لماذا يستصعب البعض الشعور بالسعادة؟

لماذا يستصعب البعض الشعور بالسعادة؟

8 فبراير , 2022

ترجم بواسطة:

مدى أحمد

دقق بواسطة:

رحاب الدوسري

بقلم: جولانتا بيرك

ازدهرت المساعدة الذاتية التي يغذيها البحث في علم النفس الإيجابي، إذ يهتم هذا العلم بالدراسة العلمية حول الأسباب التي تحقق السعادة للناس، لكن وعلى الرغم من هذا الإزدهار، إلا أن معدلات القلق والاكتئاب، وإيذاء النفس آخذة في الارتفاع في جميع أنحاء العالم.

 فهل محكومٌ علينا ألا ننعم بالسعادة رغم هذه التطورات التي يشهدها علم النفس؟ 

فوفقًا لمقالٍ مؤثر نُشر في مراجعة لعلم النفس العام في سنة ٢٠٠٥، تبّين أن سعادة الناس تُحدد بنسبة ٥٠% من خلال جيناتهم، و١٠% يعتمد على ظروفهم المحيطة، و٤٠% على “النشاط المتعمد” (بشكلٍ أساسي، سواءً كنت شخص إيجابي أم لا)،  ويُطلق على هذا التقسيم” happiness pie” أي”مخطط السعادة الدائري” والذي حدد مساره علم النفس الإيجابي، إذ يسمح للأشخاص باتخاذ القرار بشأن مسار سعادتهم ( الرسالة غير المعلنة هنا هي أنه إذا كنت غير سعيد فالأمر برمته خطأك).

تم انتقاد هذا المخطط على نطاقٍ واسع؛ لكونه يستند على فرضية حول وجود دور للجينات في إمكانية الشعور بالسعادة من عدمه، الأمر الذي فقد مصداقيته لاحقًا. وعلى مدى عقودٍ، أجرى باحثو الوراثة السلوكية دراسات على التوائم وأثبتوا أن ما بين ٤٠% و٥٠% من التباين في سعادتهم كان قد فُسِّر بعلم الوراثة، وهذا هو سبب ظهور تلك النسبة المئوية في مخطط السعادة الدائري.

يستخدم علماء الوراثة السلوكية تقنية إحصائية لتقدير المكونات البيئية والوراثية بناءً على القرابة الأسرية للأشخاص؛ ويفسر ذلك استعانتهم بالتوائم في دراستهم من الأساس، غير أن هذه الأرقام افترضت بأن التؤامين المتماثلين والأخويّن يختبران نفس البيئة عندما يكبران معًا- وهو افتراض لا يبدو منطقيًا البتة.  وفي سبيل الرد على الانتقادات الموجهة للورقة العلمية التي نُشرت عام ٢٠٠٥، كتب نفس المؤلفين ورقةً أخرى في عام ٢٠١٩، إذ قُدِّم فيها نهجًا أكثر دقة حول تأثير الجينات على السعادة واُعترف فيها بالتفاعلات بين جيناتنا وبيئتنا.

الطبيعة والتنشئة

لا يُمكن أن تكونا الطبيعة والتنشئة مستقلتان عن بعضيهما، بل على العكس تمامًا، فعلم الوراثة الجزيئي، والذي يدرس بنية الجينات ووظيفتها على المستوى الجزيئي، يبين أن الطبيعة والتنشئة تؤثران باستمرار على بعضيهما؛ إذ تؤثر الجينات في سلوك الناس عند اختيار بيئتهم، على سبيل المثال: الانبساطية التي تنتقل من الآباء الى الأبناء تساعد الأطفال على بناء صداقات مستقبلًا، وبالمثل، بإمكان البيئة تغيير التعبير الجيني، فمثلًا، عند تعرّض الأمهات للمجاعة تتغير جينات أطفالهن وفقًا لذلك، مما يؤدي إلى تغييرات كيميائية تتسبب بقمع إنتاج عامل النمو، وبالتالي فإن الحامل المتعرضة للمجاعة ستضع طفلًا ذو حجمٍ أصغر من المعتاد وستصاحبه حالات، مثل: أمراض القلب والأوعية الدموية.

فالطبيعة والتنشئة مترابطتان وتؤثران على بعضيهما باستمرار، وهنا يكمن السبب في أن الشخصان اللذان تربيا في نفس البيئة قد يستجيبان لها بشكلٍ مختلف، مما يعني أن افتراض علم الوراثة السلوكية للبيئة المتزنة لم يعد صالحًا، وأيضًا ما إذا كانت مقدرة الناس على السعادة تعتمد على “حساسيتهم البيئية” وقدرتهم على التغيير أم لا.

يتأثر بعض الناس بالبيئة التي يعيشون فيها، بالتالي بإمكان ذلك إحداث تغيير كبير في أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم استجابةً للأحداث السلبية والإيجابية على حدٍ سواء. لذلك قد يتأثر البعض أكثر من غيرهم عند حضورهم لورشة عمل عن الرفاهية على سبيل المثال، أو عند قراءة كتاب علم نفس إيجابي، إذ سيختبرون قدرًا أكبر من التغيير وقد يدوم لفترة أطول أيضًا، ولكن لا يؤثر علم النفس الإيجابي بالناس أجمع، إذ أننا متفردون بذواتنا بنفس تفردنا بالحمض النووي، ونملك على هذا الأساس قدرة مختلفة للرفاهية وتقلباتها طوال الحياة.

ويبقى السؤال.. أمقدرٌ لنا ألّا ننعم بالسعادة؟ إذ ربما سيكافح البعض بشكلٍ أكبر قليلًا من غيرهم لتعزيز رفاهيتهم، وقد يطيل هذا الكفاح مدة تعاستهم لا غير، ولن يتمكنوا من الإحساس بمستويات عالية من السعادة في الحالات القصوى، غير أن أولئك الذين لديهم مرونة وراثية أكبر؛ أي أنهم أكثر حساسية للبيئة من حولهم وبالتالي لديهم قدرة متزايدة على التغيير، قد يكونون قادرين على تعزيز رفاهيتهم حتى يصلوا للسعادة إذا تبنوا أسلوب حياة صحي واختاروا العيش والعمل في بيئة تعزز سعادتهم وقدرتهم على النمو.

لكن وعلى الرغم من الدور الكبير التي تلعبه الجينات في رفاهيتنا، إلا إنها لا تحدد من نحن، فما يعتبر مهمٌ أيضًا هو تلك الخيارات التي نتخذها بشأن أين نعيش ومع من وكيف نعيش حياتنا، إذ أن ذلك هو ما يؤثر على سعادتنا وسعادة الأجيال القادمة.

المصدر: medicalxpress.com    

ترجمة: مدى أحمد

 مراجعة: رحاب عمر

تويتر: lectoror


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية