الأسواق العالمية بدأت تراهن على ركودٍ عالمي بسبب فيروس كورونا

يبدو أن لفيروس كورونا عواقب وتداعيات مؤثرة على جميع الأصعدة ولا سيما الاقتصادية، إذْ ستتأثر به كل الشركات وأسواق المال وحتى الدول سواءً كانت صناعيةً أم لا، لذلك من الأجدر أن يتخذ الجميع خطواتٍ سباقة لمحاولة السيطرة ولو جزئيًّا للمحافظة على التوازن العام للقوى في العالم.

كتبه: كيث جوهانسون

انخفاضات كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا، ومنحنىً عائدٍ معكوس يشير إلى أن الجهات الفعالة في السوق بدأت تخشى الأسوأ.

مع انخفاضٍ كبيرٍ خلال يومين في هذا الأسبوع حتى الآن، يبدو أن أسواق الأسهم العالمية تُسعِّر الانكماش الاقتصادي طويل المدى بناءً على تأثير فيروس كورونا المنتشر، والذي بدأ انتشاره السريع من ثاني أكبر اقتصادات العالم “الصين”، وصولًا إلى الشرق الأوسط ثم أوروبا.

إحدى العلامات بدأت عندما رأى المستثمرون احتمالات حقيقية للركود الاقتصادي ما جعلهم يتجهون لملاذاتٍ آمنة لأموالهم، مما جعل عائدات سندات الحكومة الأمريكية تصل إلى مستوى انخفاض غير مسبوق (والتسبب بارتفاع عائدات بلدان معرضة للركود مثل إيطاليا واليونان). وما يدعو إلى القلق هو أن عائدات سندات حكومة الولايات المتحدة كانت قد أظهرت علامات “حمراء” واضحة حتى أكثر مما أظهرت في الأشهر الماضية، وما زالت العائدات معكوسة مما يعني أن مردود دَينٍ قصير المدى أعلى مقارنةً بسندات ذات عشرة أعوام، تعد هذه الحالة عكس الحالة الطبيعية وعلامةً موثوقة بأن الركود في طريقه إلينا.

لم يقم صندوق النقد الدولي بتعديل توقعاتهم عن الصين وباقي العالم بسبب انتشار فيروس كورونا المسمى بكوفيد-19، ويُتوقع أن نمو الاقتصاد الصيني سيتأثر في بداية السنة، إلا أنهم بإمكانهم تعويضه في نهاية السنة. ولكن يخشى بعض المتنبئين الآخرين أن التأثيرات المتداعية لحالة العجز تقريبا الحاصلة في الصين – بجانب تزعزع سلاسل الإمدادات، وإغلاق الحدود، وركود السياحة والسفر، والقلق على مرونة الأسواق الناشئة – قد يصيب الاقتصاد العالمي بقوة مثلما أصاب البلدان الصناعية المنكوبة، والمستهلكين المحاصرين الذين أظهروا علامات ثقة.

وعلى سبيل المثال، الآن يتوقع اقتصاديو أكسفورد أن الفيروس قد يتسبب بانخفاض نمو الصين في الربع الأول إلى 3.8 بالمئة وفقط 5.4 بالمئة في السنة، ويعد ذلك انخفاضًا هائلًا بالنسبة إلى دولة تحتاج نمو بنسبة 6 بالمئة لتلبية احتياجاتها الاقتصادية والسياسية، وقال خبراء أكسفورد أن تأثير الفيروس عالميًّا قد يُحدِث انخفاضًا حوالي 2.3 بالمئة في هذه السنة، ويعد ذلك من أخفض المستويات منذ أعماق الأزمة المالية.

في بداية الأمر توقعت العديد من الشركات والمستثمرين والمصرفيين أن انتشار فيروس كورونا يشابه انتشار فيروس سارس (متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد) عام 2003، إلا أنّ الفيروس الحالي تسبب بأضرارٍ أكثر. ولكنِ الآن مع انتشار الفيروس في الشرق الأوسط وأوروبا – مما أدى إلى إغلاق أجزاء كبيرة من إيطاليا الشمالية والتي تعد قلب الاقتصاد الإيطالي، وحتى أنه وصل إلى إسبانيا – ما يقلق هو أنه ما بدأ بمثابة احتواء للتفشي المحتمل للفيروس قد يتحول إلى “جائحة” كما حذرت منظمة الصحة العالمية يوم الاثنين.

وقال خورخيه سيسيليا كبير خبراء الاقتصاد في بي بي في أيه (المصرف الإسباني الكبير) بعد بقاء أسواق الأسهم صامدة: “بدأت أسواق الأسهم أخيرًا بالاعتراف بالشك وانعدام اليقين”.

أصبح تأثير الفيروس على الصين واضحًا منذ الشهر الماضي مع الحجر الصحي في محافظة “هوبي” حيث بدأ انتشار الفيروس، وبالمثل تطوع الأغلبية في عدة مدن أخرى بالحجر الصحي، ليجتمع ذلك مع العطلة الممتدة للسنة القمرية الجديدة، وهذه القيود المفروضة منعت ملايين العاملين من الرجوع إلى أعمالهم مما يعني فقدان الرواتب للمستهلكين الصينيين، وإغلاق الأعمال، وتزعزع سلاسل الإمدادات، محدثةً أثرًا موجيًّا حول العالم.

بينما “أبل” وهي شركة تقنية وتعتمد على الموردين الصينيين هزت السوق الأسبوع الماضي بعد توقعها لانخفاض المبيعات. وبدأت شركاتٌ صغيرة بالشعور بالضربة. وقالت ماستركارد أن إيراداتها سوف تكون أقل مما توقعوا إزاء تدني أعداد المسافرين. وخفضت خزينة نبيذ فنتشر الأسترالية توقعاتها بسبب قلة الاستهلاك الصيني. وتوقفت الخطوط الجوية يونايتد عن محاولة إعطاء إرشادات مالية هذه السنة حتى يختفي الفيروس.

وكانت هناك محادثات في بلدان آسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان عن حالة طوارئَ اقتصادية، والآن تستعد هذه البلدان لتأثيرٍ أكبر. في “اليابان” كانت أسواق الأسهم مغلقة يوم الاثنين، وفي يوم الثلاثاء أرسل المتداولون المذعورون أسهمهم بانخفاض للتعويض، وفي أثناء ذلك يخطط البلد بأن تكون أغلب الأعمال عن بعد لتجنب التجمعات الكبيرة وانتشار المرض. وفي “هونج كونج” والتي كانت آملةً باستعادة مكانتها بصفتها مركز التجارة وذلك بعد أشهر من الاضطرابات المتعلقة بالاحتجاجات، إلا أنه بدلًا من ذلك رأى الخبراء  أنّ هبوطًا كبيرًا قادمًا في يناير، وذلك حتى قبل أن نرى تأثير فيروس كورونا بوضوح.

ولكن ما هو جديد الآن حقًا وجعل الأسواق تقلق هو الانتشار الواضح للمرض والذي بَدَا منذ أسبوع تحت السيطرة بشكل كبير. تحارب إيران الآن انتشار فيروس كورونا مع اقتصادٍ هالكٍ أصلًا وفي ذُروة حالةِ شعبٍ لا يثق بالحكومة. حمل المسافرون من إيران المرض إلى بلدانٍ اخرى في الشرق الأوسط، ويخشى الخبراء أن أنظمة الصحة الضعيفة قد تغمرها الحالات إذا استمر تسارع العدوى. (أصاب الفيروسُ نائبَ وزير الصحة الإيراني).

وفي نفس الوقت هناك مخاوف من ركود اقتصادي عالمي تقود لانخفاض سعر النفط الخام لتصل إلى أقل من 50 دولارًا لكل برميل، وهي أخبار سيئة لميزانية الحكومات المعتمدة على النفط مثل إيران، والعراق، والمملكة العربية السعودية، ومراكز قوة أوبك الأخرى في المنطقة.

وفي أوروبا فإن وصول فيروس كورونا جاء في وقت سيءٍ جدا، وذلك حين بدأ الاقتصاديون المتعثرون يكافحون للخروج من ركود العام الماضي وإظهار علامات تعافي.

يعد الانتشار المتنامي في إيطاليا – من ضمنها الحالات الأولى في صقلية – نقطةً فقط من الأخبار السيئة للاقتصاد الإيطالي والذي يعاني لاستعادة نموه، إضافة لقيود السفر حول مدينة ميلان وهي نواة الصناعة وثالث أكبر اقتصاد في أوروبا، إذْ تُعدّ ضربةً موجعة لاقتصادٍ يصارع للبقاء مع الركود الحاصل في ألمانيا، والدَّين الكبير، وسكانٍ يتقدمون بالعمر، والفساد الداخلي، وتتوقع وكالة مودي للتصنيف الائتماني أن إيطاليا ستقع ضحية الكساد في هذا الربع.

وتستعد إسبانيا أيضا لتداعياتٍ إضافية من الفيروس – وسبق وأن ألغي بسببه مؤتمر رفيع الشأن “مؤتمر الهاتف المحمول السنوي” في برشلونة – وذلك بعد إلزام حوالَي ألف سائح بالحجر الصحي في فندق في جزر الكناري بسبب مخاوف من انتشار الفيروس من سائح إيطالي مصاب.

وفي الأسابيع الماضية وجد الاقتصاديون أن الضربة على نمو الاقتصادات الأوروبية الضعيفة سيكون ضئيلًا؛ لأن تأثير الركود في الصين لم يكن مباشرًا، وقال خورخيه سيسيليا كبير خبراء الاقتصاد في بي بي في أيه أنهم بدأوا الآن بإحصاء عدد من التأثيرات المباشرة المحتملة ومنها: إغلاق الحدود والفنادق، وفرض الحجر الصحي على المدن، وإغلاق المصانع.

“مازلنا في المراحل الأولى، ولكن إن لم تأتِ هذه الإجراءات في الوقت المناسب فقد تتسبب بعرقلة مرحلة التعافي” قال سيسيليا ثم أكمل: “ولكن إذا استمر الانتشار، وإذا أصبح هنالك قيود للسفر، وإذا أصبح الأفراد لا يعملون، فإن الناتج المحلي الإجمالي سوف يتدنى.”.

ترجمة: رهف الفرج

حساب تويتر: @rahaOoOof

مراجعة و تدقيق: تركي طوهري

حساب تويتر: @turkeyaltohari

مصدر المقال: https://foreignpolicy.com/

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *