هل هوسنا الحالي بغسل اليدين وإدماننا للإنترنت يعني أننا جميعًا مصابون باضطراب الوسواس القهري؟

هل هوسنا الحالي بغسل اليدين وإدماننا للإنترنت يعني أننا جميعًا مصابون باضطراب الوسواس القهري؟

5 أغسطس , 2020

ترجم بواسطة:

آلاء حسام

دقق بواسطة:

زينب محمد

     يعتبر غسيل اليدين المُفرط والخوف من التلوث إحدي أعراض اضطراب الوسواس القهري. أذكر أن منذ أعوام زارني مريض بالوسواس القهري الحاد وكان يرتدي القفازات الطبية والكمامة ورفض الجلوس على أى مقعد خشية من أن يكون”ملوثًا” على حد قوله. في وقتنا الحالي أصبح ارتداء القفازات والكمامة أمر مقبول جدًا بل ويُحث عليه من أجل الحفاظ على صحة الجميع. تغلغلت هذه العادات الجديدة في ثقافتنا وستظل تؤثر فيها في ظل مواجهة الجائحة المميتة. حيث نجد أن العديد من المتاجر تُفرِض على الزبائن شروط لدخولها مثل: ارتداء الكمامات واستخدام مطهرات اليدين، هذا بالإضافة إلى تحديد عدد الزبائن المسموح لهم بالتواجد في المتجر في الوقت ذاته. ونجد أيضًأ أن المشاة والعداءون يعبرون الطريق معًا مراعين التباعد الإجتماعي خوفًا من العدوى.

     قبل شهور قليلة كانت هذه السلوكيات تعتبر غير صحية ومبالغ فيها. إذًا كيف يمكن للأطباء الآن أن يفرقوا بين أعراض اضطراب الوسواس القهري وبين السلوكيات الوقائية من العدوى بفيروس كورونا؟هذا السؤال مهم جدًا وكثيرًا ما أسمعه أنا – بصفتي طبيب نفسي – والمؤلف المشارك – و مدرب أبوة وأمومة ومدرب صحة.

تكيف أم إدمان إنترنت؟

     منذ بداية الجائحة، أصبح من الصعب تقييم السلوكيات التي كانت تعتبر مبالغ فيها ومرضية قبل الجائحة، ولكن الآن أصبحت ضرورية للحفاظ على صحة الإنسان بل ويُشاد بها لكونها ذكية ويسهل التكيف معها.

     كانت المخاوف في تزايد مستمر قبل ظهور فيروس كوفيد-19 من إدمان الإنترنت أو فرط استخدام الإنترنت والذي يتصف بالاستخدام المفرط والإعتماد الزائد على الأجهزة الرقمية.

     تكيف المجتمع سريعًا مع الفرص المتاحة على الإنترنت خلال الجائحة حيث أصبح الناس يعملون ويحضرون دروسهم ويتواصلون في نادي الكتاب عن طريق الإنترنت. حتى أن بعض الاحتياجات الطبية أصبحت تُلبى عن بعد من خلال خدمات الطب والرعاية الصحية عن بعد.

     في غضون ليلة وضحاها أصبحت الإتصالات الإلكترونية هي الأمر الشائع بيننا جميعًا والكثير منا يشعر بالإمتنان؛ لأنها متاحة له. على غرار الخوف من التلوث ، بعض السلوكيات الإلكترونية التي كانت تثير التساؤلات في الماضي أصبحت سلوكيات تكيفية تحافظ على صحتنا جميعًا ولكن ليست جميعها صحية.

اضطراب الوسواس القهري أم وقاية؟

     بالرغم من أن السلوكيات في زمن كوفيد-19 تبدو مشابهة لأعراض اضطراب الوسواس القهري، إلا إنه هناك إختلافات جوهرية بين السلوكيات الوقائية من خطر واضح مثل الجائحة في الوقت الحالي وبين أعراض اضطراب الوسواس القهري.تتمثل أعراض المصاب بالوسواس القهري في أفكار وسلوكيات متكررة تستهلك الكثير من وقت المصاب وتتدخل بشكل كبير في العديد من جوانب حياته مثل: العمل والدراسة وتفاعلاته الإجتماعية.

     هناك من يعانون من اضطراب الوسواس القهري ولكن بأعراض أقل حدة ويمكن ملاحظتها في فئة من الناس وهم ذوي الإنجازات الكبيرة، والوسواس القهري في هذه الحالة لا يُضعفهم. فسلوكيات هذه الفئة من الناس يطلق عليها “العين صوب الهدف” ويمكن ملاحظتها في 20% من الناس. ومثال لهذه الفئة: الطاهي الماهر الذي يعطي أهمية كبيرة للتفاصيل أو المهندس الذي يبني كوبري أو المحاسب الذي يراجع ملفات الضرائب من زوايا عديدة.  جميعهم مصابون باضطراب الوسواس القهري.

     الفارق الجوهري بين المصاب باضطراب الوسواس القهري الحاد والمصاب باضطراب الوسواس القهري ولكن بأعراض أقل حدة، أن النوع الأول يُلاحظ بأنه يعاني من أفكار وسلوكيات متكررة تسيطر على حياته بالكامل. مُعظمنا يتحقق من إذا كان الباب مغلقًا أم لا مرة أو مرتين ونقوم بغسل أيدينا أو استخدام المطهر عند العودة من المتجر أو بعد استخدام دورات المياه، عندها يعطينا المخ إشارة بأن كل شىء على ما يرام وأنه يمكننا المضى قدمًا. أما المصاب بالوسواس القهري لا يستقبل تلك الإشارة من المخ، فليس بغريب أن يقضي المصاب بالوسواس القهري عدة ساعات يوميًا في غسل اليدين لدرجة أن جلدهم يتشقق وينزف. بعض المصابون لديهم طقوس للتحقق من كل شىء والتي تمنعهم من مغادرة من منازلهم.

أصبح من الصعب تجنب محفزات الوسواس القهري

     القواعد التي تسري على وسواس غسيل اليدين تسري أيضًا على وسواس استخدام الإنترنت والأجهزة الإلكترونية، فيؤثر الاستخدام المفرط على العمل والدراسة ويؤذي الأداء النفسي والإجتماعي للأفراد، بالإضافة إلى المشاكل الإجتماعية والعائلية والمشاكل الصحية مثل: آلام الظهر والرقبة والبدانة وإجهاد العين.

     تنصح الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بأن لا يقضي المراهقون أكثر من ساعتين يوميًا في استخدام الإنترنت والأجهزة الإلكترونية. يقضي بعض المراهقين المصابين بإدمان الإنترنت ما بين 80 و100 ساعة أسبوعيًا على الإنترنت ويرفضون فعل أشياء أخرى مثل: واجباتهم المدرسية والأنشطة الخارجية أو حتى التفاعل مع عائلتهم. وبالتالي يتحول العالم الرقمي إلى ثقب أسود يصعب الهروب منه مع مرور الوقت. مع تزايد ضرورة استخدام المنصات الإلكترونية للعمل والدراسة وشراء احتياجات المنزل و ممارسة الأنشطة غير الإعتيادية التي تفرضها الظروف الحالية، قد يتسع ذلك الثقب السوداء أكثر وأكثر لهؤلاء الذين يعانون من استخدام الإنترنت ووسائل الإتصال الإجتماعي المفرط.

     حيث أن هؤلاء الذين كانوا يعانون من الخوف المفرط من العدوى أو عدم استطاعتهم لتنظيم استخدامهم للتكنولوجيا قبل الجائحة سيجدون الكثير من المواقف المحفزة التي كان يمكنهم تجنبها في الماضي ولكنها أصبحت أكثر شيوعًا الآن.

السيطرة على استجابتنا للخطر

     يمكن أن تؤدي الأوضاع الإجتماعية المتغيرة إلى ظهور عادات سلوكية جديدة ولذلك يمكن أن تتغير طريقة تعريف ووصف السلوكيات. فمصطلحات مثل “مُوَسْوَسٌ”  أو “مدمن إنترنت” يمكن أن يتحول معناها حيث أصبح غسيل اليدين المستمر والتواصل عن طريق الإنترنت عادات في حياتنا اليومية.

     بالنسبة لنا، الأفراد الذين يتكيفون مع تلك العادات الجديدة من المهم أن نُدرك أنه اتباعنا لإرشادات جديدة مثل: التباعد الإجتماعي وغسل اليدين وارتداء الكمامات هو أمر صحى. وأنه لا بأس إذا أمضينا وقت أكثر على الإنترنت أو في استخدام وسائل الإتصال الإجتماعي في ظل القيود الحالية على التفاعلات المباشرة. ولكن إذا لم نستطع التحكم في استخدامنا للإنترنت أو غسل يدينا حتى يصبح الأمر وسواسًا أو إذا وردتنا أفكار دخيلة وسواسية عن النظافة أو العدوى قد تؤدي إلى مشاكل كثيرة، إذًا فيجب علينا طلب المساعدة من مختص في الصحة العقلية.    

ترجمة: آلاء حسام

المصدر:  https://medicalxpress.com

تويتر: @AlaaHossam112

مراجعة: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية