لماذا لن تستطيع النجّاة إذا نجحت في السفر للماضي أو المستقبل ؟

لماذا لن تستطيع النجّاة إذا نجحت في السفر للماضي أو المستقبل ؟

4 أغسطس , 2021

ترجم بواسطة:

عهود هادي

دقق بواسطة:

زينب محمد

كتبت العالِمة اكيرا رسالة لزوجها السابق الطبيب أرَبلا بعنوان ” لماذا لن تستطيع النجّاة إذا نجحت في السفر للماضي أو المستقبل؟ “  ذكرت فيها:

” عزيزي أرَبلا، هذا هو العام السادس لي على التوالي منذ أن تركت المنطقة، وحرّيُ بك أن تعرف أن الأمور هنا الآن تُشبه مستقبل منطقتك، وأظنني رأيت ماضي المنطقة في مدينة أخرى زُرتها قبل عامين، الأزمنة ما زالت مختلفة جدًا، أستطيع القول وأنا أنظر لخريطة العالم التي أمامي أننا نحتاج لكثير من الأحداث العالمية لنُقرب الفجوات بين بُقع العالم، الفجوات الفكرية والثقافية قد بدأت مًسبقًا بالاضمحلال مُنذ أن ظهرت التقنيات الحديثة، وتبقت فجوتا الاقتصاد والجغرافيا .. مهلًا أعرف ما تفكر فيه، اخرج ذهنك من تلك المدرسة و ركز معي رجاءًا، ما أقصده هو أن الإختلاف الذي نشهده بين اقتصاد الدول وجغرافية مُدنها هي السبب في خلق أزمنة مختلفة جدًا ضمن زمانٍ واحد، وبإمكاني القول أنني أحدثك الآن من المستقبل! ويؤسفني أن أقول أن وباء كورونا الذي ضرب العالم هو بالضبط ما أقصده بالأحداث العالمية .

وقد يُخال لك أنك لا تحتاج أن تقارب بين الأزمنة، وأنت مخطىء في هذا ؛ لأننا نعيش ضمن نفس الزمان وأي حدث عالمي سيضرب هذه الأزمنة الثلاث بشكل متساوِ لكن بكمية تأثير مختلفة جدًا، فكُلما كُنت مُستقْبلًا كنت أقوى لتصدي لأي أزمة وبالتالي ستنجح بكونك السائد والسائد هو المسيطر والجميع سيتبع المسيطر.

 هل ما زلت تقرأ رسالتي ؟ ….. لأنني وصلت للنقطة التي تهمك وسأبدأ بالحديث باللغة التي أنت بارع فيها.

أتذكر عندما حدثتني عن ذلك المُنتج الذي رأيته على موقع أمازون؟ أكان الموقع الذي أخبرتني به أمازون … أيًا يكُن ، إنه ذلك المًنتج الذي أدعيت أنه يُحلل عينة حمضك النووي حالما تضع فيه بعضًا من اللُعاب وترسله للشركة المُصنعة لترسل لك نسخة شاملة لقوائم تحليلية مُفصلة عن حمضك النووي  .. ومن أين تنحدر سًلالتك ؟ قوائم بأسماء أشخاص يًشاركونك نسبة كبيرة من المعلومات الوراثية والذين من المحتمل أن يكونوا أقرباء لا تعرف عن وجودهم ؟ ومعلومات من هذا القبيل، أتذكر وقتها أنني أخبرتك أنه أمر ممتع لكن بلا مغزى، والمستفيد الوحيد هو تلك الشركات التي ستغتني من حجم البيانات التي تجمعها، وأشعر الآن بقليل من الندم لأنني بدوت وكأنني أردعك ولم يزُرني وقتها حُسن التفكير لنحاول أنا وأنت معًا تحوير الفكرة لصالحنا بدلًا من الإعتراض عليها والقدح في صُنّاعِها، لكن يا أرَبلا لا أعتقد أنه قد فات الآوان بعد ..

سأخبرك شيئًا لم أجرؤ من قبل أن أطرحه على غيري، سؤال من تلك الأسئلة الغيّبية التي تُخيف الغالبية، لكنّي سأذكره ولا أريد له جوابًا، فقط سأستخدمه كإستهلالة .. أتذكر قصة أصحاب الكهف؟ الذين لبثوا نيامًا في الكهف لمدة ثلاث مئة وتسع سنين قبل أن يوقظهم الله؟ لطالما كُنت أسرح في خيالي وأتساءل، عندما خرجوا من الكهف ونزلوا للقرية، أنه لو أصابهم مرض ما واحتاجوا لِعلاج، هل ستنجح الأدوية المصنُوعة في ذلك الوقت بمعالجتهم؟ حيث أنهم استيقظوا في زمانٍ غير زمانهم ؟ هل الأدوية التي تم اختبارها على عينة عاشت نفس الظروف وتناولت نفس الغذاء وشهدت نفس الأحداث ستُفيد أشخاصًا إعدادتهم مختلفة و أقل تعقيدًا ؟ بالتأكيد الخطط العلاجية لن تكون صالحة عليهم، وسيحتاج الحُكماء أو ما نسميهم بالعلُماء حاليًا لإجراء العديد من التجارب لمعرفة المُناسب لهم.

أن ما نعيشه الآن، في ظل وجود الأزمنة المختلفة ذكرني كثير بهذا التساؤل .. وأعتقد أنك بُت تعرف إلى أين أريد أن أصل بهذا الحديث ؟ فكونك طبيب ولديك الكثير من الأبحاث الطبية المختَلفة، فأنت بالطبع خبير في جمع البيانات، أقصد بيانات العيّنة المستخدمة في البحث و التي تعكسً صورة أكبر وهي صورة السُكان، وهذه الخطوة هي الأهم وهي أساس البحث كاملًا. بيانات مثل: يدُخن أو لا يُدخن ، يأكل مأكولات صحية أو مدمن وجبات سريعة، يتبع نظام غذاء نباتي فقط أو نظامه متنوع، يمارس الرياضة بانتظام أو لا يفعل، يعاني من السُمنة أو وزنه مثالي، مُدمن كُحول أو لا يشرب الكحول، وبالطبع، هذه المتغيرات موجودة في كل الأزمنة الثلاث لكن بنسب مختلفة ، إن الأمر يبدو هيّنًا وبسيطًا لكنه عميق جدًا ، كقمةِ جبلٍ جيلدي لا يُرى منه إلا ما على سطح البحر .

إن هناك عيب كبير  في كُل الأبحاث الطبية، عيب حتمِي لا مفر منه، وهو يصنع فارقًا كبيرًا لا يؤخذ بعين الاعتبار أو بالأصح اعتاد الباحثون على وجوده ولأنه غير ملموس. فلا أحد يعطيه ذلك الحجم عند تفسير النتائج، إنها العوامل الخارجية، و مجبرة أن أقولها باللغة الإنجليزية ليقوم عقلك بإسترجاع كل الأمثلة و المعاني المُخزنة تحت هذه الكلمة، إنها الـconfounding factors.

لا أعرف لماذا من الصعب أن يُدَرس الطب باللغة العربية، فالتحول يحتاج إلى قوة فقط وليس مستحيًلا، فالطب كان يُدرس باللاتينية، وكانت الإنجليزية من الأقلية وليست السائدة، وحين قررت أن تسود أصبحت المسيطرة ، مع أنني أشُك قليلًا في مقدرة الناس وقبولهم على التحول من اللغة السهلة المملة إلى اللغة الصعّبة الجميلة . والآن فقط مع الكلام خطر على بالي قدرة التحول هذه، وكيف لأقلية أن تًصبح سائدة فقط بإخفاء وجود النظير،  أنظر لكُل الأقليات اليوم، هل تستطيع غدًا أن تسود العالم ؟ هل سنعيش لنرى الناس البيض عبيًدا للملونين ؟

أوه، لقد شَرَدتُ وسرِحت بأفكاري مُجددًا، أين كُنا ؟ آه صحيح توقفت عند العوامل الخارجية، وخّزن رجاءًا المعاني  التي استحضرتها هنا في هذه الكلمة العربية، حتى لا أضطر لذكر مرادفتها الإنجليزية في كل مرة. إن العوامل الخارجية هذه هي عوامل لم يتم النظر إليها والتي بمقدرتها التأثير على نتيجة البحث، والجيّنات أمر معقد جدًا وأنت تعرف ذلك، الفرد الواحد يحمل الكثير من الإختلافات والطفرات، فما بالُك بدراسة تمت على مجموعة من الأفراد المختلفين وفي ظِل عوامل كثيرة متداخلة لم تُدْرَس، والنتيجة التي تظهر سيتم تعميمها على الأقليات. اذهب الآن واحصّي عدد المراجع المحلية التي تتبعها في كتابة خططك العلاجية لمرضاك، أغلبها مراجع تعود لدول سائدة في مجال الأبحاث، وأنا الآن أتسأل، هل نحن حقًا نُعالج مرضانا بما يحتاجوا أو بما نملك؟

مجتَمعُكَ الذي يسوده نمط خالِ من تناول الكحول، يُعالج بأدوية دُرست على مجتمع يتناول الكحول كنمط غذائي سائد، فأغلب الدراسات تستثني المُدمنين فقط، لكنها لا تستطيع أن تجد عينات نظيفة خالية من الكحول، وحقيقًة لا أعتقد أنهم يهتمون ، فهم يدرسون النظريات العلمية على العينة السائدة لديهم فقط !

بالأمس حضرتُ محاضرة للعالِم يناما، ولا زُلت أذكر الجملة الختامية التي قالها بغضب:” وبحثي قائم حاليًا لإختبار نظرية هذا العقار الواعد، ولقد انتهيت من الجزء النظري، وحاليًا أُريد عينة نظيفة أٌجرب عليها هذا العقار، لكن ما يحدُث يقودني للجنون، كل العينات ملوثة بالإشُعاع والكحول والدخان والسًمنة والمكملات الغذائية المُصّنعة والغذاء المعالج كيميائيُا وأشياء كثيرة ستُحرف نتيجة العقار الحقيقة! أشعر برغبة للسفر نحو الماضي وتجربة العقار فقط لأثبت لكم كلامي”.

ومُنطلقه خاطئ بلا شك لأننا لا نحتاج إلى عينة نظيفة، نحن فقط نحتاج لعينة سائدة ، لكن لن أكذب، فكلامه أشبع قليلًا تساؤلي الجائع حول أصحاب الكهف.

العينة السائدة في هذا الزمان متقاربة بين الأزمنة الثلاثة، لكنها ليست متشابهة إطلاقًا، والنتائج فارقة جدًا ؛ لذلك أنا اكتب لك هذه الرسالة لأقول فيها: إنّ الفكرة التي طرحتها على مشرفك البحثي حين كٌنت طالبًا، فكرة بناء قاعدة بيانات صحيّة خاصة بأهل المدينة حيث تجمع فيها معلومات عن حمضهم النووي والمتغيرات الأخرى الخاصة بهم وتستخدِمها في أبحاثك السريرية، هي فكرة رائعة إن كنت تذكُرها، أرجوك أعدِ النظر فيها، إنها فكرة مهمة ويبدو أن مشرفك كان يراها أمرًا كبيرًا لا أحد يقدر عليه، لكن لا عليك أنت فقط إبدأ

تحياتي،

زوجتك السابقة.. أكيرا 

كتابة: عهود بحاري

مراجعة وتدقيق: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية