ما هو الوعي؟

سؤالٌ تعمق قدماء اليونانيين فيه. لكن ما هي وجهة نظر العلماء المعاصرين فيه؟

الإدراك أو الوعي واحدة من أعظم النعم التي ميز الله بها العقل البشري، فماذا قال العلماء عن هذه الخاصية وماذا وجدوا عنها؟

الوعي

ظن البشر فيما مضى، أن كوكب الأرض هو المركز الفيزيائي للنظام الشمسي، فلا عجب إذن أن ننظر بحفاوة إلى الوعي؛ وهو السمة التي تمكن جنس البشر من التفكير.

لكن ما هو الوعي؟ لقد أثار هذا الموضوع جدلًا استثنائيًا في الأعراف العلمية والفلسفية.
وقد أمضى المفكرون جهدًا ووقتًا جبار وهم يحاولون حل الألغاز التي تحيط بالموضوع؛ كطريقة عمل الوعي ومكمن وجوده.

والإجابة المختصرة عن هذا السؤال ليست مرضية تمامًا، فما يزال العلماء غير متفقين على فكرة مبهمة عن ماهية الوعي، فما بالك بتعريف دقيقٍ له.

ولعل أحد أساب هذا الخلاف أن مفهوم [الوعي ]، يُستخدم ليعني أمورًا مختلفة قليلًا.
بيد أن كثيرًا من الخبراء، يتفقون أن الكائنات الواعية تدرك محيطها وأنفسها وإحساسها.

لكن الإجابة المسهبة عن هذا السؤال تفسح المجال لبارقة أملٍ إذ يبدو أن الباحثين قد اقتربوا من الإجابة. 

هل هو شيء مميز؟

وقد وجد الباحثون المعاصرين، أن بمقدرتهم استخدام تقنية مسح للدماغ تعرف بالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لاستكشاف مكان الوعي من خلال قياس تدفق الدم للدماغ بشكل غير مباشر، وهي عملية قد تشير إلى أكثر مناطق الدماغ نشاطًا.  

ولكن لألاف من السنين، كان من المستحيل جمع أدلة عن هذه الظاهرة، مما جعل هذا الموضوع عصيًا على المفكرين الذين فضلوا التجارب المنهجية والمنطقية.

ففي العالم الغربي، حاول عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي أن يقصي كل ما له علاقة بالوعي خارج نطاق البحث العلمي. وبعد مضي جيل كامل جاء عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت ليسلط الضوء قليلًا على الوعي بحجته التي تفيد أن العقل-أو الروح-والجسد هما شيئان مختلفان جوهريًا. وهذا ما يعرف بثنائية العقل-والجسد.

وتقول سوزان شيلينبرغ، أستاذة الفلسفة والعلم المعرفي البارزة بجامعة روتجرز في نيو جيرسي، «إن الغالبية العظمى [من المفكرين] ظنوا بأن الوعي أمر مميز جدًا».

لكن وجهة النظر هذه [الثنائية] لم تلق تأييدًا، وذلك إلى حد ما بفضل أشخاصٍ منهم عالم الأحياء توماس هنري هكسلي، الذي فتح الباب أمام الفكرة القائلة بأن ما يحدث داخل العقل هو نتاج الأحداث المادية التي تحدث في داخل الدماغ. وهو منظور قد لاقى الانتشار.  

وتقول شيلينبرغ : «إن الفكرة التي أؤيدها هي وجهة نظر فيزيائية، تفيد بأن الوعي ليس شيء مميزًا في العالم». مما يجعل من السهل جدًا الاعتقاد بأن البشر ليسوا الوحيدين الذين يمتلكون الوعي.

«نحن البشر نكتب الشعر، لكن الأرانب لا تكتبه، لذا فهذا اختلافٌ في الدرجة وليس اختلافًا في النوع».

الاطلال من شجرة الحياة:

يقول جوزيف ليدوكس، أستاذ علم الأعصاب والنفس، «تقريبًا كل شيء قد نقوله عن [الوعي] ما هو إلا نوع من الهراء، ولا يوجد طريقة لوصفه إلا من ناحية وجوده ومن ناحية عدم وجوده».

يجد ليدوكس من المفيد النظر في تشريح الأعصاب عندما نقارن وعي البشر بوعي الحيوانات. فمثلًا، يتميز البشر بقشرة لحاء أمامية عالية النمو، وهي المكان الذي ربطه العلماء بالقدرة على معرفة ما يدور في عقل المرء. وهذا جانب مهم من الوعي. بينما لا تمتلك الحيوانات الرئيسية في الهرم الغذائي هذه المنطقة في الدماغ، لكن يمتلك بعضها سمات تطورية أخرى للدماغ، كقشرة الفص الجبهي الظهراني. وترتبط هذه المنطقة في الدماغ بعمل الذاكرة عند البشر طبقًا لأحد الدراسات.  

« نحن نعلم أن الحيوانات الأخرى تمتلك ما يشبه الوعي، لكن لا يمتلكون ما نمتلك -لأننا البشر- مختلفون». وذلك بسب الاختلافات في التشريح العصبي كما يقول ديلوكس.  

وقال: «الناس ينزعجون عندما تقول ذلك، لكن لا أحد يخلط بين الشمبانزي والإنسان». يتسبب التركيب الخلوي والجزيئي للشمبانزي في أن يبدو ويتصرف بشكل مختلف عن البشر، لذلك من المنطقي أن نفس النوع من الاختلافات قد يتسبب في اختلاف وعي الشمبانزي أيضًا.

ويتأخذ بعض الباحثين مأخذًا مغيرًا، حين يقولون أن الوعي خاصية موجودة بالمادة، لذا فحتى الإلكترون يمتلك وعي إلى حدٍ ما، وهذا مذهب يعرف بالروحية الشاملة.
ويقول كريستوف كوتش، رئيس وكبير علماء معهد الين لعلوم الدماغ في سياتل وأحد المؤيدين لمذهب الروحية الشاملة، «أي نظام معقد، لديه السمات الأساسية للعقل ولديه قدر ضئيل من الوعي بمعنى أنه يشعر وكأنه شيء ما ليكون هذا النظام».

هل الخطر هو السبب؟

وقالت شيلينبرغ أنها تظن أن كثيرًا من الحيوانات تمتلك وعي لأن «كل شيء يشعر بالألم، هو واعٍ».
ويعتقد لدوكس كذلك أن غريزة تجنب الخطر هي وظيفة مهمة للوعي وغالبا هو سبب وجوده.

وقال أيضًا: «كل حالاتنا العقلية، والحالات العاطفية، ليست موروثة من الحيوانات. بل يتم تجميعها إدراكيًا، بناءً على معرفتنا بكل ما تعلمناه عن الخوف والخطر خلال حياتنا».
 وأضاف، إن الأدمغة البشرية تنظم رزمًا من المعلومات في مخططات تكون بمثابة «نموذج لتجربتك الواعية».

من جانبها، لا تعتقد شيلينبرغ أن الوعي هو السؤال الذي يجب أن يكون عليه كل شيء ونهاية كل شيء.

فتقول شيلينبيرغ: «أنا من الأشخاص الذين يعتقدون أن الوعي ليس مثيرًا للاهتمام مقارنةً بالسبب الذي يجعل عقولنا وعقلنا يستطيعان فعل ما يفعلانه». «يمكن للدماغ، مع استثناءات متعددة، القيام بعمله بغض النظر عما إذا كان في حالة واعية أم لا».

المصدر: https://www.livescience.com

ترجمة: عبد الرحمن نصرالدين

تويتر: @abdonasr77

تدقيق وتلخيص: نوره أحمد صهلولي

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *