أين مكمن الخطأ عند مواجهة الأرق؟

أين مكمن الخطأ عند مواجهة الأرق؟

6 أكتوبر , 2021

دقق بواسطة:

زينب محمد

مررنا جميعًا بليالٍ صعبة النوم، قد تبدأ حين تهم في النعاس لتجد نفسك بعدها مستيقظاً ولا تنام ثانية. أو حين تتقلب وتدور على الفراش وأنت ترقُب عقارب الساعة حتى تشرق الشمس عليك وأنت لم تنم. لكن البعض لا يمر بليالٍ عصية على النوم بين الفينة والفينة فحسب، بل يعاني لأسابيع أو حتى شهور. وحين يصل الأمر لهذه المرحلة، فهم أمام خصمٍ عنيد يدعى: الأرق.

إن المعركة ضد الأرق معركةٌ ليست بالهينة. وحين تظن أنك تمتلك زمام الأمور في هذه المعركة، فقد يكون ما تفعله يزيد الطين بلة.  

وفيما يأتي تُعرفنا الدكتورة أليشا روث، طبيبة طب النوم السلوكي، ما هو الأرق وتبين كيف تؤدي بعض العادات إلى الحيلولة بيننا وبين النوم الذي تحتاجه أجسادنا كل الاحتياج.

ما هو الأرق؟

للأرق شكلان أساسيان. تقول د. روث: «الأرق هو أن يعاني الشخص، في أغلب ليال الأسبوع، مشاكل في الخلود إلى النوم أو الاستمرار في النوم أو كلاهما معًا. إن مررت بهذا الأمر لما يقل عن 3 أشهر فهو أرقٌ حاد، أما إذا زاد الأمر عن 3 أشهر فهو أرقٌ مزمن». وتضيف روث إن كلا النوعان يؤثران على عمل الشخص طيلة اليوم.


ما الذي يسبب الأرق؟

تقول د. روث إن أي شيء يمكن أن يسبب الأرق ولا يجب بالضرورة أن يكون هذا الشيء سلبياً.

وتضيف: «يمكن أن يكون السبب حدث صادم، أو مشكلة في الصحة النفسية، أو مشكلة صحية، أو حدث مرهقٍ للأعصاب في الحياة، على أنه لا يجب أن يكون أمر سيءٍ على الدوام. بل يمكن أن السبب يرجع لأمر حسن لا يمثل سوى التغيير، كالبدء في وظيفة جديدة، أو الانتقال لمنزل جديد، أو أي أمر يمكن أن يعرقل حياتك الطبيعية».

أين مكمن الخطأ عند التغلب على الأرق؟

حين تحظى بليلةٍ سيئة من النوم، فقد تظن أنك بإمكانك أن تعوض ذلك إذا نمت لفترة أخرى أو أسرفت في شرب مشروبات الطاقة حتى تكمل بقية اليوم. لكن لسوء الحظ ينتهي بك المطاف وأنت تصعب الأمور على نفسك. 

تقول د. روث: «من المؤلم أن تكون محروماً من النوم، فنحن البشر لا يروق لنا الشعور بالضيق الناتج عن الحرمان. فلسنا مبرمجين على أن نكون منزعجين. لذا نجد أدمغتنا تبحث عن الطريقة التي نزيل بها هذا الضيق».

وتضيف: «قد تقول” أنا لا أستطيع أن أغفو لأني أعمل. ولا أستطيع التنزه بالخارج لأني ما زلت أعمل”. وفي هذه المرحلة ليس لديك سوى بضع خيارات لتزيل عنك التعب. أحدها قد يكون تناول كوب من القهوة».

تبدو القهوة في تلك الظهيرة أحسن سبيل للانتعاش والنشاط. لكنها قد تُعقّد الأمور عليك حين تهم بالنوم في الليل. 

«جل ما تفعله أنك تخرب نظام نومك في تلك الليلة التي تشرب فيها القهوة، وإذا ما استمررت في فعل هذا فقد تعلق في حلقة مفرغة من سوء النوم».
وتشير د. روث إن هناك أشياء أخرى بيدها أن تطاردك في الليل ساعة النوم منها الغفوة خلال النهار، أو الإفراط في النوم خلال عطل نهاية الأسبوع، أو قضاء وقت طويلٍ في السرير.

وتمضي د. روث موضحةً: «إذا حظيت بليلة سيئة النوم، فقد تخبرك أحد غرائزك أن تخلد للنوم مبكراً في الليلة التي تليها. فحينها أنت مجهد ولا شك أن الحرمان من النوم مؤلم. بيد أن قضاء مزيدٍ من الوقت على السرير لن يمنحك مزيدًا من النوم».

يقع كثيرون ممن يعانون الأرق في فخ الظن القائل: ” أنا سأضجع على السرير لأطول فترة ممكنة فهذا سيزودني بأفضل فرصة للنوم”. وتقول د. روث:«حينئذٍ يمكنك أن تخلد للنوم باكراً وأن تغُط في النوم سريعاً، لكن قد لا يكون بمقدرتك البقاء نائماً-ومن هنا تبدأ معاناتك في العودة للنوم». 

القلق والأرق

حين تواجه صعوبة في النوم ليلة تلو الليلة، فمن المحتمل أن تبدأ في كره ساعة النوم حتى قبل أن تحل. فتوقع عدم القدرة على النوم والقلق الذي ينبع من هذا الترقب وقد يبقيانك في حلقة دائمة من التعب.

تخبرنا د. روث قائلةً: «يمكن أن يدخلك القلق في دائرة مفرغة، فعندما لا تنام بهناء، تشعر بالقلق إزاء نومك ومن ثم تصبح متوجسًا من اليوم التالي. فتتسأل هل ستستطيع العمل أم هل ستستطيع أن تظل مستيقظًا. مما يجعل كل هذا القلق يؤثر على نوم الليلة التالية».  

مجال طب النوم السلوكي

وتتخصص د. روث في مجال طب النوم السلوكي، وهو مجالٌ وإن كان ذا تأثير، إلا أن كثير من الناس لا يدركون وجوده، كما أن الوصول له صعب.
«إن الهدف معالجة المرضى عبر العلاج بتعديل السلوك، بدلاً من الاعتماد على الأدوية ليس إلا. وفي بعض الحالات يؤدي كلٌ من تعديل السلوك والأدوية إلى التغلب على الأرق. والعلاج بتعديل السلوك يعد المثل الأعلى لعلاج الأرق، على الرغم من أنه صعب التوفر».

يحيل الأطباءُ غالبًا مرضى الأرق إلى متخصصي طب النوم السلوكي. وبعض أولئك المرضى قد لا يزال، حين الإحالة، يتناول أدوية انقضى مفعولها منذ فترةٍ مضت. 

الفكرة الخاطئة عن الأدوية المنومة

وتمضي د. روث قائلةً:« إن الأدوية المنومة مخصصة للاستخدام قصير المدى. إذ تؤدي تلك الأدوية مفعولها في نوبات الأرق القصيرة، كعند مواجهتك لأمرٍ مرهق مثل الحجز في المشفى أو التعرض لأزمة صحة نفسية».

«تؤدي الأدوية المنومة قصيرة المدى مفعولها لفتراتٍ قصيرة، لكن نادراً ما أرى أحدًا يستخدمهم كذلك. في معظم الأحيان يستخدم المرضى الأدوية لشهور بل لسنين، وهم غير مدركين أن هذه الأدوية تفقد مفعولها». وعلى حد قول د. روث فبمرور الوقت، تفقد تلك الأدوية قدرتها على التسكين. وهذا أحد أسباب ابتعاد مزودي الرعاية الصحية عن الأدوية المنومة، فهي ليست مصممة للاستخدام الطويل. أما المشكلة الأخرى فهي احتمالية نشوء اعتماد نفسي على الأدوية.

 ويبدأ هذا الاعتماد في التشكل حين يشعر الشخص أنه لا يستطيع النوم إلا إذا تناول الأدوية المنومة. وتساعد د. روث المريض في الإقلاع عن الأدوية المنومة تمامًا، أو في تنمية مزيد من الثقة واكتساب عادات حسنة تخفف الأرق بجانب تناول الأدوية.

وتضيف: «حين تعاني من الأرق، لا تعرف ما تتوقعه. وهذا قد يسبب لك قلقاً جماً إذ أنت لا تثق فيما يخبئه الليل لك.
يقتضي كثير مما أفعله مع المرضى بناء ثقتهم بنفسهم تجاه النوم، وأن أضمن أنهم يملكون توقعات واقعية ومعقولة عما سيحدث. فإذا استطاعوا أن يتوقعوا ما سيحدث يمكنهم أن يشعروا بمزيد من الثقة تجاه النوم. وأحياناً تنحصر تلك الثقة في حبة دواء. ووظيفتي هي مساعدتهم في فعل هذا بأنفسهم».

ماذا تفعل لتحسن نوم الليل؟

تقول د. روث: «إن انشاء روتين لوقت النوم أمر أساسي لتخفيف أرقك. فالجسم والعقل يحبان إمكانية التوقع في نواح مختلفة في الحياة والنوم منها». «يحب عقلك وجسدك أن يتنبأن بما يحيط بك: ما ترتديه، درجة حرارة الغرفة، الشعور المصاحب لسريرك وفرشك، رائحة سريرك. كل هذه الأمور تُحدث فارقاً لأنك تصبح متعود على روتين ومشاعر وأحاسيس معينة. وإذا كان بمقدور عقلك وجسدك أن يتوقعا موعد ومكان النوم المفروض حدوثه، حينها يمكنك أن تستعد لليلة نوم هنيئة».

خذ الحكمة من الأطفال

جميعناً نتذكر روتين وقت النوم في مرحلة الطفولة: الاستحمام، وتنظيف الاسنان، ومشاهدة برنامجنا المفضل على التلفاز أو قراءة كتابنا قبل أن يحين الوقت لنغلق أعيننا للنوم. ذاك الروتين يخبرنا أن الوقت حان لنسترخي من أحداث اليوم. إذا كان لديك أطفال غالبًا سيكون عندهم روتين مشابه لهذا. وتقترح د. روث بقوة أن تنشئ روتين نوم خاص بك لمساعدة عقلك وجسدك على الاسترخاء.

«حتى وإن كنت بالغاً، فإذا دخلت في روتين من الاستحمام أو قراءة كتاب ومن ثم الذهاب للنوم، فإن جسدك، في نهاية المطاف، سيدرك أن هذه العادات تعني أن وقت النوم قد حان».

وتقول إن الروتين يختلف من شخص لآخر، لكن وجود إمكانية للتوقع واستمرارية فيما تفعله قبيل النوم، ومعرفة البيئة المحيطة بغرفة نومك، كلها أمور تساعد على استحضار النوم.

حافظ على النظافة الصحية قبل النوم

وتوضح د. روث، إن فرش السرير، والوسادة، ولباس النوم المريح، ودرجة حرارة الغرفة المناسبة كلها أمور تساهم في أن تحظى بنومٍ أفضل.

«الأمر يتعلق بالراحة. وعليك أن تحرص أن مرتبتك ووسادتك وفرشك وملابس نومك مريحة لك».

وقد أظهرت الأبحاث أن درجة الحرارة الباردة مفيدة للنوم. «درجة حرارة جسدك الداخلية تنخفض حين النوم، ما يجعل النوم في بيئة باردة أمر جيد. ومن المفيد أيضًا الاستحمام بماء ساخن قبل وقت النوم».

أوقف ممارسة الرياضة والكحول والنيكوتين ساعتين على الأقل قبل النوم

وتوصي د. روث بعدم ممارسة الرياضة أو استخدام الكحول أو النيكوتين خلال ساعتين قبل النوم. وتقول إن ممارسة الرياضة مفيدة للنوم، فلا ينبغي أن تتركها إن كنت تعاني من الأرق، لكن حاول ألا تمارسها فتنشط مباشرة قبل أن تهم بالنوم.

لا تذهب للسرير جائعًا ولا متخمًا

توقيت الطعام مهم. فأنت لا تود الذهاب للسرير وأنت تتضور جوعاً ولا متناولاً لوجبة دسمة. «من القواعد الجيدة ألا تتناول وجبات دسمة قبل النوم بساعتين. واحرص أن تأكل طيلة اليوم وأن يكون طعامك صحياً. فحين يفسد نظام أكلك قد يُفسد ذلك نظام نومك».

إن لم تستطع النوم فأنهض وافعل شيئاً ما

لن يزيدك البقاء على السرير إلا سوء، لأنك مضطرب ومرهق ما يوحي لدماغك أن مكان نومك  مزعج وغير مريح.

وتوصي د. روث بالنهوض من الفراش والقيام بأمرٍ يبعث على الاسترخاء. فيمكنك أن تقرأ، أو تكتب، أو ترتب ملابسك، أو حتى تستحم. أفعل ما يحلو لك طالما أنه يهدئك ولا يقلقك. وتذكر أن ما تفعله ليس هدفه أن تخلد للنوم بل هدفه أن يسترخي عقلك وجسدك حتى تتمكن من العودة للنوم.

المصدر: https://health.clevelandclinic.org

ترجمة: عبدالرحمن نصرالدين قنديل

تويتر: @abdonasr11

مراجعة وتدقيق: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية