الهواتف الذكية تختطف السعة الإدراكية

تاريخ النشر : 05/11/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :389
المراجع أبرار مغربي

Medical resident

المترجم سندس المذلوح

 

ملخص المقال: نظرًا لازدياد تأثير الهواتف الجوالة على حياتنا اليومية، قام مجموعة من الباحثون في مدينة تكساس بالبحث أكثر عن مدى تأثير الهواتف على قدراتنا العقلية والتفكيرية استنادًا إلى مجموعتين بحثيتين وقاموا بنشر نتائج البحث الذي يبين بشكل واضح مدى تأثير الهواتف واستنزافها لعقولنا.

 

 

أظهر بحث جديد بأن وجود الهاتف الذكي بالقُرب يقلل من السعة الإدراكية حتى إذا كان مغلقًا. حيث قام مجموعة من الباحثين بقيادة الدكتور أدريان وارد، الأستاذ المساعد في مدرسة إدارة الأعمال بجامعة تكساس في مدينة أوستن، بعمل دراستين على ما يقارب ثمان مئة طالب جامعي، حيث شارك الطلاب في مهام معرفية إما بوجود هواتفهم بقربهم وأمامهم أو بقربهم ولكن بعيدًا عن نظرهم أو في غرفة أخرى.
وجد الباحثون بأن مجرد وجود الهاتف الذكييؤثر عكسيًا على السعة الإدراكية المتوفرة، حتى حين نجح المشاركون في المحافظة على التركيز ولم يستخدموا هواتفهم أو يفكروا فيها، وكان التأثير الإدراكي أكثر عند أولئك الذين أظهروا إدماناً لهواتفهم الذكية. يقول الدكتور وارد في تصريح صحفي:”لم يكن المشاركون مشتتين بفعل إشعارات هواتفهم، ولكن مجرد وجودها بجانبهم كان كافياً للتقليل من سعتهم الإدراكية.”نُشِرت الدراسة على الإنترنت في الثالث من نيسان في مجلة جمعية بحوث المستهلكين*1

يقول الباحثون: “إن تزايد استخدام الهواتف الذكية يدل على أن هذا العصر عصر تواصل غير مسبوق،” ويضيفون: “بما إن عددًامن الأفراد يلجؤون للشاشات الذكية لتنظيم وتحسين حياتهم اليومية، فيجب علينا أن نسأل عن تأثير الاعتماد على هذه الأجهزة على القدرة على التفكير والعمل في العالم بعيدًا عن الشاشات.”التجربة الحالية تختلف حيث أنها تُركّز على “حالة غير مُفسّرة مسبقًا، لكنها منتشرة”، حين لا تكون الأجهزة في قيد الاستخدام لكنها موجودة. للإجابة على هذا التساؤل، أجرى الباحثون دراستين مرتبطتين، درسوا في التجربة الأولى الفرضية القائلة بأن مجرد وجود الهاتف الذكي لأحدهم يقلل من السعة الإدراكية المتوفرة لديه، كما انعكس ذلك على الأداء في اختبارات سعة الذاكرة العامة*2 وما يسمى بالذكاء السائل*3، كلاهما يكوّنان المجال العام الذي تقيّده إتاحة مصادر التركيز وتوفرها من لحظة لأخرى.
كان عدد المشاركين خمس مائة وعشرون ومتوسط الأعمار كان ٢١.١ سنة، والانحراف المعياري: ٢.٤، قُسّم المشاركون عشوائيًا إلى ثلاث مجموعات حسب مواقع جوالاتهم.
ترك المشاركون من مجموعة “الغرفة الأخرى” كل حاجياتهم، بما فيها هواتفهم في ردهة الاستقبال قبل دخولهم لقاعة الاختبار. المشاركون في مجموعة “المكتب” تركوا معظم أغراضهم في الاستقبال وأخذوا هواتفهم معهم إلى قاعة الاختبار حيث طُلِب منهم أن يضعوها مقلوبة في أماكن مخصصة على مكاتبهم. أخذ المشاركون في مجموعة “الجيب/الحقيبة” كل حاجياتهم إلى غرفة الاختبار ووضعوا هواتفهم الذكية إما في جيوبهم أو في حقائبهم.
أكمل المشاركون مهمتين لقياس السعة الإدراكية المتوفرة، مهمة العملية تلقائية المدة*4 و العشر بنود الفرعية من مصفوفات رافان التقدمية القياسية*5
كما أكمل المشاركون اختبارًا يستدعي القيام بعمليات حسابية ومجموعة من الأسئلة عن تجاربهم في المختبر وعما يعتقدونه عن الارتباط بين هواتفهم الذكية والأداء.
أظهرت المقارنة الزوجية أن أداء مجموعة “الغرفة الأخرى” أفضل من أداء مجموعة “المكتب” (القيمة الاحتمالية = 0.02 ). ولم يكن هناك اختلافًا كبيرًا بين أداء مجموعة “الجيب/الحقيبة” ومجموعة “المكتب” (القيمة الاحتمالية = 0.09 )، أو مجموعة “الغرفة الأخرى” (القيمة الاحتمالية = 0.11).
“أظهر مخطط تحليل المتباينات اتجاهًا خطيًا بارزًا بين المكتب => الجيب/الحقيبة => الغرفة الأخرى، ولم يكن هناك أي اتجاه تربيعي: ما يعني أنه كلما ازدادت أهمية الهاتف الذكي، كلما قلت السعة الإدراكية المتوفرة” كما يعلق الباحثون.
اعتمد الباحثون تحليل التباين الأُحادي لإجابات المشاركين على سؤال: كم مرة فكرت في هاتفك الخليوي أثناء انهائك لمهام اليوم؟ فلم يجدوا أي تأثير لمكان وجود الهاتف على الأفكار المتعلقة به (القيمة الاحتمالية = 0.43)، في الحقيقة، الإجابة المثالية لعدد مرات التفكير في الجوال في كل المجموعات كانت “لم أفكر مطلقًا”.

في التجربة الثانية، درس الباحثون مؤثرات أهمية الهاتف الذكي على سعة الذاكرة العامة وقياس لسلوك التركيز المستمر على مئتان وخمسة وسبعون طالب جامعي (متوسط الأعمار = 21.3 سنة، الانحراف المعياري = 206).
استنسخ الباحثون التجربة الأولى مع استثناءات حيث استخدموا نفس مواقع الهواتف، ووظفت التجربة تصميم بين الأفراد بحيث يكون الهاتف مفتوحًا/ مغلقًا. طُلِب من المشاركين في مجموعة “المكتب” أن يضعوا هواتفهم مواجهة لهم، وطُلِب من المشاركين في جميع المجموعات إما أن يطفئوا هواتفهم أو يتركوها تعمل. ثم أكمل المشاركون إجراءين معتمدين على المفتاح: مهمة العملية تلقائية المدة6*ومهمة اذهب/لا تذهب7*المعتمدة على الإشارة والتي تمثل مقياس للتركيز المستمر. ذكر المشاركون فيما بعد مدى الصعوبة الموضوعية لكل مهمة. كما أجاب المشاركون عن أسئلة استطلاعية عن الفروق الشخصية بينهم في استعمال هواتفهم والتعلق بها.
وكما في التجربة الأولى، بينت المقارنة الزوجية أن أداء المشاركين في مجموعة “الغرفة الأخرى” كان أفضل بشكل ملحوظ من أداء المشاركين في مجموعة “المكتب” في مهمة العملية تلقائية المدة. أما المشاركون في مجموعة “الجيب/ الحقيبة” فلم يكن أدائهم مختلفا كثيرًا عن المشاركين في باقي المجموعات وبالمثل فمخطط تحليل البيانات كان مشابهًا.
يعلق المؤلفون: ” التأثير المعدوم للطاقة وتفاعل الطاقة مع الموقع يدل على أن الانخفاض في الأداء غير متعلق بالإشعارات المستقبلة على الهاتف (أو احتمالية استقبال إشعارات)، إذا استبعدنا الشرح البديل للتأثيرات الذي حصلنا عليه في التجربة الأولى.”

وجد الباحثون إلى أن الاختلاف الشخصي في الاعتماد على الهواتف الذكية يحد من انخفاض الإدراك. المشاركون الذين كانوا أكثر تعلقًا بهواتفهم الذكية أدوا أداءًا أسوأ من أولئك الذين كانوا أقل اعتمادًا على هواتفهم ولم يكن الفرق ظاهرًا إلا عندما وضعوا هواتفهم في الجيوب أو الحقائب أو على المكتب.
يعلق الباحثون بأن: “المثير للسخرية أنه كلما ازداد تعلق المستهلكين بهواتفهم كلما عانوا أكثر من وجود الهواتف، أو بطريقة أكثر تفاؤلًا، كلما كانت احتمالية استفادتهم أكثر في عدم وجود الهواتف.”
يقول د. وارد: “لاحظنا اتجاهًا خطيًا مطّردًايبين أنه كلما كانت الهواتف الذكية ملاحَظَة أكثر كلما قلت السعة الإدراكية المتوفرة عند المشاركين” وأضاف: “عقلك الواعي لا يفكر في هاتفك الذكي، لكن تلك العملية -عملية مطالبة نفسك بعدم التفكير في شيء- تستهلك بعض مصادر إدراكك المحدودة، إنه استنزاف للدماغ!”
تعليقًا على الدراسة لأخبار ميدسكيب الطبية، د. لاري روزن البروفيسور المتقاعد لعلم النفس بجامعة ولاية كاليفورنيا دومينغس هيل، وصف الدراسة بـ: ” عمل جيد حقيقة، وإنجاز جيّد، ولكنه مخيف قليلًا.”
وأكمل قائلًا: “راقبت مجموعتنا الطلاب وهم يدرسون وحينما يفعلون ذلك فإنهم يضعون هواتفهم بالقرب منهم كقاعدة حتى وإن كان عملهم مهمًا جدًا وإن كانوا يعرفون بأننا نراقبهم، فوجدنا أنهم يدرسون عشر دقائق من أصل خمسة عشرة دقيقة، وهو الوقت الأقصى لقدرتهم على التركيز من دون الشعور المُلِحّ للتحقق من هواتفهم.”
“الناس يتحققون من هواتفهم حتى وإن لم تهتز ولم تصلهم إشعارات و هذه نتيجة استغراقنا في عالمالهواتف الذكية،” يقول د. روزن، مؤلف كتاب العقل المشتت*8
“نعلم أن هذا التصرف يزيد من القلق وأيضًا يقلل من طاقة الدماغ بتكوين صعوبات في معالجة المعلومات،” يقول د.روزن، ويضيف: “وهذا يشرح كون المعلومات التي تريد الإحاطة بها تتشتت بالجهاز. كيف يمكنك تذكُّر أو معالجة أي شيء بعمق إذا كنت تعالجه لعدة دقائق فقط؟”
ويقول بأن الدراسة لها انعكاسات مهمة للأطباء حيث يجب أن تعي أن أي رسالة تعطيها لمراجعك لن تُسمَع جيدًا لأنك على الأغلب لن تسمح لهم باستخدام هواتفهم خلال الجلسة العلاجية لذلك فإن جزء من عقلهم يبتعد، ربما ستطلب منهم أن يعيدوا ما قلته لكن الذي سيقولونه فعلًا هو: “لم أتحقق من حسابي في سناب شات لمدة!”
بالإضافة إلى ذلك، “يجب أن يهتم الأطباء بسلوكهم في هذا الشأن أيضًا ولا يتحققون من هواتفهم في منتصف الجلسة العلاجية. وإذا كان ولا بد من ذلك فبإمكانك أنت ومريضك أن تأخذان استراحة قصيرة للتحقق من هواتفكم.”
اقترح الباحثون عدة أساليب للحد من “استنزاف الدماغ”، مع ملاحظة أنه استنادًا إلى ما توصلوا إليه فإن وضع الهاتف مواجهًا أو مقلوبًا أومغلقًا لن ينفع بشيء. بل تشير حقائقنا لحل بسيط واحد على الأقل وهو “الانفصال” بالأحرى تحديدأوقات معينة ومحفوظة للانفصال.
استنتج الباحثون أن دراستهم تساهم في النقاش المتزايد بين المستهلكين والمسوقين كليهما عن تأثير التكنولوجيا على المستهلكين أو العكس، في عالم يزداد تواصلًا يومًا بعد يوم.

 

 

*1: The journal of the association for Consumer research
*2: Working memory capacity (WMC)
*3: Fluid intelligence= الذكاء التحليلي
*4: The automatic operation span task (OSpan)
*5: Raven’s slandered progressive matrices (RSPM)
*6: The OSpan task

*7: The Cue-Dependent Go/No-Go task
*8: Distracted mind (MIT Press, 2016)

 

 

 

 

 

ترجمة: سندس المذلوح
مراجعة: أبرار مغربي

 

 

المصدر:

Medscape


شاركنا رأيك طباعة