الموزة ذات الـ120 ألف دولار كيف تخلق فنك ثم تأكله؟!

     في آخر دورة للمعرض التشكيلي العالمي بمدينة بازل، اشترى الفنان الإيطالي ماوريزيو كاتالان موزة وقام بحفرها ولصقها بجدار المعرض وسماها بالفكاهية. وفي عطلة نهاية الإسبوع قام الفنان الأمريكي ديفد داتونا وتبعًا لخطوات سابقة بتمثيل مشهد الفنان الجائع فقام بأكل تلك الموزة. وقد انتشر مقطع فيديو على حسابه في انستغرام يوثق ذلك العمل، حيث علق قائلاً “بأنه يحب عمل الفنان الإيطالي كاتالان مضيفًا بأنه لذيذ جدًا”.

      وخلال أيام من تثبيت تلك الموزة قام اثنان من جامعي التحف واللوح بشراء العملين بتكلفة 120 ألف دولار لكلا العملين وقامت مجموعة من المتاحف بالتنافس على الإصدار الثالث بمبلغ 150 الف دولار. لم يغير أكل داتونا للموزة أي شيء، لأن العمل الفني هو أساس الفكرة وهذا ما أكدته شهادة الإعتماد التي بينت ما اشتراه المبتاعون فعليًا.

     كاتالان ليس غريبًا على الإنتقادات، ففي عام 2016 ومن خلال عمله المسمى أميركا والذي هو عبارة عن دورة مياه كاملة مصنوعة من الذهب عيار 18 قيراط، فتم وصفه ( تعليقًا على الفن ورغبة في المال والإنتصار).

     وبعد استعراض الناقد الفني بصحيفة الجارديان جونثان جونس للعمل علق قائلاً ” كيف استخدم دورة المياه بشكل مناسب وفي وظيفة غير فنية”.  وفي شهر سبتمبر من العام 2019 تصدَّر العمل العناوين مرةً أخرى عندما تمت سرقته من قصر بلنهايم ، وكان العمل موجودًا هناك ولكن لم يتم العثور عليه.

     وتَدَخُل الفنانين بأعمال أخرى فنية او في طريقة تأديتها ليس بالأمر الجديد. ففي العام 1999 قام اثنان من الفنانين الصينيين هما “جي جي اكس آي وَ يوان تشاي” بالقفز على فراش تريسي أمنز عندما كان معروضًا في معرض تيت. كما قام العديد من الفنانين بالاشتراك في تجربة نافورة مارسيل دوشامب الشهيرة في العام (1917) وذلك بالتبول فيها وكان من بينهم كندل قريرس وَ بريان إينو وَ يرجون خيلتوف. وعلى النقيض في عمل كاتالان ” أميركا” فلم يكن البول خيارًا ممكنًا كما حدث في نافورة دوشامب لان ذلك التصرف سيتسبب في إحداث الفوضى الى حد ما.

والسؤال هو: لم تم تقدير العمل الفني للموزة بمبلغ 120 الف دولار ولماذا تم اعتبار أكل الموزة أحد أنواع الفن؟

ولكن هل هذا فن؟

    الفكرة حول مفهوم الفن قد تغيرت عبر الزمن، ففي القرن العشرين كانت التغيرات حول فهمنا للعالم مؤثرة في اختلاف الفهم لدى الفنانين. فالتقنيات الفنية تم تقديرها بقدر أقل من قدرتها على إيصال الفكرة.

    فعمل داتونا هو مثال على تطبيق الفن وهو نوع من أنواع الفنون سريعة الزوال والتي كانت رائجة في الستينيات الميلادية بين الفنانين كوسيلة لخلق فن لا يمكن بيعه او شراؤه بغرض جذب متابعين له على نطاق واسع. وكنموذج ضمني من نماذج الفن كان من الصعب تجاهله، كما أن ردة الفعل كانت في الغالب مفتاحًا لتطبيق ذلك الفن- تحرير الناس من واقع الحياة اليومية لمشاهدة الأشياء بشكل مختلف.

    في الأثناء التي شاهد فيها البعض الموزة المحفورة والمعلقة على الجدار والبالغ قيمتها 120 ألف دولار، شاهد داتونا شيء مختلفًا-  فقد شاهد طعامًا لـ” فنان جائع” . وكتعبير مجازي أن الفنان يضحي بالراحة المادية من أجل الفن. وفي نواحي عدة فإن أداء الفنان يقوم بعمل ما من شأنه وضع العمل الفني في الأولوية فوق كل ربح.

    كان عمل داتونا لحظي وسريع الزوال. فهو يساوي عمل كاتالان لأن التثبيت كان لحظيا والموزة الاصلية ستؤول الى التحلل في نهاية المطاف. فالعمل الفني لا يمكن ان يكون حول الموزة لأنها أداة وشيء موجود بالإمكان شراؤه من أي مكان. العمل الفني عبارة عن فكرة و كاتالان هو الشخص الذي كانت لديه تلك الفكرة وقام بتنفيذها.

    فالحراك نحو الزائل والعابر من الأشياء جاء من رغبة الفنانين في الواقعية. ففي القرن التاسع عشر تكونت الخبرة لدى الانطباعيون باستعراض منطقة ولوحة تشجير وما يطرأ عليها من تغيرات  في الإضاءة وأحوال الطقس. وقبول هذه المناظر الريفية في نهاية الأمر بالرغم من أن الفرشاة كانت اقل دقة و (واقعية) مما اعتدنا عليه. فعندما تم عرضها للمرة الأولى كانت الألوان متضادة ولا تشبه التضاد المعروف عند كاتالان او داتونا كما هو معروف اليوم.

    ومؤخرًا أدرك الفنانون أن السطح المنبسط والمزدوج الأبعاد لا يمكن أن يعكس الحياة الواقعية،  لذا قاموا بتوجيه تركيزهم على الحياة نفسها. وهذا التغيير له جانبين: الأول يستخدم فيه الفنانين أداة حقيقة في أعمالهم كما في عمل نافورة دوشامب والثاني  يقومون فيه بدمج التجربة الحياتية.

وربما يكون أقرب وأشهر مثال معروف هو عمل الفنانة مارينا إبراموفيتش التي تم عرض عملها بـ ” موما” في العام 2010 عندما كانت تجلس يوميًا في المعرض لساعات.

الحراك المخادع

    يوجد من يستنكر عمل كاتالان قائلاً” باستطاعة أي أحد القيام بنفس العمل” حتى الطفل ذو الخمس سنوات. ولكن هذه النظرة تعتبر تشاؤمية بالنسبة لما يبدو عليه الفن عالميًا، فالفن ينتشر و يتطور وكثير من الأمور تستهوي الفنانين في يومنا الحاضر.

     فالانتقال للأدوات الحقيقية كان طريقًا للفنانين للكشف عن أفكارهم بكفاءة. فالموز سلعة عالمية تمثل جزءًا كبيرًا في عالم التجارة والفقر والغنى. فالفنانة البولندية ناتاليا إل إل إس المتخصصة بفن المستهلك، اعتبرت الموزة شيئًا مقدسًا في الوقت الذي كانت الموزة فيه سلعة ثمينة في بولندا الشيوعية جاعلةً منها أداة للرغبة الجنسية والمادية.

    وعلى النقيض فإن الموز أيضا يستخدم للإشارة الى الحماقة في عالم الرسومات المتحركة وغالبًا ما ترى الشخصية تتزحلق في قشر الموز. والأكثر تراجيدية وكوميدية أو فكاهة ومأساوية من هذا المنحى أن الأسعار في الغالب ثابتة وبشكل عشوائي في السلع والفن؟ فلماذا يجب أن يكون الفن سلعة على كل حال؟

    يوجد من ينتقد داتونا بإفساده للعمل. ولكن هذا أيضا يعرض نظرة أخرى للفن، فأداء الفنانين سعى لتجنب الانتقائية في الحين الذي يستطيع فيه الأذكياء فقط الإفصاح عن الفن. فأداء الفن يجعل منه أمرًا ديمقراطيًا يسمح لكل أحد ان يكشف عن إبداعاته. وقد حصلت أميركا التحفة الفنية لكاتالان على بعض من هذا – دورة مياه ذهبية قد يمتلكها القليل من الناس ولكن بإمكان الجميع استخدامها. وربما كان من الأفضل ان يكون الفن مفيدًا بدلاً من أن يكون سلعة.

    فتصرف داتونا لم يفسد العمل- فبديل الموزة كان موجودًا في الحال- ولم يهدف الى جني الأرباح من خلاله وهذا هو المفتاح-، ومؤخرًا أرادت شركة فارويز للساعات بقطع عمل الفنان الدنماركي “تال آر” واستخدامها لتزيين سطوح ساعاتهم، ولكن المحكمة الدنماركية حكمت بأن ذلك التصرف يغير جوهر العمل الفني ويعتبر محاولة لجني المال – لذا تم اعتبار ذلك التصرف غير قانوني.

     عندما تكون ردة فعل شخص ما على عمل وتصرف فنان بقوله ” يمكن لطفل في عمر الخامسة ان يقوم بنفس العمل،  فإني أتصور أن يرد الفنان قائلاً” نعم. هذه هي النقطة تماما”.

المترجم: أحمد بن خالد بن عبدالرحمن الوحيمد

حساب تويتر: AhmadBinKhaled

المراجع: مدى الجميعة

حساب التويتر: @_itzmada

رابط المصدر:  https://theconversation.com

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *