كيف أشعلت الثورات السياسية ثوراتٍ أدبية

كيف أشعلت الثورات السياسية ثوراتٍ أدبية

3 مايو , 2021

ترجم بواسطة:

ريناد مبارك

قالوا في نادرة قديمة -وللأسف لا تزال صائبة-“الحرب هي طريقة الإله في تعليم الأمريكان الجغرافيا”.

لطالما استأثرت الخلافات السياسية بانتباه العامة من الناس وتسببت بالتفاتٍ يطول الثقافة ولا يقتصر على تغطية جغرافية أحداث الساعة فحسب. 

خذ على سبيل المثال الحركة الناشطة حياة السود مهمة-(Black Lives Matter) )وما نشهده على إثرها من زيادة في الاهتمام بأعمال الأدباء السود حيث تشجع المنصات بروز أصواتهم، وتروج المدونات لكتبهم، إلى جانب محاولات جوائز الكتاب الوطنية لتعويض تهميشهم. 

قد يكون النموذج الفصل في العلاقة بين الصراع السياسي والنزعة الأدبية هو الثورة الكوبية؛ ففي عام ١٩٥٩م نجح فيدل كاسترو وإرنستو تشي جيفارا وغيرهما من رجال العصابات الكوبيين بالإطاحة بفولغينسيو باتيستا Fulgencio Batista الدكتاتوري المدعوم من الولايات المتحدة والذي أرهب كوبا لما يقرب من عقد من الزمن. 

لم تقف الثورة الكوبية عند هذا الحد ولم تقتصر على حث الحركات الأخرى المناهضة للاستعمار فحسب بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فحفزت الحركات الأدبية أيضًا، ومنها الحركة الأدبية المعروفة باسم: البوم الأمريكي اللاتيني- (Latin American Boom) وهي تهدف للاحتفاء بأعمال المؤلفين من أمريكا الوسطى والجنوبية، وسكان البحر الكاريبي.

وقد همشت الأحداث اللاحقة للحرب الباردة الثورة الكوبية اليوم في ذاكرة الولايات المتحدة، إلا أن الرأي المعاصر يختلف جذريًا. كما يبين توني بيروتيت في كتابه “حرية كوبا” Cuba Libre، أنه في تلك الحقبة كان العامة من الأمريكان في البداية مؤيدين لثورة كاسترو. على الرغم من تلقي دكتاتورية باتيستا على مدى خمسينيات القرن الماضي دعمًا مؤسساتي من الحكومة الأمريكية، إلا أن الأنباء عن تعذيب المدنيين في وقت السلم على أيدي قواته، وارتكاب جرائم حرب بمجرد بدء الثورة ضد معاقل العصابات المشتبه بها، دفعت العامة إلى تضامن عاطفي مع كاسترو وتشي والمتمردين الآخرين.
لقد ساهمت بلا شك أن كاسترو، المحامي الكوبي السابق، لم يعتنق الشيوعية بعد، وبدلاً من ذلك صاغ الثورة على أنها حرب استقلال.

وقد أدى إقصاء باتيستا وتبوء كاسترو لظاهرة ثقافية سميت بـفيدلمانيا” Fidelmania، أو جنون فيدل حيث ألهمت التغطية الإعلامية للثورة الكوبية ظهور صيحات موضة جديدة كاللحى والقبعات.
 بلغت فيدلمانيا أو جنون الفيدل أوجها في الحادي عشر من كانون الثاني 1959م عندما شاهد خمسون مليون متفرج برنامج إد سوليڤان Ed Sullivan Show من أجل مقابلة كاسترو والتي سُجلت قبل ساعات فقط من دخوله إلى هافانا، منتصرًا ظفرانًا.

قال المضيف لكاسترو: “إن شعب الولايات المتحدة يكبرك ويعظم رجالك لأنك تنتمي إلى العرف الأمريكي الحقيقي -لجورج واشنطن-عرف كل ثلة بدأوا كقلة وقاتلوا ضد أمة عظيمة فانتصروا”.
 

وقد أفضت متلازمة “فيدلمانيا-جنون فيدل” إلى بروز حركة البوم الأدبية في أمريكا اللاتينية. ورغم فتور اهتمام الجمهور الأمريكي بكاسترو بحلول عام 1960م بعد قانون إصلاحات الأراضي الكوبية الذي هدد المصالح التجارية الأمريكية في الجزيرة الكوبية، كان ذوق العامة القرائي في الأدب اللاتيني قد بدأ يسلك منحنىً آخر، مدعوماً بالجهود الكوبية والأمريكية.
وقد أخذت الدولة الكوبية الوليدة في النهوض بالأدب اللاتيني مباشرةً من خلال منح الجوائز ونشر الصحف ومنح الإقامات.
وفي سبيل التصدي للنفوذ الشيوعي روجت الولايات المتحدة “نظرية التنموية” من خلال السعي لدمج دول أمريكا اللاتينية في الأسواق الدولية، ودمجهم معا في  الفنون أيضا. 

في عام 1966م أعلن الملحق الأدبي “ذا تايمز” رواية حَجلَة “Hopscotch” للكاتب جوليو كورتازار Julio Cortazar بأنها “أول رواية عظيمة عن أمريكا الإسبانية”.

وفي السنة التي أعقبتها فازت الرواية بجائزة مؤسسة الكتاب الوطنية عن الترجمة. بينما حصل ميغيل أنجيل أستورياس Miguel Angel Asturias على جائزة نوبل للآداب ليصبح ثاني كتّاب أمريكا اللاتينية المتوجين بها.
كما وصفت صحيفة نيويورك تايمز في سبعينيات القرن الماضي رواية “مائة عام من العزلة” بقلم غابرييل غارسيا ماركيز على أنها “أول نموذج أدبي بعد كتاب التكوين Book of Genesis يجب أن يقرئه جنس البشر بأسره”. وبينما يندر ما يذكر النقاد المعاصرون الثورة الكوبية، فقد أقر الكتاب أنفسهم بفضلها -حتى بعد عقود-.

صرح ماركيز لصحيفة باريس ريفيو في عام 1981: “إن ازدهار أدب أمريكا اللاتينية في الولايات المتحدة كان سببه إلى حد ما الثورة الكوبية، فكل كاتب من أمريكا اللاتينية من هذا الجيل كان يكتب منذ عشرين عامًا، إلا أن اهتمام الناشرين الأوربيين والأمريكيين بأعمالهم لم يكن بهذا القدر، وعندما بدأت الثورة الكوبية ظهر فجأة اهتمام كبير بكوبا وأمريكا اللاتينية”.

ولكن إن كان ازدهار أدب أمريكا اللاتينية قد تولد عن الثورة الكوبية، فإن كوبا الثورية ساقت هذا الازدهار إلى هبوط. إذ يلاحظ كينج في مقالته أن انحسار هذا الاتجاه الأدبي في السبعينيات قد تزامن مع الانقسامات بين الدولة الكوبية الجديدة والمجتمع الأدبي الأوسع.
 ففي العام 1971 اُعتقل الشاعر الكوبي هيبرتو باديلا، الذي كان ذات يوم أحد أنصار الثورة؛ لانتقاده الحكومة في كتاباته. وواجه باديلا محاكمة صورية حيث أُرغم على الاعتراف “بجرائمه” وتوجيه اتهامات ضد كتاب آخرين، بمن فيهم زوجته.

كتب كينج: “أثار هذا غضب عدد من المثقفين من أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية وأوروبا فكتبوا رسالتين إلى السلطة الكوبية يشكون فيها من سوء المعاملة التي ينالها باديلا. وجاء رد فيدل كاسترو حانقاً وغاضباً وانتقد المثقفين البرجوازيين واصفا إياهم بالخدم المذعنين للاستعمار وعملاء وكالة المخابرات المركزية “.

على الرغم من أن هذا الاتهام قد يبدو عبثيًا أو تافهًا، إلا أن وكالة المخابرات المركزية كانت مرتبطة بالمؤسسة الأدبية بالفعل، حيث عمل بيتر ماتيسن، وهو المؤسس المشارك لمجلة باريس ريفيو، على سبيل المثال، في وكالة المخابرات المركزية في الخمسينيات من القرن الماضي واستخدم المجلة كغطاء له أثناء التجسس على الشيوعيين وغيرهم.

لا يزال صدى هذا الازدهار [لحركة البوم] يتردد بوضوح في التقدير المستمر للمبدعين مثل غارسيا ماركيز، بيد أن علاقة هذه الحركة بالثورة الكوبية توضح أيضًا أن الحركات السياسية الشعبية يمكن أن تلهم الاتجاهات الأدبية المماثلة؛ تمامًا مثل حركة “حياة السود مهمة” التي لا تزال تحفز الاهتمام بأعمال المؤلفون السود في مجتمع أدبي كان في السابق مناوئًا لهم.

يبقى السؤال هو لماذا يتطلب الأمر من القراء ثورة حتى يعطوا الكتاب الجدد اهتمامهم؟ ولكن كما اقترح غارسيا ماركيز في مقابلته مع “ذا پاريس ريڤيو” The Paris Review فإن اجتلاء مثل هذه المصادقة هو -جزئيًا- ما يجعل الصراع السياسي ضرورةً.


حيث قال عن هذه النهضة الأدبية: “لقد اكتشفت الحركة في أمريكا اللاتينية روايات جديرة لترجمتها واعتبارها في مصاف الأدب العالمي”. وأضاف: “المحزن حقًا هو أن الاستعمار الثقافي بلغ من الأمريكيين اللاتينيين مبلغه لدرجة أنه كان من المستحيل إقناعهم بأن رواياتهم كانت جيدة، حتى أخبرهم غيرهم من الخارج بذلك”.

وللتعقيب على ذلك، لا ينبغي أن يكون أمل الثوار والكتاب المشترك هو نيلٌ مؤقت لحقوقهم أو حتى الاعتراف بها والتي حرمهم منها حراس البوابات. وإن هم تمكنوا من إيجاد سبب مشترك، فينبغي أن يكون ذلك في هدم البوابات التي أوصدت في وجه إبداعاتهم حتى لا تُخمد مرة أخرى.

المصدر: https://electricliterature.com/

ترجمة: ريناد مبارك

تويتر: @Renadians

مراجعة: عبدالرحمن نصرالدين
تويتر: @abdonasr77


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية