هل بإمكاننا منع درجة حرارة الأرض من الارتفاع؟

هل بإمكاننا منع درجة حرارة الأرض من الارتفاع؟

15 يناير , 2022

ترجم بواسطة:

عبد الله صالح

تفتح مهمة إرسال منطاد لارتفاعات عالية بابًا للحل وآخر للجدل.

وفقًا لمكتب الأرصاد الجوية البريطاني، فقد سجلت الأرض هذه السنة رقم قياسي قاتم، حيث وصل تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي لمستويات تفوق ما قبل الثورة الصناعية بـ١٥٠٪. 

ولتخفيف التأثير الكارثي على المناخ لهذه الزيادة المتسارعة، يتوجب على العالم خفض صافي انبعاثات ثاني اكسيد الكربون للصفر بحلول عام ٢٠٥٠، وحتى ذلك  لن يوقف ارتفاع درجات الحرارة  حيث أننا سنحتاج لعقود لرؤية نتائج خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على المناخ.

هنا يكمن السؤال: هل هناك طرق إضافية تساعد على تسريع خفض درجات الحرارة المتزايدة؟ يعتقد فريق بحثي في جامعة هارفرد أنه بمعالجة البنية العليا للغلاف الجوي قد تكون هناك وسيلة ممكنة لخفض درجات الحرارة عالميًا بشكل مؤقت.

كان من المخطط أن يقوم الباحثون باختبار الفرضية وقابلية تطبيق التقنية المقترحة الصيف المنصرم، اإا أن ما أطلقوا عليها تجربة التشويش الموجّه الستراتوسفيرية (SCoPEx)  تم تأجيلها على أمل استئناف العمل عليها في المستقبل القريب.

المصدر الرئيسي لحرارة الأرض هي الشمس، فهي تشع على الجهة المنيرة لها بتدفق متواصل من الأشعة  تحت الحمراء. و يعكس غلاف الأرض الجوي قرابة ٣٠٪ من تلك الأشعة للفضاء بينما تسخن بقيتها سطح الكوكب خلال النهار قبل أن تشع عائدةً للفضاء خلال الليل. ولقرون، حافظ توازن دقيق بين تلك الاشعة المنعكسة والممتصَّة على متوسط درجات حرارة ثابتة عالمياً من خلال خسارة نفس القدر من الحرارة المكتسبة خلال النهار، لكن سرعان ما اختل ذلك التوازن إبان الثورة الصناعية وما بعدها.

تكمن المعضلة الرئيسية اليوم في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تمتص جزء من تلك الحرارة المفترض خسارتها للفضاء حابسةً إياها في غلافنا الجوي. وبزيادة كمية تلك الانبعاثات ترتفع تلك الحرارة المحتسبة. وعلى المدى الطويل، يجب على البشر الحد والتقليل من تلك الانبعاثات لإبطاء ارتفاع درجات الحرارة. لكن هناك أيضًا طرق محتملة يمكنها تقديم نتائج مؤقتة في خفض درجات الحرارة.

على سبيل المثال، تقذف الانفجارات البركانية سُحب من الغبار والرماد يصل مداها لأعالي طبقات الجو مشكّلة بذلك حجاب يحول دون وصول جزء من حرارة الشمس لسطح الأرض. ففي عام ١٩٩١ تسبب ثوران جبل بيناتوبو البركاني في أرخبيل الجمهورية الفلبينية في خفض متوسط درجة الحرارة للنصف الشمالي للكرة الأرضية بما يزيد عن نصف درجة مئوية سلسية لـ ١٥ شهرًا.

 ولذا،  يرغب فريق SCoPEx القيام بمحاكاة مشابهة عن طريق حقن جزيئات بمستوى طبقات الجو العليا لخفض درجات الحرارة.

الفكرة ببساطة – والمعروفة بعملية حقن الهباء الجوي الستراتوسفيرية- يمكن تنفيذها عن طريق إرسال بالونات هيليوم أو طائرات  لرش كميات من جزيئات مجهرية على ارتفاع يتجاوز ٢٠ كيلومترًا والذي يفوق ذاك الذي تحلق عليه الطائرات عادةً. تبقى جزيئات الهباء الجوي تلك معلقة في الهواء، وعلى الرغم من حجمها المجهري الذي يحول دون تمييزها كتراكمات من السحب إلا أنها كفيلة بأن تحجب جزئياً طاقة الشمس عاكسةً إياها نحو الفضاء.

أظهرت تجارب المحاكاة فاعلية مبدأ عمليات حقن الهباء الجوي الستراتوسفيرية. فيرجح تقرير عام ٢٠١٨ للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن أسطول طائرات قادر على رش كميات كافية من جزيئات الهباء الجوي لموازنة ارتفاع درجة الحرارة الحالي.  مع ذلك، فهذه الطريقة تعالج أحد مشاكل تغير المناخ عوضًا عن حل المشكلة من جذورها والمتمثلة في تأثير البيت الزجاجي ومسبباته، هذا بالإضافة الى الحاجة لتجديد وإعادة ملء طبقات الهباء الجوي بكميات اضافية كل بضع سنوات لضمان استمرار فعاليتها. وفي أحسن الأحوال، فإن هذا الإجراء سيحد من ارتفاع درجات الحرارة، بينما يعمل العالم لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ومعدلاته في الجو.

ولا تزال نتائج الأبحاث حول هذه الطريقة نظرية ومدعومة فقط بقدر محدود من البيانات الواقعية والمستمدة من ثوران البراكين. ويهدف فريق SCoPEx للقيام بتجارب على أرض الواقع وتحت ظروف مضبوطة لمعايرة النماذج الحاسوبية بتوظيف بيانات أكثر واقعية. حيث يقول الباحث الرئيسي للمشروع وعضو قسم الكيمياء والأحياء الكيميائية في جامعة هارفرد: فرانك كوتش، في حالة رغبنا بتزويد صنّاع القرار بالمعلومات حول ما إذا كانت الطريقة فعّالة، فنحن بحاجة لنماذج معتمدة على اختبارات ونتائج ميدانية.

حيث تقذف البراكين الثائرة عادةً مركبات الكبريت والتي بدورها لا تقوم بتبريد الغلاف الجوي فقط، بل تضر بطبقة الأوزون والتي تعد درع الأرض الحامي من الأشعة الفوق البنفسجية الضارة. ويركز فريق SCoPEx جهوده على بدائل أقل ضررًا ككربونات الكالسيوم (غبار الطباشير) على أمل الحصول على تأثير تبريد مشابه دون إلحاق الضرر بطبقة الأوزون.

التجربة المقترحة

يرغب الفريق بإطلاق منطاد هيليوم عملاق يشبه البالونات المستخدمة لتوقعات الطقس إلا إنه سيكون مزوّد بمراوح ليسمح للفريق للتحكم به من على الأرض. وبمعونة مؤسسة الفضاء السويدية، يخطط العلماء لإطلاق المنطاد على حدود كيرونا السويدية. وفي رحلته الأولى -والمجدولة السنة المقبلة- سيتم اختبار أنظمة التحكم وأجهزة القراءة، حيث سيطير المنطاد لارتفاع ٢٠ كيلومتر دون رش أي مواد. وفي حال نجاح تجربة الإطلاق الأولية، سيقوم المنطاد في رحلته التالية على نفس الارتفاع بالرش في مسار مستقيم قرابة ٢ كيلوجرام من كربونات الكالسيوم. بعدها سيعاود المنطاد إدراجه بالتحليق على نفس المسار لتقفي شريط الهباء الجوي الممتد لمسافة كيلومتر لدراسة معدل انتشار جزيئات كربونات الكالسيوم مع الوقت وإلى أي مدى تعكس تلك الكمية أشعة الشمس.

وعلى الرغم من أهمية تجارب الإطلاق ورحلات مشروع SCoPEx في فهم جوانب عمليات حقن الهباء الجوي الستراتوسفيرية، إلا أنه من الضروري استيعاب غرض المشروع. حيث يوضّح ديفد كيث، أحد علماء وأستاذ الفيزياء التطبيقية في جامعة هارفرد أن التجربة لا تهدف لتغيير المناخ أو لرؤية ما إذا كان بالإمكان عكس أشعة الشمس، فالهدف الرئيسي يكمن في تحسين نماذجنا حول طريقة تشكّل الهباء الجوي في طبقة الستراتوسفير الجوية. ويضيف إلى أننا بحاجة لعقد من البحث العلمي على الأقل قبل أن يتسنى لنا القيام بأول عملية رش للهباء الجوي على نطاق كبير وواسع والتي يرجح أنها ستتضمن حقن ما يقارب ١.٥ طن من الهباء الجوي في طبقة الستراتوسفير الجوية سنويًا والتي بدورها ستستدعي الاستعانة بمئة طائرة تقريبًا للرش بشكل متواصل على ارتفاع يصل لـ٢٠ كيلومترًا.

الخلاف

ومع ذلك، لا تزال عمليات حقن الهباء الجوي الستراتوسفيرية محط جدل مستمر. فعن طريق ضخ كميات كبيرة من الغازات الدفيئة في غلاف الأرض الجوي تسبب البشر بأزمة المناخ في المقام الأول، فكيف يصبح حقن الغلاف الجوي بمواد إضافية فكرة أفضل؟ ومع أن النماذج الحاسوبية تطمئن بسلامة عمليات الحقن إلا أن فرص ظهور آثار جانبية غير متوقعة لا تزال محتملة. فهناك احتمال تأثيرها على أنماط الطقس أو حتى المحاصيل الزراعية بتقليل أشعة الشمس. هذا بالإضافة للضرر الذي سيلحق بطبقة الأوزون في حالة استخدام مركبات الكبريت.  لا يزال هناك تحفظ من قبل بعض العلماء حول الاستعانة بعمليات حقن طبقة الستراتوسفير كحل لارتفاع درجات الحرارة.

فيقول باحث البرمجة والرياضيات ومحاضر هندسة الطيران والهندسة الميكانيكية بجامعة كورنيل دوغلاس مكمارتن أن محاولة التحكم بمناخ العالم فكرة مرعبة بحق. كما ذكر أعضاء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في نقاشهم المنعقد عام ٢٠١٨ حول ما أطلقوا عليها عمليات تعديل الشعاع الشمسي أن حداثة التقنية  بالإضافة لمحدودية البيانات وقصور إدراك التأثيرات المحتملة إلى جانب التحديات الإدارية تشكل مزيجًا يحول دون تنفيذ عمليات تعديل الشعاع الشمسي في المستقبل القريب.

ونتيجة لتلك المخاوف، وجد فريق SCoPEx نفسه مضطرًا لتأجيل رحلة منطاد الهيليوم لحين الانخراط بترتيبات وحوارات مجتمعية أكثر شمولية تتناول مسائل تتعلق بأبحاث الهندسة الجيولوجية الشمسية.

وبالنسبة لكيث، يكمن الخطر الحقيقي ببعض المنظمات المستقلة والتي تشرع بعمليات حقن الهباء الجوي الستراتوسفيرية مع غياب النتائج والبيانات التي يهدف فريق SCoPEx للحصول عليه. علاوةً على ذلك، يكمن أحد أكبر أسباب الأصوات المعارضة لمثل هذه الأبحاث في احتمالية تذرع بعض الحكومات والمنظمات بالحلول التي تعد بها نتائجها للتملص من مسؤولية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وهذا بدوره يعارض أي فوائد محتملة لعمليات حقن الهباء الجوي الستراتوسفيرية. فحتى لو تكللت مهمة SCoPEx بالنجاح وأضحى تنفيذ الفكرة ممكنًا بشكل كامل ستبقى حل إضافي -وبالتأكيد ليس ببديل- لتقليل انبعاثات ثاني اكسيد الكربون.  وبتشبيه واقعي تؤكد المدير العام لبرنامج أبحاث الهندسة الجيولوجية الشمسية بجامعة هارفرد: ليزي بيرنز بأن  هذا الحل مثل مسكّن الألم، لجوؤك له لا يغنيك عن ضرورة خضوعك للعملية الجراحية التي يلح وضعك الصحي بشدّة لها.

المصدر: https://www.livescience.com

ترجمة: عبدالله صالح

تويتر: @ASAAlwahaibi

مراجعة: د. فاتن ضاوي المحنّا

تويتر: @F_D_Almutiri


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية