السعادة مقابل المتعة: مصدر استياءنا؟

السعادة مقابل المتعة: مصدر استياءنا؟

27 فبراير , 2022

ترجم بواسطة:

بلقيس الصالح

دقق بواسطة:

زينب محمد

المتعة فخ.

ليس من السهل علينا أن نفهم أحاسيسنا، لكن فهمها ضروري للحفاظ على الصحة. لغتنا قاصرة في التعبير عما نحس به، أو ما نسميه بالمشاعر، فالمشاعر شخصية وتجريدية في طبيعتها.

توفر مفاهيم علم الأعصاب طريقة لفهم الفروقات بين مشاعرنا وبالتالي إمكانية وضع وفهم أهدافنا المتعلقة بالصحة. فعلى سبيل المثال، يساعدنا فهمنا لمشاعر السعادة والمتعة في معرفة كيف نكّون أشخاصاً ومجتمعات سعيدة.

السعادة والناقلات العصبية

دائماً ما يتم الخلط بين المتعة والسعادة لكونهما يشتركان في أنهما شعورين جيدين، إلا أن هناك فرق فسيولوجي بينهما. ترتبط السعادة بشكل رئيسي بالناقل العصبي أسيتيل كولين والجهاز العصبي الباراسمبثاوي، كما يرتبط هذا الشعور بارتفاع في معدلات الناقلات العصبية السيرتونين (الترابط) وحمض غاما أمينوبيوتيريك (الاسترخاء).

من المثير للاهتمام أن السعادة قد تحدث في غياب الدوبامين ودون الحاجة للتحرك والسعي أو فعل أي شيء، ويشترط في حصولها تحقق الشعور بالأمان. إن القول بأن السعادة هي الرضا والقناعة وصف أدق وأصح من حصرها في المتعة.

المتعة والناقلات العصبية

يحفز الدوبامين شعورنا بالمتعة بشكل رئيسي وهو الناقل العصبي المسؤول عن الحركة، والوصول، والتحفيز، والفضول، والمكافأة، والسعي لتحقيق الأهداف والمتعة، وله دور مهم في نقل إشارات الجهاز العصبي السمبثاوي. يساعدنا الدوبامين على الشعور بالثقة والترابط في الظروف الآمنة، بينما يثير فينا نزعة العنف وإثارة الخلافات في حال الشعور بالخطر أو التهديد.

يرتفع الدوبامين بشكل طفيف ونشعر بالقليل من المتعة حين نحصل على ما نريد في كلا الحالتين. تعمل هذه المشاعر على تشجيع تصرفاتنا تلك، فنسعى لتكرار نفس الاستراتيجيات السابقة.

الحزن والألم والناقلات العصبية

يعد الحزن شعوراً مضاداً للسعادة، تنخفض فيه معدلات الأسيتيل كولين، والسيرتونين، وحمض الغاما أمينوبيوتريك، والدوبامين ويحدث فقط في حال وجود خطر.

في مقابل المتعة هناك الشعور بالألم، وتنخفض أثناءه معدلات الدوبامين والأسيتيل كولين والسيرتونين وحمض الغاما أمينوبيوتريك، بينما يتصدر القلوتاميت والنورأدرينالين. يحدث الألم كذلك في حال وجود خطر أو تهديد فقط.

يظهر تشابه كبير بين الحزن والألم وهما بالفعل متشابهان. غالباً ما يتصاحب الشعور بالحزن مع الألم، كما أن كلاهما ناشئ من نفس التفاعلات الفسيولوجية.

مثال على الإدمان

من الملفت أن السعادة تحدث فقط في حال الشعور بالأمان على عكس الألم، والحزن، واللذان يحدثان في حال الخطر فقط، أما المتعة فتخضع لمجريات الموقف; أي قد تحصل في الحالتين. لهذا الأمر تأثيرات عدة علينا سواءً على المستوى الشخصي أو على مستوى المجتمع ككل.

غالباً ما نخلط بين الشعور بالسعادة والمتعة، حيث تتشابه الكيمياء العصبية لكليهما إلى حدٍ ما في حال الشعور بالأمان ولكن لا تتطابق تماماً، فكما ذكرنا سابقاً ثد يرتفع مستوى الدوبامين أثناء الشعور بالمتعة دون سعادة. بالرغم من هذا التشابه الفسيولوجي بين الشعورين إلا أن لثقافتنا وعاداتنا الدور الأكبر في الخلط بينهما، فنمضي في الحياة وكل ما حولنا يشير إلى أن المتعة هي الطريق المؤدي للسعادة وأن علينا السعي والبحث عن أكثر ما يمتعنا.

أعمتنا هذه الشعارات والنصائح عن استشعار الفروقات بين المتعة والسعادة، وحولتنا إلى باحثين لاهثين خلف المتعة فقط ظناً منا أننا على طريق السعادة. طريق السعي للمتعة والتوق لها وإدمانها طريقٌ محفوف بالمخاطر، بينما السعادة الحقيقية لا تشكل أي خطر.

قد نعاني من أنواع عدة من الإدمان كإدمان التجديد، والسفر، والتسوق، والاستهلاك، والطعام، والسكر. قد لا يبدو أن فيما ذكر أي شيء جديد، لكن الإدمان الذي قد لا يعرفه غالبية الناس هو إدمان العنف. في كل مرة تنجح خططنا باستعمال العنف، ترتفع معدلات الدوبامين مما يحفزنا لمعاودة الكرّة واستعمال نفس الاستراتيجية.

ما يجب أن تعرفه عن الغضب

لا يمكن اختزال العنف في التصرفات الجسدية فقط، فقد يظهر في شكل إيذاء نفسي أو سلوكيات اجتماعية، فمثلما نجد نشوة في الانتصار على أحدهم بلكمة في وجهه، كذلك نشعر بذات النشوة عندما نؤذي أحدهم نفسياً أو اجتماعياً.

قد يحدث العنف في شكل سخرية، أو استصغار، أو تجاهل، أو تنمر، أو إيذاء، ومع كل هذه التصرفات يرتفع معدل الدوبامين ونشعر بالمتعة. يحدث ذات الأمر عندنا نقارن ونغتاب ونحكم على الآخرين أو نعيرهم ونلومهم، وكذلك في كل حكاياتنا وقصصنا المكذوبة والملفقة.

توفر لنا الأفكار والتصرفات العنيفة قدراً كبيراً من المتعة مما قد يودي بنا إلى إدمانها. قد نرغب في الاستمرار بالأفكار العنيفة وتكرار التصرفات العنيفة حتى ولو لم تعد تؤدي للنتائج المرغوبة بسبب تأثير الدوبامين، خصوصاً في حال كانت العواقب غير مباشرة وغير صريحة.

نصنف الفعل كإدمان إذا ما كان مستمراً بالرغم من وجود عواقب وخيمة، وينطبق هذا التصنيف على العنف.

من يروج لهذا الإدمان؟ أغلبنا

من هم مدمنوه؟ أغلبنا

تقوم بعض الصناعات على جانب المتعة من العنف وتوقنا لهذه المتعة مهم في وجودها، يقابلون حاجتنا للمزيد بإنتاج المزيد. يمكنك أن ترى هذه الاستراتيجية مطبقة في بعض جوانب وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائط البث والترفيه، وألعاب الفيديو والرياضة، وفي هذا الزمن تحديداً أصبح لهذه الاستراتيجية تأثيراتها السلبية على السياسة أيضاً حيث تنتج خلافات أكثر مما تنتج من سياسات وقوانين. أصبح العنف إدماناً.

أن تصبح مدمناً يعني أن تقع في الفخ، وهنا تكمن المعاناة. قد نقع في الفخ بإدماننا لتصرفات وسلوكيات تعنيف صغيرة أو كبيرة أو حتى غير مباشرة، وبالتالي فكلنا سنعاني. نعاني في إدماننا للعنف من اعتلالات جسدية، وعقلية، ونفسية، واجتماعية، وروحية أكثر مما قد نعانيه من كل أنواع الإدمان الأخرى مجتمعة، كما قد يكون جذراً لتفرعات من إدمانات أخرى.

الهروب الكبير

من السهل أن نهرب من هذا الإدمان، كل ما عليك فعله هو أن تسعى للرضا، والقناعة، والسعادة وليس المتعة فهي سلاح ذو حدين ويمكن بسهولة أن يصبح خطراً وتهديداً محدقاً. دع المتعة تأتيك في شكلها الطبيعي، لا ترفضها ولكن لا تلهث خلفها.

توجد السعادة في الأمان، لذا كان من الأجدر بنا أن نوفر الأمان لأنفسنا وللآخرين لنجد السعادة، بل أنه يجب أن يكون أحد أولوياتنا كأفراد ومؤسسات.

ليس المقصود من كل ما سبق أن الغضب والعنف أمراً خاطئاً، بل هما جزء طبيعي في فسيولوجية أجسادنا. للغضب والعنف دور هام في حماية أنفسنا والآخرين وبالتالي فإنه يساعدنا على البقاء. لهذين الشعورين دور في تحملنا مسؤولية أخطاءنا أيضاً، ولابد من مسؤولية وحماية ليتحقق الشعور بالأمان. لسنا بحاجة لأن نكون ضعفاء خانعين لنحقق الأمان في العالم، ولكن لا يجب أيضاً أن نلجأ للعنف كمصدر رئيسي للمتعة ونتخذها بديلاً عن السعادة مما يخلق تهديداً وخطراً أكبر في العالم.

حين نشعر بالأمان سنكون سعداء بشكل طبيعي ولن نرغب في الشعور بالمتعة وسنكون أقل عرضة لممارسات معادية من استصغار، وسخرية، وتجاهل، وتنمر، واعتداء، وغيبة، وحكم على الآخرين، ولوم، وكذب، فضلاً عن الرغبة في لكم أحدهم في وجهه. تضمن لنا فسيولوجيتنا ذلك، لذا لا حاجة لأي قيود.

المصدر: https://www.psychologytoday.com

ترجمة: بلقيس الصالح

مراجعة وتدقيق: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية