكر أن اختيار مجال أو مسعى بحثي معين كان في بعض الأحيان إما شبه عرضي أو ظرفي. وحتى كبار العلماء عادةً يبدون اهتمامًا بالغًا بمثل هذه الاختيارات، وفيما يتعلق بـالإنجازات الإبداعية البارزة فإن التفاني والهمة رفيقهم.

وإلى جانب المعرفة والاستيعاب المفاهيمي هناك عوامل أخرى أثرت على الخيار الأوّلي أو النهائي لمشكلة علمية محددة.   إن اكتشاف المشكلة عامل مهم للإنجاز الإبداعي القيّم أو الجانب القيّم منه. وكذلك فأن ما يقود العالم الذي يميل إلى اختيار مشكلة ذات نتائج مهمة وأثر بعيد فضًلا عن العمل عليها هو المامه بالمجال. لكن قد لا تظهر الحداثة والابتكار المطلوبان في الإنجاز الإبداعي في البداية، وبمعنى آخر جميع المشكلات العلمية المهمة لا تستوجب حلولًا مبتكرة؛ فيمكن لشتى أنواع النُهج أن تحل بإتقان عالٍ بعضًا من أهم المشكلات العلمية مثل التفكير المباشر والخطي، والعمليات الاستقرائية والاستدلالية والتناظرية.

 غالبًا ما يُزعم في المؤلفات حول الابداع العلمي ويُقر به أنبغ العلماء أن العديد أو حتى أغلب الاكتشافات العلمية الكبيرة هي نتيجة لـ”السرنديبية ” (أو الصدفة) ويعني هذا المصطلح اكتشاف الشيء عرضيًا أو عشوائيًا وهو مصطلح ابتدعه هوراس والبول عام 1754 ليصف به اكتشافات الأمراء الرحالة في سريلانكا التي تعد غريبة وعرضية.

اُستخدم هذا المصطلح في العلم لمثل هذه الاكتشافات وذلك كاكتشاف فليمنق للبينسلين، ورونتجن للأشعة، وبينديكتس للزجاج المقاوم للكسر، وستيرنباخ للمهدئات (الفاليوم)؛ وقد ظهر في كلٍّ من هذه الاكتشافات نتائج غير متوقعة سببها عامل خارجي على البحث أو عارض مثل تلوث مزارع فليمنج البكتيرية بالخميرة الموجودة في الهواء.   ولكن وفقًا لتحليل دقيق لكل اكتشاف سرنديبي اتضح أن المكتشف يملك ما يسميه العالم الفرنسي باستور” الذهن الحاضر” أي أن الاحداث العرضية المماثلة لما ذكر ما كان ليدركها أو يقدرها عالم أقل معرفة، وبالتالي سأزعم بأنه عالم غير “مستعد” لأن يحقق إنجازًا إبداعيًا. والمغزى هو أن دافع الابتكار عامل ثابت في الابداع العلمي بغض النظر عن الظروف التي يتحقق فيها الإنجاز.             

فمثلًا كان يبحث فلمنج عن مضاد للبكتيريا قبل اكتشافه للبنسلين، واعتقد عند رؤيته تعفن البكتيريا في صحن الآغار أن بإمكانه استخدام الخميرة لتكون عاملًا حيويًا مضادًا للبكتيريا وهي فكرة لم تطرأ له مسبقًا في بداية بحثه. وعلى غرار ذلك، فأن المعلومات الواردة عن كل العلماء الحائزين على جائزة نوبل في موضوعاتي البحثية ومن وُثِّقت إنجازاتهم الإبداعية، واكتشافاتهم، ونظرياتهم في السير الذاتية أظهروا دافعًا فريدًا للابتكار في مرحلة ما في أعمالهم العلمية وعادةً يكون هذا الدافع مرتبطًا باكتشافاتهم التي حازت على جائزة نوبل.

إن دافع الابتكار متجلي في الفن والأدب أكثر منه في المساعي العلمية؛ فالكاتب تقابله صفحة فارغة، والفنان تقابله لوحة فارغة، والموسيقار يقابله صوت عشوائي وكل منهم عليه أن ينتج شيئًا لم يوجد من قبل؛ إلا أنه لا ينجح الكثيرون في ذلك أو حتى يسعون للنجاح في إنتاج عمل جديد وقيم، أي ابداع هادف. فيخلق العديد من الكتّاب شخصيات نمطية وحبكات غالبًا ما تكون بديعة جدًا، وينتج الكثير من الفنانين نسخًا متقنة، وبذلك ينتج كلاهما عملًا ذا قيمة ولكن ليس بجديد.

وتزخر المؤلفات التي تتحدث عن الإبداع بروايات شخصية عن الالهام العفوي وما يسمى أيضًا بالإلهام المستمد دون وعي اللذين يوحيان إلى مصادر إبداعية غير مُحفّزة –وسحرية أحيانًا-. ودائمًا ما يذكر مثل هذه الروايات الشعراء والمؤلفون والفنانون والموسيقيون الذين مع هذا كله يقضون قدرًا كبيرًا من وقتهم منصبين على صنع ابتكارات ملموسة سواءً كان ذلك قبل الالهام أو بعده، وأشهر تلك الروايات هي رواية صامويل تايلور كولردج عن رؤيته نص قصيدته “كوبلا خان” كاملةً في حلم أفيوني.

يعد هذا الإبداع أكثر تعقيدًا من الوقائع المذكورة التي تحدث ذاتيًا وغير إراديًا، وذلك بعد أن عُثر على تنقيحات كولردج وتعديلاته العديدة على المخطوطة الأولى لقصيدته.

المصدر: https://www.psychologytoday.com

  ترجمة: طيف قاسم

 مراجعة وتدقيق: نجلاء أحمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية