الملل في الحظر أو فن التأقلم

تتكلم المقالة عن الملل ومدى صعوبته على الفرد وتطرح لنا المقالة حلولا عديدة حيال مواجهة مشكلة الملل وكيفية التخلص منه.

طفل يشعر بالملل في الحظر بسبب فيروس كورونا

الحركة غالبًا ما تكون علاج الملل، لكن قد تكون البصيرة هي أفضل علاج.

وجدت دراسة للصحة النفسية في شهر مارس، على ثلاث آلاف وخمسمئة شخص إيطالي يعيشون في الحجر الصحي على مستوى البلاد، أن الملل كان مشكلة أكثر تفشياً من الوحدة ونقص النشاطات الاجتماعية وحتى فقدان الوظائف والدخل.  

إن شعورك بالتقييد والحصر في أثناء الحجر الصحي لهو خير سبيل لتغلغل الملل إليك، فعدم قدرتنا على ممارسة حرياتنا، والحرمان من الاثارة المنتظرة لعطلة نهاية الأسبوع-والتي لا فرق بينها الان وبين باقي أيام الأسبوع-كلها هذا يضعنا هدفًا سهلاً أمام الملل. وسواء كنا نفعل شيء لا نحب فعله أو لا نفعل شيء كنا نحب فعله، ففي النهاية نحن نشعر بأننا غير منخرطين مع العالم بنحوٍ هادف. وأضف على ذلك ملايين الأشخاص ممن هم تحت أوامر حظر التجوال لاسيما مع حلول فصل الصيف.

ومن وجهة نظر حصيفة، فإن الملل يعد امتيازاً لك في هذه الحالة. فهو يعني أنك جالس لا تبحث باستماته عن عمل أو عن لقمة عيش، أو أنك لا تعاني في الحفاظ على دراستك أو أعمالك المنزلية التي ما أن تضخمت بسبب جلوس العائلة في البيت، أو أنك لست قلقا أو حزين على أحبائك ممن سقطوا في يد الفيروس. إن ذلك يعني أنك ما زلت آمناً في سربك معافى في جسدك، ولست بين السبعين في المئة من الامريكان الذين دخلهم أقل من ألف دولار أو الخمسة وأربعين في المئة الذين لا دخل لهم.

بيد أن الملل، لا يزال أرضاً موحلة من اليأس والانقطاع والذي قد يبدو مشابه على نحو خطرٍ للاكتئاب، والاكتئاب حالة فيها نكافح بحثاً عن الاثارة والانخراط والمعنى ولذة التجديد. وبالرغم من أن التضحية بحريتك وراحتك في سبيل صحة الاخرين أمرٌ هادفٌ من دون جدال-وهذا هو هدف الحجر-وبالرغم من أن الحياة نفسها بها قدر أكيد من الملل، فإن صبر المرء قد ينفذ بعد مرور شهور.  

إن ظهور ملل حظر التجول والعزل قد لا يكون خطئك، لكن أن تجابهه فهذه مسؤوليتك، لاسيما إن كنت بالغ. فحين تفقد التحكم في الفرامل في الطريق ستتجه للانزلاق لا لشيء آخر.  

وفي النهاية فالملل هو مجرد إشارة كالألم أو ضوء لوحة العداد في السيارة، هو موجود ليسترعي انتباهك. وإن لم تستغل الملل كمنشط لتحفيزك فسيصبح بسهولة مخدر يشلك.

هناك نوعان من الملل، قد يظهر كلاهما بسبب الحجر. الأول هو موقفي أي يعتمد على الموقف-كأن تكون عالق في الحجر أو في أحد الطوابير او أحد الاجتماعات المملة-. أما الثاني فهو وجودي أي تجاه الموجودات-فقد مللت من شركتك ومن عملك ومن زواجك ومن حياتك-. ويسميه العلماء فرط الملل، وهذا النوع يستمر معك حتى بعد يذهب النوع الأول.

بالرغم من أن كلا النوعين من الملل محبطان، إلا أن رد فعلك تجاه هذا الإحباط هو ما يحدد نتيجة أسباب سخطك.

غالبا ما تكون الحركة هي علاج الملل-تحرير شعورك بالعجز بالفعل عوضًا عن أن تكون مفعول به- لكن مع النوع الأكثر عمقا من الملل خصوصا فإن الحل معه غالبا ما يكون بحسن البصيرة.  

وبتحويل انتباهك إلى الملل والكسل والسلبية ستصبح مستنيراً حولها. أو كما سمعت أحد الأطباء النفسيين يقول ” الأشخاص المملون وحيدون بالنسبة لأنفسهم وليس بالنسبة للأخرين. نحن نفتقد الشخصية الفردية التي فقدناها”.

تؤكد الأبحاث التي تم إجراؤها من جامعة يورك في كندا على وجود علاقة إيجابية بين الملل من الناس وافتقارهم للوعي العاطفي. وأظهرت أنه من الممكن التنبؤ بمدى تعرض الأشخاص للملل، ومدى صعوبة مواجهته لهم، بناءً على معرفتهم العاطفية – أي مقدار الاهتمام الذي يولونه لأفكارهم ومشاعرهم، وقدرتهم على الفحص والتعرف على مزاجهم. إذا كنت تدرس الملل الخاص بك، فقد تجد أنه مليء بالحكمة والبصيرة.  

في بعض النواحي، هذا هو المنطق الكامن وراء أي ممارسة للوعي – أخذ الأنشطة العادية واليومية (التنفس والجلوس والمشي) وإخضاعهم لاهتمام اليقظة والحيادية ، والتعرف على فوائدهم. كذلك مع الأفكار والمشاعر والأحاسيس وحالات العقل مثل الملل. يمكنك أن تجعل حضور الذهن حالة تعادلها عادةً مع غياب الإثارة ، وفجأة تصبح جذابة.

من المسلم به أن الفراغ في جوهر الملل بالتأكيد ملل ،ولكنه يبدو مختلفًا نوعيًا عن الفراغ الذي يسعى إليه ممارسو الذهن والتأمل بالوعي، فالفراغ الثاني مليء بالوجود بدلاً من الغياب ، ويعبر عن الروح بدلاً من اكتئابٍ الروح. لكن لعل كلاهما متشابهان، وهي الأمر يعتمد على الطريقة التي تنظر بها إليهما. ربما التفكير يمكنك رؤية الفراغ الذي تعده لعنة الملل على أنه نعمة. تشعر بالفراغ؟ كم هو رائع.

يخبرنا ممارسو الوعي الذهني أن الترياق للملل ليس بالضرورة نشاطًا، بل الجلوس مع الملل. وبدلاً من التفكير اليائس والغافل به، والرغبة في ملء الوقت بأي وسيلة متاحة، بدلاً من ذلك اجلس على حافة الملل وأمل أبعاده إنه كالثقب. لاحظ أن الفراغ ليس العدم على الإطلاق. هناك الكثير – الضوء والفضاء والإمكانات. يذكرني بميم-صورة ساخرة- رأيته مؤخرًا: فقد يظهر غرفة فارغة ضخمة بحجم حظيرة مع لافتة عند المدخل مكتوب عليها “متحف الهواء والفضاء”.

خذ الملل الخاص بك على أنه تأمل، أو بحثٌ عن رؤية في غرفة المعيشة الخاصة بك ، تأمل لا يتعلق بالتشتيت بل بالتحقيق ، وليس حول التدمير (إنهاء الملل) ولكن الابداع (اكتبه ، ارقصه ، ارسمه ، غناء البلوز ، تأليف جناح للكمان الباكي).

إن استخدام الإبداع لمكافحة الملل ينطلق من المنطق القائل بأنه إذا لم تتمكن من التغلب عليه ، انضم إليه.

غالبًا ما يُنصح الآباء بأنه عندما يأتي إليهم أطفال يشكون من الملل، يجب عليهم تجنب التسرع لمساعدتهم ببساطة على ملء الوقت والعودة إلى الانشغال كالمعتاد. بدلاً من ذلك يجب أن يوقفوا ما يفعلونه ويركزون على الطفل لمدة خمس دقائق ، مستغلين هذا الوقت للتواصل والدردشة والتحاضن فقط ، حينها سيحصل معظم الأطفال على الوقود الذي يحتاجونه لينطلقوا. (أو يمكنك إلهامهم بشكل أسرع من خلال العرض عليهم بالعمل في الأعمال المنزلية أو أعمال الفناء لتخفيف معاناتهم.)

وينطبق الشيء نفسه على الكبار. لا تتسرع في ملء الفراغات.

ترجمة:عبدالرحمن نصرالدين 

تويتر: @abdonasr77.

مراجعة :نجلاء أحمد

المصدر: https://www.psychologytoday.com

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *