لماذا يسهل تذكر بعض الكلمات أكثر من غيرها؟

تستخدم أدمغتنا استراتيجيات محرك البحث، كي تتذكر كلمات و ذكريات التجارب السابقة. 

وجد الباحثون أنه في كثير من الأحيان قد تستعيد أدمغتنا بعض الكلمات الشائعة  مثل: (خنزير)، و(خزان)، و(باب) أكثر بكثير من غيرها أشباه : (قطة)، و(شارع)، و(سلم). وتوصلوا إلي هذا من خلال الدمج بين اختبارات الذاكرة، وتسجيلات موجات المخ، واستطلاعات لمليارات الكلمات المنشورة في الكتب والمقالات الإخبارية وصفحات موسوعة الإنترنت، لكن لم يعرض الباحثون كيف يمكن لأدمغتنا أن تستعيد الكلمات فقط لكن أيضًا كيف يمكنها استعادة ذكريات تجاربنا السابقة.

المصدر : NIH  المعهد القومي للصحة.

آلاف الكلمات -كبيرها وصغيرها- محفورة في ذاكرتنا وتنتظر فقط أن يتم سحبها بسرعة و ربطها بجمل. وجد باحثو المعاهد الوطنية للصحة في دراسة أخيرة لمرضي الصرع و المتطوعين الأصحاء، أن في كثير من الاحيان تسحب أدمغتنا بعض الكلمات الشائعة مثل (خنزير)، و (خزان)، و(باب) أكثر من غيرها مثل: (قطة)، و(شارع)، و(سلم). وهذا من خلال الدمج بين اختبارات الذاكرة، وتسجيلات موجات المخ، واستطلاعات لمليارات الكلمات المنشورة في الكتب، والمقالات الإخبارية، وصفحات الانترنت، ولم يظهر الباحثون فقط كيف يمكن لأدمغتنا استعادة الكلمات، ولكن أيضًا كيف تستعيد ذكريات تجاربنا السابقة.

وأفاد دكتور شي ويزيهن -دكتور الفلسفة وخبير علم النفس الادراكي و زميل ما بعد الدكتوراه  في المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية (NINDS)- والذي ساعد علي نشر هذه الدراسة علي صفحة سلوك الطبيعة البشرية( Nature Human Behavior   ) قائلًا: «لقد وجدنا أن بعض الكلمات يسهل تذكرها أكثر من غيرها. حيث تدعم نتائجنا فكرة أن ذكرياتنا مزودة بأسلاك في الشبكات العصبية وأن أدمغتنا تبحث عن هذه الذكريات بنفس الطريقة التي تَتبع بها محركات البحث المعلومات علي الانترنت». و يستكمل حديثه قائلًا: « إننا نأمل أن يتم استخدام تلك النتائج كخارطة طريق لتقيم صحة ذاكرة الشخص ودماغه».

اكتشف دكتور شي و زملاءه هذه الكلمات لأول مرة عندما أعادوا تحليل نتائج اختبارات الذاكرة التي خاضها 30 مريض صرع من الذين كانوا جزءًا من التجربة السريرية التي قادها كريم زغلول الحاصل علي دكتوراه في الطب والفلسفة وجراح الأعصاب والباحث الكبير في المعهد الوطني للاضطرابات العصبية و السكتة الدماغية (NINDS  ). حاول دكتور زغلول و فريقه مساعدة المرضي الذين لا يمكن السيطرة علي نوباتهم المرضية باستخدام الأدوية، وهو المعروف أيضًا باسم (الصرع المستعصي). و خلال فترة المراقبة، قضى المرضي عدة أيام في المركز الطبي للمعاهد الوطنية للصحة مع أقطاب كهربائية مزروعة جراحيًا ومصممة لاكتشاف التغيرات الحادثة في نشاط المخ.

قال دكتور زغلول:  «هدفنا هو اكتشاف مصدر هذه النوبات المنهكة والمضرة والقضاء عليها». و استكمل حديثه قائلًا : «أعطتنا فترة المراقبة أيضًا فرصة قيّمة لتسجيل النشاط العصبي الذي يتحكم في أجزاء أخرى من حياتنا. و بمساعدة هؤلاء المتطوعين المرضي استطعنا الكشف عن بعض المخططات الأساسية وراء ذاكرتنا».

صممت اختبارات الذاكرة في الأصل لتقييم الذكريات العرضية، أو العلاقات بين من وماذا و أين وكيف تروي التفاصيل التي نصنعها مع تجاربنا السابقة. فعادةً ما يدمر مرض الزهايمر و أشكال أخري من الأمراض العقلية، قدرة المخ علي تكوين مثل هذه الذكريات.

عُرض على المرضي أزواج من الكلمات مثل: (يد)، و (تفاحة) من بين قائمة تضم 300 اسم شائع. و بعد بضعة ثواني عرض عليهم كلمة من هذه الكلمات، كلمة (يد) مثلًا ، و يطلب منهم ذكر زوجها الثاني أي (تفاحة). وقد استخدم فريق دكتور زغلول هذه الاختبارات لدراسة كيفية تخزين الشبكات العصبونية الحيوية في المخ واسترجاع الذكريات.

عندما أعاد دكتور شي وزملاءه فحص نتائج الاختبار، وجدوا أن المرضي استدعوا بنجاح بعض الكلمات أكثر من غيرها، بغض النظر عن الطريقة التي اقترنت بها الكلمات. ففي الواقع،  من بين آل 300 كلمة المستخدمة- في المتوسط – كان احتمال استدعاء أول خمس كلمات بنجاح أكبر بسبع مرات من احتمال استدعاء الخمسة الآخرون .

في البداية، كان دكتور زغلول وفريقه مندهشين من النتائج حتي أنهم شكوا في الأمر قليلًا. فقد كان يعتقد العلماء علي مدار سنين طويلة، أن الاستدعاء الناجح للكلمات المزدوجة يعني أن دماغ الشخص قامت بعمل ارتباط قوي بين الكلمتين أثناء التعلم وأن أي عملية مماثلة قد تفسر سبب كون بعض التجارب أكثر تذكرًا من غيرها. وكان من الصعب أيضًا تفسير لماذا كلمات مثل (خزان)، و (دمية)، و(بركة ماء)، تم تذكرها أكثر من الكلمات المستخدمة مثل (شارع)، و(أريكة)، و(سحابة).

لكن سرعان ما قلت تلك الشكوك عندما شاهد الفريق نتائج مشابهة جدًا لتلك. وهذا بعد أن خضع 2.623 متطوع معافى لنسخة الكترونية من اختبار زوج الكلمات التي نشرها الفريق علي موقع التعهيد الجماعي(المصدر الجماهيري) المسمى بأمازون ميكانيكال ترك( Amazon Mechanical Turk).

قال دكتور زغلول : « لقد اكتشفنا أن بعض الكلمات في هذه الحالة قد تكون بطبيعتها سهلة التذكر أكثر من غيرها». و استكمل حديثه قائلًا: « تمدنا هذه النتائج أيضًا بأقوى دليل حتي الآن علي أن ما اكتشفناه حول كيفيه تحكم المخ بذاكرة مجموعة هؤلاء المرضى يمكن أن يطبق أيضًا علي الأشخاص الذين خارج الدراسة».

 أتي دكتور شي بفكرة الدراسة في حفلة عيد الميلاد التي حضرها بعد فترة قصيرة من مجيئه إلي المعهد الوطني للصحة منذ حوالي سنتين. انضم دكتور شي إلي فريق دكتور زغلول ليتعلم أكثر حول الأعمال التي تتم داخل الدماغ. وهذا  بعد سنين عديدة قضاها وهو يدرس كيف لحالتنا العقلية، ومزاجنا، وعادات نومنا، وإلمامنا بشيء ما يمكن أن يغير ذاكرتنا.

قال دكتور شي : «تلعب ذاكرتنا دورًا أساسيًا في تحديد هويتنا وكيفية عمل أدمغتنا. لكن علي الرغم من هذا، فإن كون بعض الأشخاص يتذكرون نفس الأشياء بطرق مختلفة، يعد واحد من أكبر تحديات دراسة الذاكرة، ويُصعب هذا علي الباحثين مقارنة أداء الناس في اختبارات الذاكرة». و استكمل حديثه قائلًا : «لأكثر من قرن، والباحثون بحاجة إلي وصف محدد لهذا التقلب . فإذا استطعنا التنبؤ بماذا يجب أن يتذكر الأشخاص أولًا و فهمنا كيف تقوم أدمغتنا بعمل هذا، إذًا سيكون باستطاعتنا تطوير طرق أفضل لتقييم صحة دماغ أي شخص بشكل شامل».

قابل في الحفلة دكتورة ويلما بيتنبريدج -الحاصلة علي دكتوراه في الفلسفة و أستاذة مساعدة في جامعة شيكاغو في قسم علم النفس- و التي في نفس الوقت كانت تعمل كزميلة ما بعد الدكتوراه في المعهد الوطني للصحة العقلية التابع للمعاهد الوطنية للصحة. و التي كانت تحاول معالجة نفس المشكلة عن طريق دراسة ما إذا كانت بعض الأشياء التي نراها لا تنسي أكثر من غيرها.

فعلي سبيل المثال،  وجدت دكتورة بيتنبريدج وزملائها في إحدي المجموعات الخاصة بدراسات لأكثر من 1000 متطوع معافى، أن بعض الوجوه يسهل تذكرها أكثر من غيرها. في هذه التجارب كان يُعرض علي كل متطوع عدة وجوه كثيرة متتابعة ثم يطلب منهم الإشارة عندما يتعرفوا على واحد من هذه المجموعة.

قالت دكتورة بينبريدج: «الاكتشاف المدهش الذي وجدناه هو أن هنالك بعض الصور لأشخاص و أماكن سهلة التذكر للجميع بطبيعتها، رغم أننا رأينا أشياء مختلفة في حياتنا». و استكملت حديثها قائلة: «وإذا كانت القدرة علي تذكر الصورة قوية جدًا، فهذا يعني أنه بإمكاننا أن نعرف مسبقًا ما يحتمل أن يتذكره الأشخاص أو ينسوه».

ومع ذلك اقتصرت هذه النتائج علي فهم كيفية عمل أدمغتنا عندما نتعرف علي شيء نراه. وفي الحفلة تسائل دكتور شي و دكتورة وينبريدج عما إذا كان يمكن تطبيق هذه الفكرة لاسترجاع الذكريات التي كان فريق دكتور زغلول يدرسها، وإذا كان الأمر كذلك، فبما سيساعدنا ذلك بخصوص كيف تسترجع الدماغ تجاربنا السابقة؟

يعرض دكتور شي في هذا التقرير، أن المبادئ الآتية من النظرية الراسخة والمعروفة باسم نموذج البحث عن الذاكرة الترابطية (SAM  )؛ قد تساعد في تفسير نتائجهم الأولية التي توصلوا إليها مع مرضى الصرع والضوابط الصحية.

قال دكتور شي : « اعتقدنا أن إحدي الطرق لفهم نتائج اختبارات أزواج الكلمات هو تطبيق النظريات العامة للشبكات لمعرفة كيف يتذكر المخ التجارب السابقة. و في هذه الحالة، تبدو ذكريات الكلمات التى استخدمناها مثل: الإنترنت، أو خرائط محطات المطار حيث الكلمات التى تظهر علي شكل نقاط كبيرة، وعالية الإرسال، ومتصلة بأجزاء أصغر تمثل الكلمات الأقل تذكرًا». واستكمل كلامه قائلًا: «كان سر فهم ذلك بشكل كامل، هو معرفة ما يربط الكلمات ببعضها».

و لمعالجة هذا الأمر، أنشأ الباحثون برنامجًا جديدًا لبناء طراز بالحاسوب يختبر ما إذا كانت هناك قواعد معينة، لتحديد كيفية ارتباط كلمات يمكنها التنبؤ بنتائج القدرة علي التذكر التي راوها في الدراسة. استندت هذه القواعد علي دراسات اللغة التي قامت بمسح لآلاف الجمل من الكتب، والمقالات الإخبارية، وصفحات الويكيبيديا.

في البداية، وجدوا أن الأفكار التي تبدو مباشرة لربط الكلمات ليس بإمكانها تفسير نتائجهم. فعلي سبيل المثال، أكثر الكلمات تذكرًا لا تظهر ببساطة في الجمل علي عكس الجمل الأقل تذكرًا. و بالمثل لم يستطيعوا إيجاد صلة بين جمود تعريف الكلمة والقدرة علي تذكرها. فلم تكن كلمة مثل (عثة) سهل تذكرها أكثر من كلمة لها معاني أكثر تجريدًا مثل (رئيس).

وعوضًا عن ذلك، تشير النتائج إلي أن الكلمات الأكثر تذكرًا كانت متشابهة لغويًا أكثر، أو عادةً ما كانت أكثر ارتباطًا بمعني كلمات أخرى مستخدمة في اللغة الإنجليزية. وهذا يعني أنه عندما أدخل الباحثون بيانات التشابه الدلالي في نموذج الكمبيوتر، خمنوا بشكل صحيح الكلمات التي كانت سهله التذكر علي كلًا من: المرضي والمتعافين. وعلي نقيض ذلك، لم يحدث هذا عندما استخدموا بيانات حول تكرار كلمات لو الجمود.

دعمت نتائج أخري فكرة أن الكلمات التي لا تنسى، تمثل محاور عالية الإرسال في شبكات ذاكرة المخ. استطاع مرضي الصرع استدعاء الكلمات التي لا تنسى أكثر من غيرهم. و في الوقت ذاته أظهرت التسجيلات الكهربية لمرضى صرع الفص الصدغي المتقدم، ومركز اللغة أن أدمغتهم أعادت تشغيل الإشارات العصبية التي وراء تلك الكلمات أسرع من الكلمات الأقل تذكرًا. وقد وجد الباحثون هذا المسار عندما نظروا في كلًا من متوسطات جميع النتائج و التجارب الفردية، والتي تشير بقوة إلي أن الكلمات التي كانت أكثر تذكرًا، يسهل علي الدماغ العثور عليها.

علاوةً علي ذلك، يستدعي كلًا من المتطوعين المرضي والأصحاء عن طريق الخطأ، الكلمات الأكثر تذكرًا أكثر عادةً من أي كلمات أخري. بشكل عام، دعمت هذه النتائج الدراسات السابقة التي أشارت إلي أن المخ قد يتردد أو يمر عبر هذه الذكريات شديدة الارتباط ، بنفس الطريقة التي تبحث بها الحيوانات عن الطعام، أو الكمبيوتر في الانترنت.

 قال دكتور شي: « عندما تكتب كلمات في محرك البحث، يعرض لك قائمة من التخمينات الأكثر صلة، وكأن محرك البحث يقرأ أفكارك. حسنًا، تشير نتائجنا إلي أن أدمغة الأشخاص الذين أجريت عليهم التجارب في هذه الدراسة، فعلوا شيئًا مشابهًا لذلك عندما حاولوا تذكر الكلمات المزدوجة، ونعتقد أن هذا يمكن أن يحدث عندما نتذكر تجاربنا السابقة». و استكمل حديثه قائلًا: «أشارت نتائجنا أيضًا إلي أن بناء اللغة الانجليزية مخزن في عقل الجميع . ونحن نأمل أن يومًا ما يتم استخدام هذا للتغلب علي التقلب الذي يواجهه الأطباء عند محاولة تقييم صحة ذاكرة الشخص ودماغه».

يستكشف الفريق حاليًا طرقًا لدمج نتائجهم، ونموذج الكمبيوتر في تطوير اختبارات الذاكرة لمرض الزهايمر، وأشكال أخري من الأمراض العقلية.

ترجمة : نورهان أحمد سليم

المصدر : https://www.sciencedaily.com

مراجعة:زينب محمد

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *