وسيلة سيئة للتنبؤ: مقابلات العمل عديمة الفائدة وغير عادلة. أرى نفسي بعد عشر سنوات في عالم خال من مقابلات العمل.

وسيلة سيئة للتنبؤ: مقابلات العمل عديمة الفائدة وغير عادلة. أرى نفسي بعد عشر سنوات في عالم خال من مقابلات العمل.

14 يناير , 2021

ترجم بواسطة:

نور الجشي

دقق بواسطة:

نجلاء أحمد

بقلم: د. نوم شبانسير

تعد المقابلات التقليدية :وسيلة سيئة غير عادلة وعديمة الفائدة للتنبؤ، فالمقابلات التقليدية  “من نوع تكلم عن نفسك ،وأين ترى نفسك بعد خمس سنين “، وسيلة ناقصة،عاجزة. فكثير من الناس يكذبون. فالمقابلات لا تساعد على اختيار أفضل المتقدمين؛ لأنها تخضع لحدس أصحاب العمل وليس على البيانات المتراكمة المنظمة. إن قدرتنا على الحكم على شخصية ما أو سلوكه أو مهاراته بمحادثة قصيرة تعد ضعيفة وغير دقيقة.

مقابلة العمل عنصر سائد من عناصر بيئة العمل الأمريكية. كلنا مررنا بإحدى مقابلات “أين ترى نفسك بعد خمس سنوات” مع صاحب عمل أو موظف. وهي في ظاهرها مصممة لتساعد على اختيار أفضل المرشحين للوظيفة، أي من يرجح نجاحه فيها. إلا أن المقابلات التقليدية غير المنظمة من نوع “تكلم عن نفسك” وسيلة ناقصة وعاجزة لتوقع الأداء المستقبلي والنجاح، وقد تكون مضرة كذلك.

يروي الباحث جيسون دانا من جامعة ييل موضحًا: “في عام ١٩٧٩، طلب مجلس تكساس التشريعي من كلية تكساس الطبية في هيوستن أن تزيد من سعة فصلها القادم ٥٠ طالبا نهاية الفصل الدراسي. ومر المقبولون الخمسون الجدد بمرحلة المقابلات الشخصية من مراحل التقديم إلا أن نتيجتها بدايةً كانت الرفض. ثم وجد فريق من الباحثيّن أن أداء هؤلاء الطلاب كان مماثلا لنظرائهم في التسرب الدراسي، والأداء الأكاديمي، والأداء السريري، ومراتب الشرف وغيرها. بعبارة أخرى، لم تضف نتيجة المقابلة أي شيء مهم لعملية القبول.”

تعد المقابلات التقليدية مؤشرَ أداءٍ سيئًّا لأسباب كثيرة، أولها أن توقع المستقبل صعب في أغلب الظروف. وكذلك فإن المقابلات ترينا عينة صغيرة من تصرفات من تجرى معه. ولا توضح عينة السلوك الصغيرة هذه شيئا يذكر من سلوك الشخص العام، لهذا نحن لا تتزوج من أول موعد. 

إن قدرتنا على الحكم على شخصية ما أو سلوكه أو مهاراته بمحادثة قصيرة ضعيفة. وقد وجد الباحثون أن من يجري المقابلة لا يستطيع حتى معرفة الإجابات العشوائية لمن يجريها معه. ونضيف على ذلك أن أغلب الناس تكذب أثناء مقابلات العمل مما يجعل الأمر أكثر صعوبة.

وكذلك فإن العلاقة ضعيفة بين الصفات التي تجعل الشخص محاورا جيدا وتلك التي تطلبها الوظيفة.

والمقصود بهذا أن الاجتماعيين أداؤهم أفضل في المقابلات، إلا أن الانفتاح ليس صفة تطلبها أغلب الوظائف. أي أن المقابلات ينقصها ما يسميه علماء النفس “الدِّقةَ البيئية”. وهي تصرفات ظاهرة لا تعكس بدقة التصرفات في الحياة الواقعية. 

وهذه المشكلة لا تقتصر على المقابلات الشخصية فحسب، فنتائج المختبرات قد لا تتجسد جيدًا في الحالات الواقعية، ومن كان أداؤه جيدًا في التدريب قد يتعثر في المباراة. ومما يعيق نظامنا السياسي الحالي أن المهارات والصفات التي تساعد على الانتخاب مختلفةٌ اختلافًا كبيرًا عن المهارات والصفات اللازمة لتنفيذ مطالب المكتب الانتخابي بكفاءة وعدل.

علاوةً على ذلك، فإن الأعمال التقليدية لكبار علماء النفس عاموس تفيرسكي و دانيال كانيمان -وهي مسرودة سردًا حسنًا في كتاب مايكل لويس: the undoing project- قد أظهرت أن عقل الإنسان يحتوي على عديد من التحيزات التي تعيق قدرتنا على الحكم واتخاذ القرار إعاقةً مستمرة. وبدون حواجز حماية خارجية -والتي لا توفرها المقابلات غير المنظمة- تنحرف عقولنا عن مسار العقل والمنطق إلى خندق التشويه.

على سبيل المثال، سيكون جل اعتمادنا على المعلومات الأولى المقدمة لنا، نبحث فيها عن معلومات تفسيرية توافق معتقدات موجودة عندنا. وباستمرار نزِنُ لنواتج المستقبل القريب وزنًا أثقل من نتائج المستقبل البعيد، ونقلل من شأن تكلفة المهام ومدتها، ونفضل الجذابين شكلًا بغض النظر عن قدراتهم الفعلية. وغالبًا ما نعجب بمن يشابهنا.

وبالإضافة إلى قلة فائدة المقابلات التقليدية، فإنها في واقع الأمر قد تضرنا. فمثلا تحث من يجريها على الثقة المفرطة، والإبقاء على نظام عاجز وغير عادل، والتقليل من تطور – ومساعدة- مصادر معلومات أخرى أكثر موثوقية. 

مع ذلك تظل رائجة.

لماذا؟

لأن المقابلات غير المنظمة سهلة الترتيب والتنفيذ، ويحبها الناس أكثر من غيرها من الطرق المنظمة المبنية على البيانات وقليلة الاعتماد على الطرق الشخصية. وكما الأجسام في قانون نيوتن الأول، فالعادات الاجتماعية الرائجة تميل إلى البقاء كذلك.

نضيف على ذلك أن الفارق الزمني بين العلم وتطبيقه، وبين الاكتشاف وتقبله عادة ما يكون كبيرًا. فلا تنتشر الاكتشافات العلمية بسهولة وبالأخص عندما تعارض أهواءنا.

وكما وضح تفيرسكي وكانيمان المذكورين سابقًا، فإننا نجد صعوبة في تصحيح انحيازنا حتى بعد معرفتنا به. الدماغ البشري عنيد في هذه النقطة. وهذا من الأسباب التي تجعل الأدوية الوهمية فعالة حتى لو عرف المريض ذلك. وذاكرتنا كذلك، ثقتنا في حكمنا الأول تميل إلى المبالغة. نحن نعشق حدسنا، ونرى قيمة المقابلة واضحة: “بالتأكيد سأفهم هذا الشخص أكثر بعد المقابلة”.

وأخيرًا، عندما تستمر عادة ما رغم أنها لا تؤدي الغرض منها، فمن الحكمة أن نبحث عن أسباب أخرى غير مذكورة تفسر بقاءها. مثلًا، قد تعزز تجربة مقابلة ممتعة غير منظمة من التزام المقابَل بعملية التوظيف. قد لا تساعد المقابلة في اختيار أفضل المتقدمين، ولكنها تزيد من فرصة قبول المتقدم للعرض الوظيفي الذي تقدمه.

بالإضافة إلى ذلك، قد يعتمد أصحاب المقابلة عليها لمعرفة معلومات شخصية هامة عمن يجرونها معهم، مثل بعض الخصائص الشكلية والشخصية غير العادية التي من شأنها أن تحسم مسألة توظيفه.

للأسف، الأثر الاجتماعي لعمل المقابلة ربما يكون خادعًا. ففي النهاية هناك خصال محددة تعني لنا الكثير في ثقافتنا ويصعب التأكد منها في أي ظرف غير المقابلة وجهًا لوجه. من أبرز هذه الأشياء كما هو متوقع: العرق والقبيلة. المقابلات غير المنظمة وسيلة سهلة للتأكد من أن من نجري معه المقابلة “منا”، وهكذا قد يكون الاختيار حسب الهوية وليس الكفاءة، بإبعاد “منهم” وقبول “منا”.

تدعونا البيانات المتراكمة إلى التخلي عن طريقة المقابلة التقليدية غير الفعالة وغير العادلة. ويمكن تطوير طرق أفضل، أكثر قدرة على التنبؤ وأكثر وعدلا. وبعضها موجود فعلًا، منها المقابلة المنظمة، التي على الأقل تؤكد أن الكل تطرح عليه نفس الأسئلة، والمقابلات الظرفية التي تطلب ردة فعل المتقدمين في مشاهد العمل، وتجربة أداء العمل “العمياء”، أي مثلما يقدم موسيقي تجربة أداء سيمفونية محلية من وراء ستارة.

نصيحتي الآن لأصحاب العمل هي أن يوظفوا المرشحين ممن يرفضون الانقياد لمقابلة غير منظمة.

المصدر: https://www.psychologytoday.com

ترجمة: نور الجشي

مراجعة: نجلاء أحمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية