هل تغيرنا المحن؟

الشخص بعد الصدمة أو المصيبة التي حدثت له قد يصبح أقوى من ذي قبل ، فهناك شيء إيجابي فيها

أنها قد تجعل الشخص ذو نظرة متجددة للحياة وينظر للأمور بحكمة أكثر .

نفضل أن نروي قصص حياتنا ونبرز الصعوبات والإخفاقات التي واجهناها وتغلبنا عليها

هنالك مفهوم في ثقافتنا أنه إذا واجهتك مأساة يعد ذلك أمرًا جيدًا لأنه قد يصقل شخصيتك، ستقدر الحياة من جديد وستشكر الله على وجود عائلتك وأصدقائك، ستتعلم من تجاربك وستصبح أكثر مرونة.

يعاود هذا المفهوم على الظهور في وسائل الإعلام مرارًا وتكرارًا في أعقاب الكوارث الطبيعية والهجمات الإرهابية. 

ولكن كيف يفسرها العلم؟ 

هل هنالك نفع من الألم والمعاناة؟ وهل كان الفيلسوف فريدريك نيتشه محقًا عندما قال “ما لا يقتلك، يجعلك أقوى.”

قصة مؤثرة 

لسنا الأوائل الذين واجهوا هذه الأسئلة فأخصائي علم النفس ريتشارد تيدستشي ولورانس كالهون كتبوا عن هذا الموضوع؛ كيف أنه بعد معاناة الأشخاص من تجارب صادمة قالوا أنهم شعروا بتقدير أكبر للحياة وأنهم أقرب لعائلاتهم وأصدقائهم ويشعرون أنهم أقوى وأكثر روحانية وإلهامًا، سميت تلك الظاهرة “بنمو ما بعد الصدمة”.

ومن الواضح أن نتائج هذا البحث مغرية فهي تظهر أن هنالك جانب إيجابي من المآسٍ، ويتماشى ذلك أيضا مع ما جاء في الكتاب المقدس في موضوع الخلاص، قيل أن كل الألم والمعاناة تؤدي في نهاية المطاف إلى الحرية.

قد تساعدنا نتائج البحث أن نرى حياتنا من ناحية منطقية، فعلماء النفس بينوا أننا نفضل أن نروي قصص حياتنا ونبرز الصعوبات والإخفاقات التي واجهناها وتغلبنا عليها، فنحن نعتقد أن الأشياء الجيدة تبرز من المواقف السيئة لأنه غالبًا ما يكون ذلك هو الموضوع الأساسي في قصصنا. 

كيف يمكنك توقع المواقف المأساوية؟ 

قد يبدو السرد الثقافي لـ”النمو من المحن” مقنعًا نوعًا ما ولكن بعد النظر إلى البحث الحالي في هذا الموضوع وجدنا بعض مواضع الشك، ومنها؛ أنه من الصعب جمع معلومات عن الأشخاص قبل وبعد معاناتهم  للمحن أو المآسي فعلى سبيل المثال لا توجد طريقة لمعرفة من سيخسر منزله بسبب الإعصار. 

 ولهذا السبب فإن معظم الأبحاث عن نمو ما بعد الصدمة هي من توقع الأشخاص عن مدى تغيرهم بعد الصدمة، قد تبدو هذه الطريقة منطقية لتقييم النمو الشخصي،ولكن  بإمكانك سؤال إحدى أصدقائك أو حتى نفسك، ولذلك هنالك مشاكل جسيمة في هذا النهج.

ووجدت الدراسات أن الأشخاص لا يتذكرون جيدًا ما كانوا هم عليه قبل الحدث الصادم أو قد يقول المشاركين أنهم تغيروا ونموا من الحدث بينما في الحقيقة هم ما زالوا يعانون، وأقوالهم بشأن النمو لا تماثل أقوال أصدقائهم وعائلاتهم وقد لا تجسد تغيرات حقيقية في سلوكياتهم.

إخبار الآخرين أنك تغيرت ونموت من المحن قد تكون طريقة مجدية للتعامل مع الألم الذي تعاني منه، تنصح الثقافة الغربية بالحزن لقليلٍ من الوقت وفي النهاية من المتوقع من الأشخاص “أن يتغلبوا على الحزن و المضي قدمًا بعيش حياتهم.”

اعتقاد الأشخاص أنهم تغيروا غالبًا لا يرتبط بمدى تغيرهم الحقيقي.

قد يكون الضغط مدمجًا مع الاختبار نفسه، فعادة الأسئلة التي يسألها الباحثون في مجال المحن تبحث في التغير الإيجابي إما يجد الشخص تقديراً مستحدثًا للحياة أو يسعى لتحقيق أهداف جديدة أو يصبح أكثر تدينًا، ويتغلغل في داخل تلك الأسئلة توقع التطور الذاتي والتعافي. وفي حالات أخرى قد يقولون أنهم أصبحوا أقوى ولكنهم يغفلون عن الألم الحقيقي الذي يعانون منه.

ولكن أفضل الدراسات التي صممت لتبحث في النمو وجدت أن اعتقاد الأشخاص أنهم تغيروا بعد تجربة صادمة ليس مرتبطًا بمدى تغيرهم على مر الزمن.

وفي الحقيقة أن أولئك الذين أفادوا أنهم واجهوا النمو الشخصي بسبب المحن وعلى الأرجح أنهم مازالوا يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والأكتئاب.

القرار لم يتخذ بعد

ومن جوانب عديدة فمن الصعب أن تتقبل أن فكرة النمو الشخصي والمرونة هي نتاج المحن.

ما هو الإنطباع الذي يتركه؟ قد تكون المعاناة جيدة في المدى البعيد والأشخاص الذين عانوا من الصدمة هم أقوى من أولئك الذين لم يعانوا.

ولكن تخطي المحن والمعاناة ليس بالأمر السهل، وأحيانًا الصدمة الناتجة من بعض المحن مثل موت شخص عزيز فذلك الأمر يؤثر عليك ولا يمكن أن تتخطاه بسهولة.

وهناك أولئك الأشخاص الذين يتحدثون عن معاناتهم لشهور أو سنوات بعد الواقعة، وإذا كانت مقولة الفيلسوف فريدريك نيتشه صحيحة  “ما لا يقتلك، يجعلك أقوى” فإنهم قد يرون ضعفاء  أو أنهم غير طبيعيين.

إليك ما نعرفه وما قدمه العلم الحديث: بالطبع بإمكان الأشخاص النمو من المحن ويصبحوا أقوى ويحسنون من جودة علاقاتهم وازدياد احترامهم لذاتهم ولكن على الأرجح أن الأمر لا يحدث بقدر ما يعتقده أغلب الناس والباحثين.

وأيضا، لن يتخطى الجميع وينمو من المحن بنفس الطريقة والسرعة، وسيستمر الأشخاص بحاجة الدعم الاجتماعي من عائلاتهم وأصدقائهم والمجتمع في ظل مواقف صادمة، توفر تلك الوسائل قد يلعب دورًا مهمًا في تحديد ما إذا كانوا الأشخاص حقًا ينمون من المحن.

ولا يجب أن يكون النمو من المحن هدفًا للجميع فأولئك الذين يعانون العديد منهم فقط يريدون أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل الصدمة ويعدون ذلك هدفًا طموحًا بما فيه الكفاية.

بينما أنه من الممكن للمحن أن تؤدي إلى نظرة متجددة للحياة والحكمة إلا أن العلم لا زال يبحث في الموضوع ومازال الأمر غير واضحًا في ما يتعلق بـ”متى” و”كيف”.

تعد القصص المنبثقة من المواقف الصادمة بلا شك مؤثرة وبإمكانها أن تصبح إلهامًا لحياتنا، ولكن علينا أن نحسن من الأبحاث لنعرف ما إذا كانت تلك القصص طبيعية أو حالة شاذة.

المترجم: رهف فرج الفرج

تويتر: @rahaOoOof

المراجع: نجلاء أحمد

مصدر المقال: https://theconversation.com

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *