نحن نسمع ما نتوقعه

نحن نسمع ما نتوقعه

17 أبريل , 2021

ترجم بواسطة:

ريناد مبارك

دقق بواسطة:

عائشة السويركي

وفقًا لتوقعات سابقة تٌمثل الأصوات في المسار السمعي بأكمله ولا يقتصر ذلك على القشرة الدماغية فحسب.

يعتمد البشر على حواسهم لإدراك ذواتهم والعالم وبعضهم البعض وعلى الرغم من أنها نافذتهم الوحيدة على العالم الخارجي إلا أنه نادرًا ما يتساءل الناس عن مدى دقة تمثيلها للواقع المادي الخارجي.

 كشفت أبحاث علم الأعصاب إبان العشرين عامًا المنصرمة أن القشرة الدماغية تتنبأ باستمرار عما سيحدث وأن الخلايا العصبية المسؤولة عن المعالجة الحسية تُرمّز فقط الفرق بين تنبؤاتنا والواقع.

قدم فريق علماء الأعصاب في جامعة دريسدن TU Dresden برئاسة الأستاذة الدكتورة كاثرينا فون كريجستين Dr Katharina von Kriegstein نتائج جديدة تبين أنه ليس فقط القشرة الدماغية بل المسار السمعي بأكمله يمثل الأصوات ذهنيًا وفقًا لتوقعات سابقة. واستعمل فريق البحث التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي ( (FMRIلقياس استجابات الدماغ عند تسعة عشر مشاركًا أثناء استماعهم لسلسلة من الأصوات، كما أوعزوا المشاركين إلى تمييز الأصوات الشاذة عن البقية؛ ومن ثم قاموا بالتلاعب بتوقعات المشاركين بحيث يتوقعون الصوت الشاذ في مواضع معينة من تلك السلسلة.

فحص علماء الأعصاب الاستجابة الناتجة عن الأصوات الشاذة في نواتين رئيسيتين للمسار تحت القشري المسؤول عن المعالجة السمعية: النواة الأُكَيمَةُ السفلية ونواة الجسم الرُّكْبِيِّ الإِنْسِي. على الرغم من أن المشاركين تعرفوا على الأصوات الشاذة على نحوٍ أسرع عند وضعها في المواضع التي توقعوها إلا أن النواتين تحت القشرية لم ترمّز الأصوات إلا عندما وُضعت في مواضع غير متوقعة.

يمكن تفسير هذه النتائج على نحو أفضل وفق سياق الترميز التنبؤي وهي نظرية عامة للمعالجة الحسية تصوّر الإدراك على أنه إجراء اختبار للفرضية. يفترض الترميز التنبؤي أن الدماغ يولّد باستمرار تنبؤات حول شكل العالم المادي وصوته ورائحته في اللحظة التالية، كما أن الخلايا العصبية المسؤولة عن معالجة حواسنا توضح الاختلافات بين هذه التنبؤات والعالم المادي.

أشار الدكتور أليخاندرو تاباسDr Alejandro Tabas  -المحرر الأول لهذا البحث- إلى أن “معتقداتنا الذاتية حول العالم المادي لها دور حاسم في كيفية إدراكنا للواقع. حيث أسفرت عقود من البحث في علم الأعصاب عن أن القشرة الدماغية (وهي الجزء الأكثر تطورًا في البشر والقردة) تقوم بفحص العالم الحسي عن طريق اختبار هذه المعتقدات مقابل المعلومات الحسية الفعلية، كما أوضحنا الآن أن هذه العملية تهيمن أيضًا على الأجزاء الأكثر بدائية والأجزاء الأكثر تطورًا المحفوظة في الدماغ؛ فكل ما ندركه قد يكون مشوبًا بمعتقداتنا الذاتية حول العالم المادي”.

صورة محورية للدماغ (من الأعلى) تضم النواة الأكيمة السفلية ونواة الجسم الركبي الإنسي حيث يبين اللون مدى تطابق البيانات مع الفرضيات؛ في اللون الأحمر يشفر الدماغ المعلومات وفقًا للتوقعات، كما يشفرها في اللون الأزرق وفقًا لخصائص المحفزات.

فتحت هذه النتائج الجديدة أمام علماء الأعصاب الدارسين للمعالجة الحسية عند البشر منحىً جديدًا نحو المسارات تحت القشرية. ربما بسبب الاعتقاد البديهي بأن الذاتية بشرية بطبيعتها وحقيقة أن القشرة الدماغية هي نقطة الاختلاف الرئيسية بين أدمغة الإنسان وأدمغة الثدييات الأخرى فلم يتم إيلاء اهتمام يُذكر من قبل للدور الذي يمكن أن تلعبه المعتقدات الذاتية في التمثيل الحسي تحت القشري.

نظرًا لأهمية التنبؤات في الحياة اليومية يمكن أن يستجلب ضعف انتقال التوقعات إلى المسار تحت القشري تداعيات عميقة في الإدراك. حيث تم ربط عسر القراءة التنموي، وهو أكثر اضطرابات التعلم انتشارًا، باستجابات متغيرة في المسار السمعي تحت القشري وبالصعوبات في استغلال انتظام التحفيز في الإدراك السمعي.

يمكن للنتائج الجديدة أن تقدم تفسيرًا موحدًا لوجود صعوبات في إدراك الكلام عند الأفراد المصابين بعُسر القراءة، كما تزود علماء الأعصاب السريريين بمجموعة جديدة من الفرضيات حول أصل الاضطرابات العصبية الأخرى المتعلقة بالمعالجة الحسية.

 تقود القواعد التجريدية التكيف في المسار الحسي تحت القشري.

تعتبر المسارات الحسية تحت القشرية القنوات الأساسية لرسم العالم الخارجي داخل أذهاننا؛ حيث تنقل المعلومات بكفاءة عن طريق تكييف الاستجابات العصبية للإحصاءات الموضعية للمدخلات الحسية. ينص التأويل الآلي القديم لهذا السلوك التكيفي على أن النشاط العصبي يتناقص مع زيادة الانتظام في الإحصائيات المحلية للمنبهات. هناك تفسير بديل وهو أن التشفير العصبي موجه مباشرة بتوقعات المدخلات الحسية. فهنا، استخدمنا قواعد مجردة لمعالجة التوقعات بشكل مستقل عن إحصاءات التحفيز المحلية؛ حيث تُظهر بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي أن التوقعات المجردة يمكن أن تدفع الاستجابة إلى نغمات في المسار السمعي البشري. توفر هذه النتائج أول دليل قاطع على المعالجة المجردة في المسار الحسي تحت القشرية، حيث تشير إلى أن التمثيل العصبي للعالم الخارجي يتغير من خلال معتقداتنا السابقة حتى في النقاط الأولية للتسلسل الهرمي لهذه لمعالجة.

المصدر:  https://neurosciencenews.com

ترجمة: ريناد مبارك

مراجعة: عائشة السويركي


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية