لماذا لا تستخدم الولايات المتحدة النظام المتري في القياس؟

لماذا لا تستخدم الولايات المتحدة النظام المتري في القياس؟

13 نوفمبر , 2020

لقد مضى وقت طويل على الانقلاب الأخير.

هناك حقائق وراء إصرار الولايات المتحدة لاستخدام النظام القياسي الحالي وفشل كل المحاولات التي حاولت تغييره.

النظام المتري في الولايات المتحدة

بقلم: بينجامين بلاكيت Benjamin Plackett 

 تبدو الطريقة التي يقيس بها الناس الأشياء مملة للغاية، ولكن وراء إصرار أمريكا على الإستمرار في شرب القهوة بالأوقية وضخ الغاز بالجالونات تكمن قصة ذات علاقة وطيدة بالوطنية والإستقرارالسياسي وإنعدام الثقة التاريخية بالفرنسيين. قال كين ألدر: أستاذ التاريخ في جامعة نورث وسترن في إلينوي، ومؤلف (مقياس كل الأشياء): «المفارقة هي أن الطريقة التي نختار بها قياس الأشياء مبتذلة ومملة لكنها أيضًا مهمة للغاية لأنها توضح الطريقة التي نعيش بها ونتفاعل مع بعضنا البعض”. وكما عقب قائلا: “لا يمكنك إجراء مقارنات أو أن يكون لديك إقتصاد دون وضع معايير وقد ناضل الناس بشدة من أجل المعايير لأنه في الحقيقة معركة لمعرفة الطريقة التي يعمل بها الإقتصاد».


في تسعينيات القرن التاسع عشر، طلبت الحكومة في باريس من الأكاديمية الفرنسية للعلوم التوصل إلى نظام قياس جديد ومنطقي. قررت الأكاديمية بأن النظام الجديد يجب أن يعتمد على شيء يمكنهم تحديده بشكل مادي في الطبيعة حتى يتمكن من الصمود أمام اختبار الزمن. وبالتالي، قرروا بأن المتر يجب أن يكون جزءًا من عشرة ملايين من ربع محيط الأرض – أي الخط الممتد من القطب الشمالي إلى خط الاستواء – وهذا الحكم أدى إلى بدايات النظام المتري.

يمكن القول إن النظام المتري أسهل في توحيد القياسات من النظام الذي تستخدمه الولايات المتحدة. فكل شيء في النظام المتري ينقسم إلى كسورعشرية (هناك 10 ملم في السنتيمتر، و1000 جرام في الكيلوغرام، وهكذا) فمعظم العالم يستخدمه وهذا أمر منطقي- فعلى سبيل المثال: يتجمد الماء عند الدرجة مئوية صفر (على عكس ماهو شائع 32 درجة فهرنهايت) ويغلي عند 100 درجة مئوية (بدلاً من 212 فهرنهايت).

فلماذا لم تتزحزح الولايات المتحدة شبرًا واحدًا؟ لماذا مايزال الأمريكيون يستخدمون الوحدات والياردات والأميال والمكاييل؟ لقد تحوَّل النظام العرفي في الولايات المتحدة وتطور من خليط من عدة أنظمة يعود تاريخها إلى إنجلترا في العصور الوسطى. ففي عام 1790، أقر جورج واشنطن بضرورة توحيد العملة والقياسات. من ثَم تم تجزئة الأموال( أي تحويلها إلى نظام عشري) ولكن هذا أقصى ما وصلت إليه. في الحقيقة, حاولت الولايات المتحدة إجراء تبديل للقياسات عدة مرات لكنها لم تتمكن أبدًا من المتابعة لكون النظام البريطاني راسخًا جدًا في الصناعة الأمريكية وكذلك في النفس الوطنية.

حتى أن الأمر استغرق جهداً كبيراً من قِبل مجموعات مختلفة في فرنسا قبل ظهور النظام المتري. ولم يكن ذلك ممكنًا حتى جاءت الكارثة التي أعقبت الثورة الفرنسية عام 1789. قال ألدر لـ Live Science: «قبل ذلك الوقت ، لم تكن الإجراءات تختلف فقط من بلد إلى آخر، بل من مدينة إلى أخرى». وفي الواقع، يُعتقد أنه قبل النظام المتري كان هناك أكثر من 250.000 وحدة قياس مختلفة في فرنسا. كان توحيد القياسات أمرًا مهمًا للأشخاص الذين سافروا. «فأنظمة القياسات المحلية كانت تزعج التجار، في حين أن النظام المتري سمح لهم بمعرفة ما سيحصلون عليه. لكن السكان المحليين قاوموا لأنهم أحبوا ما اعتادوا عليه».

ويجدر بالذكر إلى أن القياسات القديمة سارت بشكل جيد مع السكان المحليين الفرنسيين لأن هذه المقاييس كانت مرتبطة بأنظمة العد المادي. فعلى سبيل المثال: يمكن قياس حجم الحقل من خلال “Journee” (التي تعني “اليوم” باللغة الفرنسية) والتي تشير إلى عدد الأيام التي استغرقها حصاد محصوله. وفي أوقات أخرى ، كانت الأرض تُقاس بـ “boisseaux” (أو “bushels”) لتقدير كمية بذور الحبوب اللازمة لزرع الأرض. قال ألدر: «الأنظمة القديمة كانت منطقية تمامًا».

ولكن عندما جاءت الثورة واستسلم لويس السادس عشر للمقصلة، كانوا من حلوا محله جزءًا من حركة التنوير، خلال فترة عُرفت باسم عصر العقل، ورأى هؤلاء القادة الجدد أن رأس لويس يجب أن يزن بالكيلوغرامات. قال ألدر: «لقد حان وقت التبرير». كان من المفترض أن تكون الولايات المتحدة ثاني دولة تتبنى الطريقة الجديدة في قياس الأشياء، مثل الجمهورية الشقيقة.

وفي عام 1793، أرسل وزير الخارجية الأمريكي توماس جيفرسون، بحثاً عن عالم فرنسي يُدعى جوزيف دومبي، الذي أبحر إلى العالم الجديد بأسطوانة نحاسية صغيرة والتي كان من المقرر أن تكون الوزن القياسي الجديد لأمريكا – كيلوغرام. لكن سوء الأحوال الجوية حال دون وصوله  فقد دفعت رياح أطلسية سفينة دومبي عن مسارها ووضعته في عهدة القراصنة البريطانيين الراغبين في الحصول على فدية. وللأسف مات سجينًا ولم يصل الكيلوجرام إلى جيفرسون أبدًا.

لكن العواصف المزعجة ليست السبب الوحيد لعدم دخول النظام المتري للدولة؛ ولذلك قال ألدر إنها أيضًا مسألة هوية، ولم يكن جميع الأمريكيين فرنكوفيليين مثل جيفرسون. وقال: «أتفهم عندما يستاء الناس من ذلك باعتبار هذا الأمر فرضاً للعولمة التي قد تؤدي للتوحد والتماثل، ومن المنطقي تمامًا الرغبة في السيطرة المحلية». «ويمكن أن يتعلق الأمر أيضًا باتخاذهم موقفاً ضد كل ماهو مفرط العقلانية وفرنسي في الوقت ذاته».

وحتى في فرنسا لم يكن مرحباً به. وأشار ألدر إلى أن “الأمر استغرق حرفياً 100 عام للتنفيذ”. ولم ينته الجدل هناك. ففي الوقت الحاضر يتجادل العلماء حول تقلبات الكيلوغرام والمتر وذلك حسبما ذكرت Live Science سابقاً.

وهناك عامل آخر يعمل ضد النظام المتري في الولايات المتحدة وهو الإستقرار السياسي النسبي للبلاد. فمنذ أن نالت إستقلالها جرت الإنتخابات بدلاً من الإنقلابات والثورات. وكما عقب ألدر بإن ذلك لم يفد النظام المتري على الإطلاق لأن الإصلاح الشامل لنظام القياسات في بلد ما يتطلب قدرًا كبيرًا من الاضطراب لنيل الاستفادة منه. قال: «لقد اقتربنا من الحرب الأهلية, لكن الصراع لم يكن تخريبيًا وشديداً بما يكفي لإحداث هذا التغيير».

فالمملكة المتحدة على سبيل المثال بدأت رحلتها نحو النظام المتري في السبعينيات بعد أن تغير واقع الجغرافيا السياسية بشكل جذري وعقب ألدر أن المملكة المتحدة لم تفقد إمبراطوريتها فحسب بل بدأت أيضًا في التجارة بشكل تفضيلي مع جيرانها القاريين على مستعمراتها السابقة. ومع ذلك ، لم يتبن البريطانيون النظام الجديد بشكل كامل – فلا تزال علامات الطرق تحسب وتكتب بالأميال ولا تزال الحانات تقدم البيرة في مكاييل. (تجدر الإشارة إلى أن قياسات المواد الجافة والسائلة للمكاييل في المملكة المتحدة ليست هي نفسها الموجودة في الولايات المتحدة, وفقًا لموسوعة بريتانيكا) ومع ذلك حاولت إدارة جيمي كارتر اتباع البريطانيين في الوقت ذاته. قال ألدر: «حاولت الحكومة فعلاً وضع إشارات على الطرق بالكيلومترات، لكن تمت ازالتها بعد استياء الناس منها».

ففي عام 1975 أصدر الكونجرس في الولايات المتحدة قانوناً يقضي بالتغيير، ولكن على عكس المملكة المتحدة، اعتُبر هذا التغيير طوعًا وليس إلزاميًا ولم يكن هناك موعد نهائي.

ولذلك قال إلدر، بالنسبة لأولئك الذين يتوقون إلى زيارة الولايات المتحدة ليتعقلوا ويتخلصوا من الأوقية في سبيل الجرام – كن حذرًا مما تتمناه، لأنه في كثير من الأحيان يكون الانتقال مصحوبًا بتغيير سياسي أكثر جذرية.

المصدر:https://www.livescience.com

ترجمة: سارة خالد العلوي

تويتر: @sara_al_alawi

مراجعة: نوره أحمد صهلولي


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية