اكتشاف جديد يمكن العلماء من تطوير تقنية كريسبر للتحكم في الوراثة الفوق جينية

اكتشاف جديد يمكن العلماء من تطوير تقنية كريسبر للتحكم في الوراثة الفوق جينية

15 أكتوبر , 2021

يتكلم المقال عن اكتشاف ثوري لتقنية حديثة يستطيع من خلالها العلماء بتعطيل وتشغيل أجزاء من الجينات ويعني ذلك مزيداً من التحكم في مجالات الوراثة فوق الجينية.

اكتشف العلماء طريقة تمكنهم من تعديل البنية الأساسية لأحد أشهر أدوات التعديل الجيني كريسبر (CRISPR) لتسهيل وصولها إلى تعديل ما هو أبعد من الجينوم إلى ما يعرف بالعوامل الفوق وراثية (epigenome). إن العوامل الفوق وراثية أو العوامل الفوق جينية هي بروتينات وجزيئات صغيرة تلتصق بالحمض النووي وتتحكم في متى وأين يتم تشغيل الجينات، كما يمكنها إيقاف تشغيل الجينات.

في ورقة بحثية نُشرت في 9 أبريل 2021، في مجلة الخلية (Cell)، وصف باحثون في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو ومعهد وايتهد، أداة جديدة قائمة على تقنية كريسبر تسمى “كريسبر أوف” (CRISPRoff)- وتعني إيقاف كريسبر- والتي تسمح للعلماء بإيقاف تشغيل أي جين تقريبًا في الخلايا البشرية دون إجراء تعديل واحد للشفرة الجينية. كذلك أظهر الباحثون أنه بمجرد إيقاف تشغيل الجين، فإنه يظل خاملًا في نسل الخلية لمئات الأجيال، ما لم يتم تشغيله مرة أخرى باستخدام أداة تكميلية تسمى “كريسبر أون” (CRISPRon) – وتعني تشغيل كريسبر- تم وصفها كذلك في الورقة البحثية.

ونظرًا لأن العوامل فوق الجينية تلعب دورًا رئيسيًا في العديد من الأمراض، بدء من العدوى الفيروسية إلى الإصابة بالسرطان، فقد تؤدي تقنية “كريسبر أوف “(CRISPRoff) يومًا ما إلى توفير علاج جيني فعال. ونظرًا لأن هذه الطريقة لا تتضمن أي تعديلات على الحمض النووي، فمن المحتمل أن يكون أكثر أمانًا من علاج كريسبر التقليدي والتي يُعرف عنه أنها يسبب تغييرات غير مرغوب فيها في المادة الوراثية قد تصل إلى الضرر.

وصرّح دكتور لوك جيلبرت وهو أحد أعضاء الفريق البحثي، من أنه على الرغم من أن العلاج الجيني والخلوي هو مستقبل الطب، إلا أن هناك مخاوف محتملة تتعلق بالسلامة بشأن تغيير المادة الوراثية بشكل دائم، وهذا هو السبب في أننا نحاول التوصل إلى طرق أخرى لاستخدام تقنية كريسبر لعلاج الأمراض”.

كيفية تحويل تقنية كريسبر من محرر للمادة الوراثية إلى محرر للمادة الفوق وراثية؟

تم تجهيز كريسبر التقليدي بقطعتين من الأدوات الجزيئية التي تجعل تحرير الجينات فعال، القطعة الأولى تحتوي على إنزيم قص الحمض النووي، والذي يمنح كريسبر القدرة على تغيير تسلسل الحمض النووي. والأخرى عبارة عن جهاز توجيه يمكن برمجته للتركيز على تسلسل المطلوب للحمض النووي DNA مما يمنح تقنية كريسبر التقليدية تحكمًا دقيقًا في مكان إجراء التعديلات.

ولتطوير تقنية “كريسبر أوف” لتعديل العوامل الفوق جينية، استغنى الباحثون عن وظيفة إنزيم قص الحمض النووي الخاص بـكريسبر التقليدي مع الاحتفاظ بجهاز التوجيه، مما أدى إلى إنشاء كريسبر مُجرد قادر على استهداف أي جين، ولكن ليس تحريره. ثم ربطوا إنزيمًا بكريسبر بحيث يعمل هذا الإنزيم على العوامل الفوق جينية.

صمم الباحثون الأداة الجديدة بحيث تستهدف أحد العوامل الفوق جينية، حيث يتم إضافة علامة كيميائية وهي مجموعة ميثيل للحمض النووي (عملية الميثلة) والتي تعد واحدة من العديد من الأجزاء الجزيئية التي تضاف في العوامل الفوق جينية.

فعندما يتم ميثلة الحمض النووي، يتم لصق مجموعة الميثيل على الحمض النووي ، مما يؤدي إلى تعطيل الجينات القريبة منها. وعلى الرغم من أن مثيلة الحمض النووي تحدث بشكل طبيعي في جميع خلايا الثدييات، فإن تقنية “كريسبر أوف” المطورة توفر للعلماء تحكمًا غير مسبوق في هذه العملية.  وبالتالي صمم الباحثون أداة أخرى، تسمى “كريسبر أون”، تزيل علامات الميثيل المودعة بواسطة “كريسبر أوف”، مما يجعل العملية قابلة للعكس تمامًا.

وصرح أحد أعضاء الفريق البحثي، د. جوناثن فايزمان من معهد وايتهد، بأنه “يمكن القيام بالتعديل للعوامل الفوق جينية لجينات متعددة في نفس الوقت دون أي ضرر للحمض النووي، وبطريقة يمكن عكسها.  وبالتالي فأن كريسبر أوف المطور يعد أداة رائعة للتحكم في التعبير الجيني.

المفاجأة الكبرى أن هذه التقنية تقلب المبدأ الأساسي لعلم الفوق جينات!

فاستنادًا إلى عمل سابق لمجموعة بحثية في إيطاليا، كان الباحثون واثقين من أن تقنية “كريسبر أوف” ستكون قادرة على تعطيل جينات معينة، لكنهم اشتبهوا في أن حوالي 30٪ من الجينات البشرية لن تستجيب للأداة الجديدة. يتكون الحمض النووي من أربعة أحرف وراثية – أدنينA ، سيتوسين  C، جوانين G ، ثيامين T- ولكن بشكل عام، يمكن ميثلة (إضافة مجموعة الميثيل) فقط السيتوسين بجانب الجوانين فقط ولذلك اعتقد العلماء منذ فترة طويلة أن الميثلة يمكنها فقط تعطيل الجينات في مواقع في المادة الوراثية حيث تكون تسلسلات CG شديدة التركيز ، وهي مناطق تُعرف باسم “جزر CpG”.

و نظرًا لأن ما يقرب من ثلث الجينات البشرية تفتقر إلى جزرCpG، افترض الباحثون أن الميثلة لن تؤدي إلى إيقاف هذه الجينات. لكن تجارب تقنية “كريسبر أوف” قلبت المبدأ الأساسي لعلم الفوق جينات.

صرحت دكتورة جيلبرت: “ما كان يعتقد قبل هذا العمل هو أن 30 بالمائة من الجينات التي لا تحتوي على جزر CpG لا يتم التحكم فيها عن طريق ميثلة الحمض النووي”. “لكن عملنا يظهر بوضوح أنك لا تحتاج إلى جزيرة CpG لإيقاف الجينات عن طريق الميثلة. كانت تلك، بالنسبة لي، مفاجأة كبيرة”.

الوراثة الفوق جينية تعزز الإمكانات العلاجية لتقنية “كريسبر أوف

تتمتع محررات الوراثة الفوق جينية سهلة الاستخدام مثل تقنية “كريسبر أوف” بإمكانيات علاجية هائلة، ويرجع ذلك في جزء كبير منه أن العوامل الفوق جينية يمكن توريثها كحال العوامل الجينية الوراثية.

فعندما تقوم تقنية “كريسبر أوف” بتعطيل الجين، لا يظل الجين متوقفًا في الخلية المعالجة فحسب، بل يظل أيضًا في اجيال الخلايا الناتجة منها أثناء انقسامها، لما يصل إلى 450 جيلًا. كما تفاجأ الباحثين أن هذا صحيح حتى في حالة الخلايا الناضجة مثل الخلايا الجذعية. فعلى الرغم من أن الانتقال من الخلية الجذعية إلى الخلية البالغة المتمايزة يتضمن إعادة توصيل كبيرة للعوامل الفوق جينية، فإن علامات مجموعة الميثيل المودعة بواسطة تقنية “كريسبر أوف” قد ورثت كما هي في جزء كبير من الخلايا التي قامت بهذا الانتقال.

تشير هذه النتائج إلى أن تقنية “كريسبر أوف” يمكن إجراؤها إلا مرة واحدة فقط للحصول على تأثيرات علاجية دائمة، مما يجعلها نهجًا واعدًا لعلاج الاضطرابات الوراثية النادرة – بما في ذلك متلازمة مارفان، التي تؤثر على النسيج الضام ومتلازمة أيوب (جوب) واضطراب الجهاز المناعي وأشكال معينة السرطان – الذي يسببه نشاط نسخة واحدة تالفة من الجين.

وعلى الرغم من أن تقنية “كريسبر أوف” واعدة بشكل استثنائي، إلا أن هناك حاجة إلى مزيد من العمل لتحقيق إمكاناتها العلاجية الكاملة. وسيحدد الوقت ما إذا كانت تقنية “كريسبر أوف” والتقنيات المماثلة هي بالفعل “مستقبل الطب”.

المصدر: https://www.sciencedaily.com

ترجمة: د. فاتن ضاوي المحنّا

تويتر: @F_D_Almutiri

مراجعة: عبد اللطيف الرباح

تويتر: @al3lm


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية