زال الألم، بفضل التطور!

أفاد فريق بحثٍ دوليٍ في تقريرٍ نُشِرَ في مجلة ساينس بقيادة معهد أبحاث ماكس دلبروك، في عاصمة ألمانيا برلين أنّ فئران الخلد الإفريقية تُصّنف ضمن إحدى القوارض الغير حساسة للعديد من أنواع الآلام المختلفة. وقد سمحت هذه الصفة لهذا النوع من الفئران بالتعايش في مواطن جديدة، فبإمكان هذه الفئران التي تعيش حول هضبة هايفلدالتعايش مع النمل السام، وتحمل لسعاته المؤلمة التي تتجنبها الفئران الأخرى.

منذ عشر سنوات تقريباً، أصبحت فئران الخلدية العارية مألوفة جداً في مركز ماكس دلبروك للطب الجزيئي (MDC). ويرجع فضل ذلك إلى غاري لوين من برلين، وتوماس بارك من شيكاغو اللذين بحِثا معاً في العالم الحسي الغريب لهذه الفئران. حيث أثبتا بارك، ولورين أنّ هذه القوارض التي تعيش في جحور أفريقيا بااستطاعتها مقاومة الآلام بشكل مذهل. نشرت مجلة بلوس بيولوجي، في عام 2008، مقالاً ذُكر فيه أنّ الفئران الخلدية لم تشعر بألم عند تعرضها للحمض، أو الكابسيسين-هو المركب الذي يمنح الفلفل الحار طعماً حاراً). وقد جذبت التجارب والبحوث على هذا النوع من الفئران اهتمام العالم أجمع.

وفقاً للدراسة التي نشرت مؤخراً في مجلة ساينس، تعاون لوين مع زملائه الباحثين في جنوب أفريقيا، وتنزانيا لأجراء المزيد من البحوث على حالات حساسية الألم المختلفة لهذه الفئران. وقد صرّح لوين -الذي يدير مجموعة علم وظائف الأعضاء الجزيئية للأحاسيس الجسدية في مركز ماكس دلبروك –قائلاً: “على المعلومات التي قدمتها بحوثنا حول هذه الحيوانات أن تساعد في أموراً عديدة، كتطوير عقاقير جديدة لتخفيف الآلام مثلاً”.

من خلال التعامل مع خبراء عالميين في علم أحياء الفئران الخلدية، أكتشف كلٌ من نايجل بينيت من جامعة بريتوريا في جنوب إفريقيا، وغاري لوين، وتوماس بارك، وزملائهم الباحثون كيفية إستجابة الفئران العارية، وثمانية أنواع اخرى إلى ثلاثة مواد تسبب عادتاً حرقٌ بسيطٌ على جلد البشر والثديات الأخرى. وكانت هذه المواد الثلاثة هي: حمض الهيدروكلوريك المخفف، ومركب الكابسيسين، وأيل الإيزوثوسيانيت ويرمز له بـ(AITC). فهذا المركب الأخير هو ما يمنح نبات الوسابي- يُصنف أكثر البهارات الشعبية التي توضع على السوشي- الطعم الحار جداً. فقد أثبتت التجربة أنّ هذه الفئران تتعرض بشكل طبيعي لهذه المواد والمواد المماثلة في البرية.

 تعد فئران الهايفلد الخلدية الوحيدة التي لا تتأثر بلسعة الوسابي

أثبت العلماء من خلال مقالٍ نشره مؤلفين رئيسيين وهما أولي إيجينبرود، وكارلين ديبوس في مجلة ساينس، أنّ ثلاثة أنواع من فئران الخلد غير حساسة للحمض بتاتاً. ومن المثير للأهتمام، أنّ هذه الفئران الثلاثة لا علاقة لها بالتطور مطلقاً. وأنّ نوعين منهما لم يظهرا أي دليلٍ على الإحساس بالألم بعد حقنهما بمركب الكابسيسين في مخلبهما. كما فسّر لوين هذه التجربة قائلاً: ” لقد أصبحنا على دراية أنّ تلك الحيوانات قد شعرت لفترة قصيرة بالألم، بعد رفعها لمخالبها، ولعقها لها”.

أثبت نوعٌ واحدٌ فقط من الفئران الخلدية أنّ لديه مناعة لمركب أيل الإيزوثوسيانيت. ولم يكن هذا النوع إحدى أنواع الفئران الخلدية العارية، بل كانت قوارض أخرى يطلق عليها فئران الهايفلد الخلدية، نسبةً إلى اسم المنطقة التي تعيش فيها تلك الأنواع الواقعة في جنوب شرق أفريقيا. وقد علّق لوين قائلاً: “كان هذا الاكتشاف مثيراً لنا”. وأضاف: “يهاجم أيل الإيزوثوسيانيت الأحماض الأمينية في الجسم، وبالتالي بإمكانها تدمير البروتينات. ولهذا السبب تتجنب جميع الأنواع الأخرى التي نعرفها الاحتكاك مع تلك المادة.” حيث أصبحت فئران الهايفلد الخلدية هي الوحيدة في التجربة التي لم يكن لديها أي مشاكل مع الأيل الإيزوثوسيانيت.

كل ذلك بسبب تغيُّر قنوات الأيون

أخذ الباحثون عينة من الأنسجة الحسية للحبل الشوكي والعقد الجذرية الظهرية لجميع الأنواع التسعة التي تمت دراستها، من أجل معرفة كيفية مقاومة هذه الفئران المدهش للألم. وتتواجد أيضاً في العقد الجذرية الظهرية مجموعة من الخلايا العصبية التي تقوم بنقل إشارات الألم إلى الحبل الشوكي. لذا ذكر لوين قائلاً: “تمكنا بمساعدة تقنية التسلسل الحديثة من مقارنة نشاط حوالي 7000 مورِّثاً داخل هذا النسيج”.

لاحظ الباحثون أنّ نشاط المورثين قد تغير داخل هذه الحيوانات التي لم تشعر بأي ألم بسرعة. فهذه المورِّثات تحتوي أيضاً على مخطط لقنوات الأيونات والتي يطلق عليها “مستقبلات أنكرين العابرة المحتملة”، وتختصر بـ(TRPA1)، وكذلك “قناة أيون الصوديوم” وتختصر بـ (Nav1.7). ومن المعروف كذلك أنّ هاتين القناتين مسؤولتين عن الإحساس بالألم.

وضّح لوين ذلك في قوله: “يُنَشِّط أيل الإيزوثوسيانيت، وكذلك العديد من المثيرات الأخرى الموجودة في الجذور -أحد مصادر الغذاء الرئيسية للخلد- قناة أيون الصوديوم في الجسم”. فلهذا السبب، أثناء فترة التطور، تُقلل العديد من أنواع الجين استجابة المورِّث لهذه القناة. وأضاف: ” إنّ قناة الوسابي هي القناة الوحيدة التي تُعطل بالكامل في فئران الهايفلد الخلدية”. لذا استمر لوين و فريقه في محاولة لاكتشاف سبب تنشيط المورِّث تحديداً لقناةٍ أخرى، ( كإفتتاح قناة تسرب الصوديوم الإنتقائية، والمعروفة باسم قناة التسرب). حيث أكتشف الباحثون أنّ مظهر هذه القناة هو الشيء الوحيد الذي تغير بشكل كبير في فئران الهايفلد الخلدية.

بالإمكان إيقاف مقاومة فئران الخلد للألم!

فوجئ لوين على وجه الخصوص بنتائج هذه التجربة. وقال: “عندما أغلقنا قناة تسرب الصوديوم الإنتقائية من خلال تزويدها بدواء يعيقها، ففي نهاية المطاف، أصبحت فئران الهايفلد الخلدية حساسة بشكلٍ مفاجئ للأيل الإيزوثوسيانيت.” ولكن بعد مضي يومٍ واحدٍ فقط من إعطائها المضاد، رجعت هذه القوارض لما كانت عليه في السابق. وأضاف لوين مسروراً: “لقد وجدنا المورِّث المسؤول عن مقاومة فئران الهايفلد الخلدية للألم، من بين الآف المورِّثات الأخرى”.

اكتشف دانييل هارت -طالب الدكتوراه عمل مع نايجل بينيت- أنّ فئران الهايفلد الخلدية غالبًا ما تشارك جحورها مع نمل الثور، والمعروف باسم نمل ناتال دروبتايل. واضاف: “إنّ هذه الحشرات معروفة بطبيعتها العدوانية وسمومها اللاذعة”. فعندما حقنها بالسم في مخلبها، أحست جميعها بالألم  لفترة قصيرة ماعدا فئران الهايفلد الخلدية. ولكن عندما أغلقنا قناة تسرب الصوديوم الإنتقائية في هذه القوارض، أصبحت حساسة للسم فعلاً.

نتائج جديدة قد تساعد في البحوث الصيدلانية

افترض لوين: “أنّ فئران الهايفلد الخلدية قد اكتسبت مورِّثاً نشطاً للغاية لقناة أيونية واحدة، أثناء عملية التطور، مما جعلها تختار أماكن جحورها بحيث تتجنبها الأنواع الأخرى من الفئران الخلدية.” وأضاف:” يصنّف مركز ماكس دلبروك للطب الجزيئي مثالاً رائعا على كيفية تكيُّف البيئة مع التطور على المدى البعيد. ” وفي الحقيقة، يمكن أن يؤدي هذا الاكتشاف إلى تطوير مسكنات فعالة للغاية.” “وقد أثبتت لنا فئران الهايفلد الخلدية، أنّ المظهر العالي لقناة تسرب الصوديوم الإنتقائية وسيلة فعالة لتخفيف الألم.”

المترجم : رشا أحمد الغامدي

المراجع: عبد السلام العقيل

تويتر:  @7Asalam7

المصدر:https://www.sciencedaily.com

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *