بعد الطوفان، عودة البكتيريا آكلة اللحم!

بعد الطوفان، عودة البكتيريا آكلة اللحم!

22 نوفمبر , 2022

ترجم بواسطة:

أحمد عاطف سالمان

دقق بواسطة:

أماني نوار

إعصار يطلق العنان لبكتيريا الضمة (Vibrio) القاتلة، والتي يزداد تهديدها كلما ازداد الدفيء وذاب الجليد.

في سبتمبر الماضي عصف إعصار بالساحل الجنوبي الغربي لفلوريدا، مؤديًا لارتفاع البحر حوالي أربعة أمتار فوق مدينة فورت مايرز الساحلية، غمرت مياه الخليج الدافئة المسوسة – أي قليلة الملوحة – المنازل والمتاجر والمجاري ومضخات وخزانات الصرف الصحي، حيث خلطت الرياح الجارفة والأمطار كل شيء معًا في مزيج ضخم، مما أتاح الفرصة للضمة الجارحة (Vibrio vulnificus) وهي مخلوق ضئيل الحجم، عظيم القدرة على التكيف، قادر على أكل اللحوم إلى الظهور مرة أخرى.

أصيب ثماني وعشرون مريضًا بهذه البكتيريا التي سرعان ما تستطيع تحليل أنسجة الجلد، تصفية الدم من الحديد والتسبب بفشل متعدد في الأجهزة الحيوية، وقد أدت إلى وفاة سبعة منهم.

يقول جاي ويليامز، السكرتير الصحفي المساعد في وزارة الصحة بفلوريدا: “عندما تكون في بيئة استوائية فإن المياه الراكدة الملوثة بالرواسب وما تخمره الشمس، تعطي لك المزيج المناسب لنمو هذه البكتيريا”.

عند انحسار مياه الفيضان بدأت الحالات في التراجع، ولم يُبلغ عن أية إصابات جديدة بعد الثالث عشر من أكتوبر، ولكن العديد من الباحثين مثل دايل داينز عالم الأحياء الدقيقة في جامعة أولد دومينيون في فيرجينيا، يعتقدون أن الضمة الجارحة وأخواتها الإحدى عشر شديدي الخطورة، قد يكونون التهديد القادم للبشرية في العقود القادمة، حيث إن التغيرات المناخية ستعيد تشكيل المسطحات المائية، فالأعاصير تزداد في الشدة، والفيضانات تزداد في العدد، ومياه المحيط الدافئة تتمدد ناحية الشمال، حيث تفضل الضمة التكاثر في البيئات البحرية الدافئة.

والجدير بالذكر أيضًا، أنها مخلوق محب للملح، أي أنها تزدهر في البيئات المالحة قليلًا مثل مياه الفيضانات المسوسة والتي رافقت الإعصار.

تحتوي عائلة الضمة على أكثر من مئة نوع، ولكن الأشرار منهم قلة مثل ضمة الكوليرا والضمة الجارحة والضمة نظيرة المُحللة للدم. وجدت وكالة حماية البيئة في دراستها الحديثة أن بحلول عام 2090 قد تزداد نسبة الإصابة بالضمة حوالي 50: 100% في الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف التعامل مع هذه الأمراض من 2 مليار دولار إلى 7 مليار دولار سنويًا.

من المتوقع أن ينتشر تفشي الضمة شمالًا كلما ازدادت درجات الحرارة وارتفع منسوب البحر. ففي 2014 كان هناك تفشي في شبه الجزيرة الإسكندنافية أصاب حوالي 90 مريضًا بعضًا منهم كان في نطاق مئة ميل من الدائرة القطبية، أدت إليه موجة حارة متواصلة، رفعت حرارة سطح البحر إلى درجات لم تصل لها من قبل تلك المنطقة.


تقول داينز: “إذا كان لديك تيار وموجة حارة، فبإمكانك الإصابة بالضمة، ومما يزيد من فرص الإصابة أن الناس يذهبون إلى الشواطئ في الموجات الحارة”.

تُعرّض الفيضانات البشر للمياه المليئة بالبكتيريا، مما يزيد من فرص العدوى، وجعل البكتيريا المنتقلة عن طريق الماء أكثر خطورة. في فلوريدا، تسببت قوة الإعصار إيان إلى تدمير مرافق الصرف الصحي العتيقة، مما أدى إلى اختلاط مياه الصرف مع الفيضان، معطيًا الفرصة للضمة أن تختلط بأنواع وفصائل أخرى من البكتيريا، وقد يحدث أن تتبادل معهم الجينات مثل الجينات المقاومة للمضادات الحيوية.


في المستقبل حيث التغيرات المناخية ستزيد من شدة الفيضانات والأعاصير والعواصف، يعتقد الباحثون أن فرص الاختلاط والتبادل سوف تزداد.
 
تقول داينز: “مثّل الإعصار الفرصة الذهبية لنمو الضمة، عن طريق إحضاره للمياه المالحة الدافئة للأحياء السكانية”.
ثم وضحت: “عندما خرج السكان من الملاجئ، بعضهم اضطر أن يمر في مياه الفيضانات، وفي تلك الحالة أي جرح أو شق في الجلد سيوفر مدخلاً ممتازًا للضمة الجارحة، والتي بمجرد دخولها إلى الجسم تكمل دورة تكاثرها فقط في عشرين دقيقة، هذا التكاثر المتسارع هو ما يغرر بالناس”.


وفي النهاية اختتمت حديثها ناصحةً: “إذا نظرت إلى جرحك ووجدت به احمرارًا وانتفاخًا، فلا يجب عليك الاستهانة بالأمر وأن تسرع إلى المستشفى”.

تبّرُع الضمة الجارحة بشدة في تخطي الجهاز المناعي، حيث بمجرد استقرارها داخل الجسد تنزع إلى تكوين الغشاء الحيوي الرقيق (Biofilm)، وهو خليط لزج من البروتينات والسكريات والدهون تختبئ بداخله البكتيريا ويصعب بشدة على الخلايا المناعية اختراقه.


عندما تعبر البكتيريا خلال الجلد، تبدأ في تحليل الأنسجة الرخوة مؤدية إلى الالتهاب اللفافي الناخر (necrotizing fasciitis)، الذي يؤدي إلى التحلل السريع في خلايا الجلد ثم موتها، تاركة جراحًا أرجوانية داكنة مكانها. وفي الوقت نفسه تستطيع استهلاك الحديد داخل خلايا الدم الحمراء مسببة إنتان الدم (Sepsis).


تبلغ نسبة الوفيات حوالي خمس وثلاثين بالمئة، ولكن في المرضى ضعيفي المناعة أو المصابين بأمراض أخرى ترتفع حتى خمسين بالمئة تقريبًا.

على الصعيد العالمي تقتل ضمة الكوليرا عشرات الآلاف من المرضى سنويًا، بالرغم من أنها تعتبر منقرضة في الدول المتطورة، حيث اللقاحات ومحطات المياه الحديثة، إلا أن أشقاءها مثل الضمة الجارحة ما زالوا يصيبون المرضى عالميًا، فلا تتوقف طريقة انتشارهم على الجروح فقط، بل ينتقلون من خلال الطعام البحري غير الناضج أو النيء.

وعلى عكس الكوليرا لا يوجد للضمة الجارحة والفصائل الأخرى أي لقاح، يمكن فقط علاجهم بالمضادات الحيوية، بافتراض أنهم لم يُطوروا أو يحصلوا على الجينات المقاومة للمضادات الحيوية، فقد قامت دراسة على الضمة الجارحة المستخرجة من المحار أن حوالي خمسون بالمئة من البكتيريا كانوا مقاومين لنوعين أو أكثر من المضادات الحيوية.

لتفادي خطر الضمة تنصح داينز الجميع أن يستمعوا لتحذيرات الهيئات الصحية من المياه الملوثة، أن يرتدوا أحذية الشاطئ عند الذهاب للبحر لتفادي الجروح التي قد تدخل الضمة من خلالها، وأن يذهبوا إلى الطبيب إن كانت هناك احتمالية لإصابتهم أو في حالة وجود أعراض مثل الحمى وتورم الجلد.

إن تهديد الضمة هو احدى عوارض التحولات البيئية التي ستحدث على مدار هذا القرن، وتحديدًا على المستوى المجهري، فقد أظهرت الأبحاث أن ذوبان التربة الصقيعية (permafrost) في القطب الشمالي يمكن أن يطلق العديد من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية والفيروسات المجهولة، وأن الفيضانات المتكررة والطقس القاسي غالبًا ما سيؤدون إلى ارتفاع حالات العدوى والأمراض الفطرية.

لدى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أنظمة لمراقبة ورصد التفشيات، مثل نظام رصد الكوليرا وأمراض الضمة (COVIS)، ونظام رصد الأمراض المنتقلة عبر الطعام (FDOSS)، وهذه الأنظمة تسمح للعلماء بالتعامل السريع مع التفشي بمجرد ظهوره، ولكن في المستقبل سيكون تفادي هذه الكائنات مسؤوليتنا الأساسية.


يوضح داينز: “يجب أن نعتاد على حقيقة أننا سوف نكون أقرب إلى هذه البكتيريا وأن هذا سوف يجعلنا مرضى بشدة. مثل أي شيء فإن هذه البكتيريا تحاول فقط العيش والتكاثر، ونحن من نتواجد في بيئتهم”.

المصدر: https://www.wired.com

ترجمة: أحمد عاطف سالمان

مراجعة وتدقيق: أماني نوار

تويتر: amani_naouar


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية