الدليل على أن الألوان  مشاعر وليست خواصًا للضوء

الدليل على أن الألوان مشاعر وليست خواصًا للضوء

30 نوفمبر , 2021

ترجم بواسطة:

ريما الشريف

فهم ماهية الألوان هي الخطوة الأولى لفهم ماهية الأشياء. فالألوان عبارة عن أنماطٍ عميقة من المشاعر ووصلاتٍ عصبية، وليست خصائص فيزيائية جوهرية للضوء فحسب.

بيد أنه ليس بإمكاننا تمييز المكونات التي يتكون منها اللون أكثر مما قد يكون بإمكاننا تمييز المكونات الموجودة في حبوب الإفطار.

إن فهم الظاهرة الطبيعية لأقواس قزح هي أول قفزة مطلوبة في معرفة حقيقة الظواهر الطبيعية الأخرى.

فقد نسأل: ما هو اللون الاحمر؟ ماهو اللون الاخضر ؟ ما هو اللون الأزرق؟  قد يبدو هذا سؤالًا ساذجاً جدًا بحيث لا يستحق التأمل فيه للحظة. ولكن الجواب ليس ما تعلمته في المدرسة، كما قد تم توضيحه في كتاب التصميم الحيوي الكبير، (The Grand Biocentric Design ).  فالإجابة أعمق مما قد يعتقده أي شخص. أي إنها تعود علينا (ما قد شهدناه ).

لفهم ذلك، لنبدأ بالتوقف عند إشارة مرور، نتفق جميعًا على أن إشارة التوقف “حمراء”، وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أبدًا إثبات أن التجربة المرئية الدقيقة التي أسميها “أحمر” هي نفس التجربة لدى الجميع.  إلا أن تجربة اللون الأحمر تظل متسقه.  ورغم ذلك فكر شخص يوماً ما، في تسمية الألوان في المقام الأول.

إحدى أكبر أحجيات الوعي هي لماذا نبدأ بشيء يسمى “الأحمر”. لفهم المشكلة، ضع في اعتبارك حقيقة أن الضوء المرئي هو جزء من الطيف الكهرومغناطيسي، وهو تدرج للإشعاع الكهرومغناطيسي يمتد من أطوال موجية  أقصر إلى أطول، ويتضمن كذلك أشعة جاما، والرادار، والراديو، والموجات الدقيقة أي أنه لا يُنظر إلى أيٍ منها على أنه “لون”.

هذه الأشعة ليست “مسؤولة” عن الإدراك البصري  للون في الواقع، فالأشعة بحد ذاتها غير مرئية تمامًا. وفي أفضل الأحوال، يجب أن نختبر الطيف المرئي باعتباره سلسلة متصلة من التدرج الرمادي تتراوح من الظلام إلى الضوء “تجربة كمية بسيطة”. لكن بالنسبة للبشر وبعض الحيوانات الأخرى، فهي ليست كذلك.  بدلاً من ذلك ، لدينا تجربة نوعية فريدة، ترتبط الألوان بأنماط ٍ من مشاعر عميقة ومتأصلة.

ففي عام 1965، اكتشف الباحثون ثلاث أنواع من الخلايا المخروطية في شبكية العين، والتي عند تحفيزها ترتبط بالأحاسيس البصرية المنفردة للألوان، الأحمر، والأخضر، والأزرق.  و يرتبط تحفيز كل نوع من أنواع المخاريط  في العين بتجربة مرئية متميزة لكن كيف ولماذا؟ يأتي الدليل من حقيقة أن ثلثي هذه الخلايا هي “النوع L” وهو المسؤول عن الإحساس باللون الأحمر.

تشير هذه الغالبية غير المتزنة من خلايا العين، إلى أن إدراك الضوء في هذا النطاق من الطيف المرئي له أولوية أعلى من إدراك الأطوال الموجية الأخرى للضوء. ومن المحتمل أن يحظى اللون الأحمر باهتمام إضافي من الدماغ لكونه يرتبط بأحداث مهمة ومقلقة مثل الإصابة والدم.  وفي هذه الحياة، كان وجود هذا اللون المفاجئ في وعيك يعني إما أن دراجتك قد انحرفت عن الطريق.  أو  في الحالات  الأكثر إثارةٍ  للقلق، يشير اللون الأحمر  أن الدم  يتدفق على ذراعك؛ مما يتطلب رعاية فورية.

هذه الاحتمالات الناتجة عن مواقف تهدد الحياة،  جعلت من اللون الأحمر إشارة تقليدية للأخبار السيئة التي لا ينبغي تجاهلها، و نحن نعلم هذا غريزيًا.  ولهذا السبب لا يحلم أحد، باستثناء مراهق متناقض، برسم غرفة نومه باللون الأحمر الفاتح، على الأقل ليس إذا كان يقدر البيئة الهادئة. وهذا ما يفسر سبب الاتفاق العالمي على اللون الأحمر باعتباره لونًا لأشياء مثل إشعارات التحذير، والسكك الحديدية، ولاحقًا، إشارات توقف السيارات. ولماذا حتى الدول المتميزة ثقافيًا وتلك المعادية للغرب بما يكفي لإبهام أنوفها في الاتفاقيات الحديثة الجديدة لم تخالف هذه القاعدة.

ومن الواضح أن تجربة جذب الانتباه النوعية التي نسميها “أحمر” مرتبطة بنمط عميق من المشاعر والروابط العصبية. تشكل داراتٍ متمايزة بالمثل تتكون من مجموعات “عناقيد” من الخلايا بألوان ومخاريط ٍ أخرى كل منها مرتبط بمناطق منفصلة في الدماغ. وعندما يتم تحفيز هذه الهياكل الخلوية من خلال المخاريط الخاصة في شبكية العين، فإننا نمتلك تجارب مميزة:

فاللون الأزرق يستحضر اتساع السماء ويعطي إحساسًا أكثر هدوءً من الأحمر.  والأخضر ينقل عددًا لا يحصى من نباتاتٍ من القرون الماضية وهو استحضار مريح من الحياة.

لا يمكننا تمييز مزيج المكونات التي تشكل الألوان

نعتقد أن هذه الألوان الثلاثة الأساسية ومجموعاتها المختلفة يجب أن يكون لها دور جوهري من أجل البقاء. خلال التطور المبكر وبالتالي فهي مرتبطة بمساراتها الوظيفية في الدماغ . وعندما يتم إحضار المنطق العلائقي المعقد المرتبط بهذه المجموعات المميزة من الخلايا إلى المنطقة المتشابكة النشطة في الدماغ المرتبطة بالوعي، فيكون لدينا أحاسيس متفردة، ونادراً جداً ما نفكر في المكونات التي تشكل كل من هذه الألوان، أي أنه أكثر مما يمكننا تمييز المكونات في المايونيز، أو قطعة من الحلوى المقرمشة.

الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن الألوان لا يمكن أن تكون موجودة من غير أي وعيٍ منا. و في الواقع، على مستوى جوهري أكثر لا تظهر فوتونات الضوء نفسها إلا عند الملاحظة وانهيار الدالة الموجية.  حيث تظهر التجارب بوضوح أن جسيمات الضوء نفسها لا توجد لها خصائص حقيقية حتى يتم ملاحظتها بالفعل.

فهم الظاهرة الطبيعية لقوس قزح القفزة الأولى المطلوبة لمعرفة الظواهر الطبيعية الأخرى

عند التفكير في الألوان، من الصعب عدم التفكير في ألوان قوس قزح.  حيث يمكن للظهور المفاجئ لتلك الألوان ذات الشكل المنشوري والمتصلة ببعضها البعض بين الجبال أن يحبس أنفاسنا. كما هو الحال في النظر إلى الألوان، تظهر أقواس قزح بشكل كامل داخل جمجمتنا، لكن على عكس الأشياء الأخرى التي ليس لها أي التباسٍ مع المراقبين الآخرين.

و في الواقع، لحدوث هذه الظاهرة الطبيعية يجب توافر ثلاثة شروط: ضوء الشمس وقطرات المطر وعين الراصد  في الموقع الهندسي الصحيح. فإذا نظرت عيناك مباشرة إلى الشمس، فإن قطرات الماء المضاءة بنور الشمس ستشكل قوس قزح يحيط بتلك البقعة الدقيقة على مسافة 42 درجة، لكن عليك بالنظر إلى تلك البقعة التي يتقارب فيها الضوء المنكسر من القطرة المضاءة بنور الشمس لإكمال الهندسة المطلوبة.  وسيكمل الشخص الذي بجوارك هندسته أو سيكون على قمة مخروط مغايرٍ تمامًا عن قطرات المطر وبالتالي سيرى قوس قزح منفصلٍ أو أنه من المحتمل جدًا أن يظهر له قوس قزح ذاته الذي ظهر لك  لكن ليس بالضرورة ذاته.  علاوةً على ذلك، إذا كانت القطرات المضاءة بنور الشمس قريبة جدًا ، كما هو الحال في رشاش العشب  فقد لا يرى الشخص القريب منها قوس قزح على الإطلاق.

 الآن نصل إلى النقطة المهمة: ماذا لو لم يكن هناك أيٍ مما تم ذكره؟ الجواب: لا يتشكل لنا قوس قزح، لا بد أن يكون نظام الدماغ والعين أو بديله مثل الكاميرا التي سيتم عرض نتائجها لاحقًا بواسطة راصدًا نشطاً موجودًا لإكمال الهندسة.  وحتى يظهر لنا قوس قزح حقيقي لابد من وجود الفرد المبصر للألوان وتوافر الشمس والمطر.

قلة هم الذين قد يجادلون في الظاهرة الطبيعية لأقواس قزح والتي تظهر بشكلٍ بارز في القصص الخيالية بحيث يبدو أنها تنتمي إلى عالمنا بشكلٍ هامشي في المقام الأول، ولكن عندما ندرك تمامًا أن مشهد ناطحة سحاب يعتمد على الراصد إلى حد كبير فقد حققنا أول قفزة مطلوبة إلى معرفة الظواهر الطبيعية الأخرى.

المصدر : https://www.psychologytoday.com

ترجمة:  ريما الشريف

مراجعة : د.فاتن ضاوي المحنّا

تويتر: @F_D_Almutiri


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية