كيف يتذكر الدماغ المكان والوقت الصحيح؟

كيف يتذكر الدماغ المكان والوقت الصحيح؟

10 مارس , 2021

ترجم بواسطة:

رغد البريه

دقق بواسطة:

منصور

يتناول المقال الدراسات التي تسلط الضوء حول كيفية قيام الدماغ بترميز الزمان والمكان في الذكريات، وعن إمكانية توفر علاجات جديدة لمكافحة فقدان الذاكرة .

سلطت دراستان بقيادة باحثين من المركز الطبي في جامعة جنوب غرب تكساس ضوءًا جديدًا عن كيفية قيام الدماغ بترميز الوقت والمكان في شكل ذكريات. وبناءًا على ذلك، فإن النتائج التي نُشرت مؤخرًا في PNAS (المجلة الأمريكية الأكاديمية الوطنية للعلوم) ومجلة Science ليست فقط تضيف إلى مجموعة الأبحاث الأساسية حول الذاكرة، ولكن قد توفر في نهاية المطاف أساس لعلاجات جديدة لمكافحة فقدان الذاكرة في حالات معينة، مثل : إصابات الدماغ البالغة أو مرض الزهايمر .

فقد اُكتشف منذ حوالي عشر سنوات مجموعة من الخلايا العصبية المعروفة بإسم “الخلايا الزمنية” في الجرذان ويبدو أن هذه الخلايا تلعب دورًا فريدًا في عملية تسجيل الأحداث عند وقوعها مما يسمح للدماغ بتحديد ترتيب ما يحدث في الذاكرة العرضيّة بشكل صحيح وتُظهر هذه الخلايا التي تتمركز في الحُصَين بالدماغ نمط نشاط مُميز عندما تقوم الحيوانات بتشفير الأحداث واسترجاعها. كما يوضح برادلي ليجا، الحاصل على دكتوراه في الطب و الأستاذ المشارك في جراحة الأعصاب في المركز الطبي لجامعة جنوب غرب تكساس وكبير مؤلفي دراسة PNAS ، بأن إطلاق الخلايا في تسلسل قابل للتكرار يسمح للدماغ بتنظيم الأحداث حيث يتم التحكم في توقيت الإطلاق بواسطة موجات دماغية( تذبذبات ثيتا) يبلغ ترددها 5 هرتز ، في عملية تُعرف بالإستباقية .

كما بحَثَ (ليجا) فيما إذا كان لدى البشر أيضًا خلايا زمنية باستخدام مهام الذاكرة التي تتطلب معلومات ذات صلة بالوقت بشكل قوي، وجنّد الدكتور (ليجا) وزملاؤه عدد من المتطوعين من وحدة رصد الصرع في معهد بيتر أودنيل جونيور لعلوم الدماغ في المركز الطبي بجامعة جنوب غرب تكساس حيث يمكث مرضى الصرع عدة أيام قبل الجراحة لإزالة الأجزاء التالفة من أدمغتهم التي تسبب النوبات ويقول ليجا : “أن الأقطاب الكهربائية المزروعة في أدمغة هؤلاء المرضى تساعد الجراحين على تحديد بؤر النوبات بدقة، كما توفر أيضًا معلومات قيّمة عن آلية عمل الدماغ من الداخل “.

وطلبَ الباحثون أثناء تسجيل النشاط الكهربائي في الحُصَين في أدمغة الـ 27 متطوعًا القيام بمهام “التذكر الحُر” التي تتضمن قراءة قائمة من 12 كلمة لمدة 30 ثانية، والقيام بمسألة حسابية قصيرة لإلهاءهم عن التمرين على القوائم ثم تذكر أكبر عدد ممكن من الكلمات الموجودة في القائمة خلال الثلاثين ثانية القادمة وتتطلب هذه المهمة ربط كل كلمة بجزء من الوقت، مما أتاح لليجا وفريقه بالبحث عن الخلايا الزمنية وماوجده الفريق كان مثيرًا ! فلم يقتصر الأمر على تحديد مجموعة قوية من الخلايا الزمنية فحسب، بل وجدوا أيضًا أن عملية إطلاق هذه الخلايا تُنبأ لكيفية تمكن الأفراد من ربط الكلمات معًا في الوقت المناسب (وهي ظاهرة يُطلق عليها التجميع الزمني). وأخيرًا بدا أن هذه الخلايا تُظهِر تقدمًا في الطور عند البشر كما هو متوقع، وأكمل ليجا قوله قائلاً: ” اقترح العلماء لسنوات أن الخلايا الزمنية تشبه الغراء الذي يلحم الذكريات بحياتنا وهذا الإستنتاج يدعم تلك الفكرة على وجه الخصوص بطريقة أنيقة “.

وفي الدراسة الثانية التي نُشرت في مجلة Science العلمية قاد (براد فايفر)، الأستاذ المساعد في علم الأعصاب والحاصل على الدكتوراه، فريقًا يبحث في خلايا المكان -مجموعة من خلايا الحُصَين في كلٍ من الحيوانات والبشر والتي تُسجل مكان وقوع الأحداث- فمنذ فترة طويلة عرف الباحثون أنه عندما تسير الحيوانات في مسار مألوف، فإن الخلايا العصبية تُشفر مواقع مختلفة على طول المسار وتُطلق في تسلسل يشبه إلى حد كبير إطلاق الخلايا الزمنية حسب ترتيب الحدث الزمني على حد تعبير فايفر. بالإضافة إلى ذلك، أنه عندما تستكشف الجرذان بصورة نشطة بيئةً ما، فإن الخلايا المكانية في الجرذان يتم تنظيمها في “تسلسلات مُصغرة” تُمثل مسحًا افتراضيًا للمواقع التي تسبُق الجرذ، وتحدث عمليات المسح هذه الشبيهة بالرادار قُرابة 8-10 مرات في الثانية ويُعتقد أنها آلية دماغية للتنبؤ بشكل فوري بالأحداث أو النتائج القادمة.

فقد كان معروفًا قبل هذه الدراسة أنه عندما تتوقف الجرذان عن العدو، فإنه غالبًا ما يتم إعادة تنشيط الخلايا المكانية في تسلسلات طويلة والتي تبدو أنها تعيد تجربة الجرذان السابقة بشكل مُعاكس، وفي حين أنه كان من المعروف أن الأحداث “المُعادة عكسيًا” مهمة لتكوين الذاكرة، فإنه كان غامضًا كيف كان الحُصين قادرًا على إنتاج مثل هذه التسلسلات. والواقع أن هناك الكثير من الأعمال قد أشارت إلى أنه ينبغي للتجربة أن تدفعنا خطوة للأمام وأن تُضعِف الأحداث المُعادة عكسيًا. ولتحديد كيفية عمل هذه الذكريات الخلفية والأمامية معًا، وضع فايفر وزملاؤه أقطابًا كهربائية في حُصين الفئران ثم سمحوا لهُن باستكشاف مكانين مختلفين : ساحة مربعة ومسار طويل مُستقيم، ولتشجيعهم على التنقل عبر هذه المساحات قاموا بوضع آبار من حليب الشوكولاتة في أماكن مختلفة ثم قاموا بتحليل نشاط الخلية المكانية للحيوانات لمعرفة مدى توافقها مع مواقعها.

وأثناء تجول الفئران في هذه المساحات لترميز المعلومات في المكان، أُطلِقت خلايا عصبية مُعينة في نفس التسلسل بينما تُعيد الجرذان تتبُع  مساراتها وأطلِقت كذلك عكسيًا بصورة دورية عندما أكملت الجرذان مراحل مختلفة من رحلاتها. ومن خلال إلقاء نظرة فاحصة على البيانات فإن الباحثون وجدوا شيئًا جديدًا : مع تحرك الفئران عبر هذه المساحات، فأن الخلايا العصبيّة لم تعرُض تسلسلات مصغرة تنبؤية للأمام فحسب، بل أيضًا تسلسلات مصغرة استرجاعية عكسية وهذه التسلسلات الأمامية والخلفية تتناوب مع بعضها البعض، حيث يستغرق كل منها بضع عشرات من الملي ثانية فقط .

يقول فايفر : “بينما كانت هذه الحيوانات تتحرك إلى الأمام، كانت أدمغتها تتحول باستمرار بين توقع ما سيحدث بعد ذلك وتذكر ما حدث للتو، كل ذلك يحدث في جزء من الثانية”. ويدرس (فايفر) وفريقه حاليًا المُدخلات التي تتلقاها هذه الخلايا من الأجزاء الأخرى من الدماغ والتي تجعلها تتصرف في أنماط أمامية أو عكسية، ويضيف بأنه ومن ناحية نظرية قد يكون من الممكن الاستحواذ على هذا النظام لمساعدة الدماغ على تذكر مكان وقوع الحدث بدقة أكبر. وبالمثل يضيف ليجا قائلاً بأنه يُمكن لتقنيات التحفيز في نهاية المطاف محاكاة النمط الدقيق للخلايا الزمنية لمساعدة الأشخاص على تذكر التسلسل الزمني للأحداث بدقة أكبر، ويستطرد قائلًا: ” كان هنالك العديد من الدراسات في العقود القليلة الماضية حول هذا الموضوع وكان معه سيّل من الاكتشافات الجديدة وأن المسافة بين الاكتشافات المُهمة في الحيوانات وكيف يمكن لهذا الاكتشاف أن يُساعد الناس أصبحت أقصر بكثير الآن “.

‏ المصدر: https://www.sciencedaily.com

ترجمة : رغد البريه

تويتر: @RgdsQuotes

مُراجعة وتدقيق : منصوُر محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية