الكيمياء العصبية للسُلطة و مضامين التحول السياسي

تاريخ النشر : 26/03/2014 التعليقات :0 الاعجابات :2 المشاهدات :4387

الكيمياء العصبية

السُلطة، و بالذات السلطة المطلقة التي لا تقوم عليها رقابة، هي سلطة ذات طابع “مُسكر” يظهر على صاحبها بحيث أن تأثيرها يطال المستوى الخلوي و العصبي الكيميائي. هذا التأثير يتجسد في ممارسات سلوكية متعددة تبدأ من المستوى المزداد على غير العادة للوظائف الإدراكية إلى فقدان التحكم بالذات، إطلاق الأحكام السيئة، نرجسية مفرطة، سلوك شاذ، و قسوة بشعة عنيفة.

من المعلوم اليوم أن مادة “الدوبامين” هي المادة الرئيسية المتعلقة بالمردود العصبي لنشوة السلطة، و هي ذاتها المادة –أو الناقل العصبي- المسؤولة عن الشعور بالسعادة لأن الشعور بالسلطة يؤدي إلى تنشيط دورة عصبية في الدماغ هي ذاتها تلك الملحوظة في حالة الشعور بالسعادة و في حالة تعاطي الحبوب المخدرة : أي أنها ذات “طابع إدماني”، فأهل السلطة و المستحوذين عليها لا يختلفون كثيرا عن مدمني المخدرات من حيث أنهم مستعدون لبذل كل ما هو نفيس في سبيل بقائها و الحفاظ عليها، فتملك السلطة –تماما كتملك المخدرات- يؤدي إلى ظهور رغبات ذات جذور خلوية –أي على مستوى الخلية- تنتج سلوكيات و تصرفات مضادة تماما لكل ما من شأنه أن يؤدي إلى التفريط بهذه السلطة أو خسارتها.

في المجتمعات الناضجة من ناحية المسؤولية السياسية، توجد هناك ممارسات و إجراءات لضمان عدم الاصطدام بالنتائج السلبية المؤكدة للسلطة المطلقة، إلا أن هناك حالات أخرى يكون فيها التحول من السلطة ذات الطابع المطلق إلى تلك القائمة بصفة أكبر على الإجماع الشعبي عسيراً و غير سلس. التدرج في عملية التخلي عن السلطة المطلقة هو الوسيلة الوحيدة لضمان تنازل صاحبها عنها.

الدوبامين و الإدمان

كما أشرت في أعمال سابقة لي، يتميز البشر بما أسميه بـ “الأنانية العاطفية الغير خاضعة للأحكام الأخلاقية”. البشر منقادون بحس العاطفة، كما أن البوصلة الأخلاقية –للأغلبية منا- مرنة في أكثر الأحوال و تتأثر للغاية بالظروف المحيطة، و قيمة البقاء، و بالمصلحة العاطفية للذات، إلا أن العواطف –على الرغم من ذلك- ليست معنوية مجردة، و إنما هي محتواة بشكل عصبي كيميائي و هي مادية بقدر مادية “مرادفاتها” العصبية الكيميائية.

الدوبامين مسؤول عن الشعور بالسعادة كما أنه يساعدنا على استرجاع المعلومات و هو متعلق بسلوك التعلم المحفَّز بالمكافأة. يتم إفراز الدوبامين في مناطق معينة في الدماغ عند ممارسة أشكال متعددة من السعادة و المتعة كتلك المصاحبة للإنجازات الشخصية، تناول الطعام، و غير ذلك من متع الحياة، و لكن الدوبامين يتم إفرازه في حالات سلوكية أخرى قد تكون غير صحية و مهددة للحياة كإدمان المخدرات أو القمار. على أية حال، إفراز الدوبامين هو ما يحفز الرغبة في الاستمرار في هذه السلوكيات.

يعمل الدوبامين على تنشيط “نظام مكافأة” على المستوى الذهني العصبي يُعرف بأنه كان و ما زال يلعب دوراً جوهرياً في بقاءنا نحن البشر كـ “نوع بيولوجي” بحيث أنه يحفزنا على القيام بممارسات سلوكية ضرورية للبقاء. هذه العملية هي ما أطلقت عليها مسمى “مبدأ الإشباع العصبي الكيميائي”. كما يُعتقد بأن مجرد “توقع الحصول على المكافأة” يعمل بذات الطريقة التي يعمل بها نظام المكافأة المذكور سابقاً.

إذن، فإن نظام المكافأة العصبي يساعدنا على الاضطلاع بمهام صحية و ضرورية للبقاء، إلا أنه أيضا يحفز الممارسات السلوكية المضرة. المخدرات كالكوكايين و النيكوتين و الأمفيتامنيات تؤدي إلى زيادة تركيز الدوبامين في الدماغ.

الإدمان هو عبارة عن سلوك حاد متطرف يقوم بتوظيف الشبكات العصبية المنتجة للهوس و الذي يظهر على شكل زهو عظيم بالنفس مبالغ فيه. على سبيل المثال، هتلر و ستالين و نابليون كانوا مفتقدين لحس التعاطف مع الآخرين كما أنهم كانوا مهمشين لقيمة حياة الإنسان مما أدى إلى موت الآلاف من البشر في حملات عسكرية، و لكن السلطة تبدو –في هذا السياق بالذات- مساهمة في تطرف و حدة السلوكيات المضرة في هذه الشخصيات بالذات.

 الدوبامين و السُلطة 

من الناحية العصبية الكيميائية، فإن الدماغ مجبول على البحث عن اللذة و السعادة بغض النظر عما إذا كانت طرق الحصول عليها مقبولة اجتماعياً أو لا. لذلك، فنحن جميعاً مصابون بالإدمان بشكل أو بآخر بطريقة تضمن استمرار تدفق الدوبامين. و لذلك، فنحن نحاول تجنب كل ما من شأنه تعطيل ذلك التدفق. إذن، و بطريقة مشابهة لما يحدث مع مدمني المخدرات و الكحول، فإن من الصعب على الإنسان تقبل فكرة أنه مدمن على السلطة أو الشهرة أو التبجيل لأن مجرد إدراك ذلك سيؤدي إلى عرقلة تدفق هرمون السعادة. أضف إلى ذلك، أن التخلص من الإدمان ليس مجرد مسألة متعلقة بالإرادة الذاتية.

كالمخدرات إلى حدٍ كبير، فإن السلطة  تقوم بتوظيف ذات الأنظمة المكافئة الموجودة في الدماغ مما يؤدي إلى إحساس كبير باللذة و السعادة. في الحقيقة، الدوبامين –ضمن كميات معتدلة- يعمل على تحسين أبعاد الإدراك، و لكنه قد يجعل الفرد مندفع و متهور و مفتقد لحس التعاطف مع الآخرين. يُعتقد بأن المعدلات المرتفعة للدوبامين لها صلة بالتعرض للمخاطر و الانفصال العاطفي بشكل يؤدي إلى الوحشية و القمع و الهوس بتحقيق الأهداف الشخصية.

السلطة المطلقة قد تجعل الناس يؤمنون بأن هناك “قوة روحانية” تدلهم و تأخذ بأيديهم، حتى في الحكومات الديمقراطية. على سبيل المثال، كان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش يقول بأن الله أراده أن يشن الحرب على العراق كما اعتقد ذلك حليفه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق. هذه الوثوقية الظاهرة على قادة مثل هؤلاء تبدو كأحد أعراض زيادة تركيز الدوبامين في الدماغ. أمثالهم ليسوا فقط أنانيين و مهووسين بذواتهم، بل و مصابون بالبارانويا أيضا بشكل واضح بالذات عند مواجهتهم و مواجهة آرائهم.

السياسة العصبية و التحول السياسي

هناك آثار للكيمياء العصبية للسلطة على السياسة و التحول السياسي. بحكم أن السلطة تقوم بتنشيط نظام المكافأة العصبية في الدماغ فإن إدمان السلطة أمر ممكن و وارد الحدوث. و بحكم ذلك أيضا، فإن الأشخاص المتمتعون بمراكز سلطة خالية من الرقابة سيكونون -على الأرجح- مفتقدين للوعي الذاتي المطلوب للعمل بالسلطة المقيَّدة و المرهونة بالإجماع الشعبي. و لذلك فإن الديكتاتوريين مثلاً يظهرون بصفة أكبر في المواضع المفتقدة للرقابة و الموازنة. إذن، فإن القاعدة هي العنف و اللامبالاة بحياة المواطنين في الدول التي تحكمها سلطة مطلقة بغض النظر عن الحالة السايكولوجية للحاكم.

و بحكم أن نزع السلطة المفاجئ –تماما كالحرمان المفاجئ من المخدرات بالنسبة للمدمن- يؤدي إلى رغبات لا يمكن التحكم بها، فإن أولائك الذين يمتلكون السلطة -و خصوصاً السلطة المطلقة- لا يتخلون عن سلطتهم بإرادة و انسيابية خالية من الخسائر البشرية و المادية. لذلك ينبغي أن نتذكر أن الشعور بتملك السلطة –كأي شعور آخر- له جوانب عصبية كيميائية و أن السلطة المطلقة الخالية من الرقابة قد تؤدي إلى اندفاعات غير عقلانية مدمرة.

بقلم الطبيب و الفيلسوف و الباحث بالعلوم السياسية : نايف الروضان

الترجمة: علي شيش

Twitter: @doublehelix88

المصدر :

The Oxford University Politics Blog


شاركنا رأيك طباعة