وفاة من بين خمس وفيات مرتبطة بسوء التغذية في العالم

تاريخ النشر : 30/11/2019 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :197

في هذا المقال  عرض لدراسة تهتم بأثر سوء التغذية على حياة البشر وتقدر الدراسة التي أجريت على مختلف الأنظمة والسياسات الغذائية في العالم وفاة شخص من بين خمسة أشخاص متعلقة بسوء التغذية. 

قد يستفيد الأشخاص في كل مناطق العالم تقريباً من إعادة توازن نظامهم الغذائي، بتناول كميات مثالية من الأطعمة والعناصر الغذائية المتنوعة، وفقاً للدراسة التي أجراها برنامج عبء المرض العالمي في مراقبة أنماط الاستهلاك للعوامل الغذائية الخمسة عشر منذ عام 1990 وحتى عام 2017 في 195 دولة. وقد نُشِرت الدراسة في مجلة “ذا لانسيت”.

وتقدر الدراسة وفاة شخص من بين كل خمسة وَفَيَات بسبب سوء التغذية، أي ما يعادل 11 مليون وفاة. يساهم النظام الغذائي في إصابة الأشخاص بمجموعة من الأمراض المزمنة في العالم. في عام 2017 تسببت الأنظمة الغذائية ذات الكميات المتدنية من الأغذية؛ مثل الحبوب الكاملة، والفواكه، والمكسرات، والبذور، بحالات وفاة أكثر من الحميات الغذائية التي تتسم بمعدلات عالية من الدهون المتحولة، والمشروبات المحلاة، واللحوم الحمراء واللحوم المعالجة.

يذكر العلماء المشاركون في الدراسة أن النتائج تسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى جهود  عالمية منظمة لتحسين الأنظمة الغذائية، بالاشتراك مع مختلف أقسام الأنظمة والسياسات الغذائية، والتي تحفز الأنظمة الغذائية المتوازنة. 

ويقول الدكتور كريستوفر موراي، مدير معهد القياسات الصحية والتقييم، التابع لجامعة واشنطن الأمريكية، وهو عالم مشارك في الدراسة: ” أثبتت هذه الدراسة ما اعتقده كثيرون لعدة سنوات؛ أن سوء التغذية هو سبب الكثير من الوَفَيات ويعد من أخطر العوامل في العالم. “بينما كان تركيز المناظرات السياسية على الصوديوم والسكريات والدهون خلال العقدين الماضيين، فقد أشارت تقديراتنا إلى أن عوامل الخطر الغذائية الرئيسية هي الحصص العالية من الصوديوم، أو الحصص المنخفضة من الأغذية الصحية؛ مثل الحبوب الكاملة، والخضروات والفواكه، والمكسرات، والبذور. كما سلطت الضوء على الحاجة إلى إرشادات شاملة لتعزيز صناعة الأغذية الصحية، وتوزيعها، واستهلاكها في جميع الدول”.

تأثير الأنظمة الغذائية على الوَفَيَات والأمراض غير المعدية

قيمت الدراسة استهلاك الأطعمة والمواد الغذائية الرئيسية في 195 دولة، وقاست تأثير سوء التغذية في الوفاة والإصابة بالأمراض غير المعدية (خاصةً السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري)، تعقبت الدراسة الأنماط الغذائية منذ 1990 وحتى2017.

كان تقييم تأثيرالأنظمة الغذائية غير المثالية على الصحة أمراً مستحيلاً على مستوى السكان في السابق؛ بسبب صعوبة تحديد سمات الأنظمة الغذائية المستهلكة لدى الدول المختلفة. تجمع الدراسة الحديثة البيانات من الدراسات المتعلقة بالأوبئة وتحللها لتحديد الرابطة بين العوامل الغذائية والأمراض غير المعدية, وذلك في ظل غياب التجارب العشوائية طويلة المدى والتي لا يمكن تطبيقها دائماً في مجال التغذية.

تبحث الدراسة 15 عنصراً غذائياً؛ في الحميات الغذائيات ذات الكميات المتدنية من الفواكه والخضروات، والبقول، والحبوب الكاملة، والمكسرات، والبذور، والحليب، والألياف، والكالسيوم، والأحماض الدهنية في أوميجا 3 الموجودة في الأطعمة البحرية، والدهون المتعددة غير المشبعة، والأنظمة الغذائية الغنية باللحوم الحمراء، واللحوم المعالجة، والمشروبات المحلاة بالسكر، وأحماض الدهون المتحولة، والصوديوم,  ويشير الباحثون إلى تفاوت البيانات المتوفرة لكل عامل غذائي؛ مما يثير الشك اتجاه التقديرات الإحصائية. على سبيل المثال بينما توفرت بيانات عدد الأشخاص الذين تناولوا معظم العوامل الغذائية في جميع الدول تقريباً أي بنسبة (95%) فقد اقتصرت البيانات عن تقديرات الصوديوم إلى دولة واحدة من أربع دول. 

عموماً في عام 2017، نُسب ما يقدر بـ 11 مليون حالة وفاة إلى سوء التغذية. فالحميات الغنية بالصوديوم، المحتوية على نسب متدنية من الحبوب الكاملة والفواكه، كانت السبب لأكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالحميات الغذائية في العالم خلال عام 2017.

شملت أسباب تلك الوفيات 10 ملايين وفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية، و913,000 حالة وفاة بسبب مرض السرطان، وما يقارب 339,000 وفاة بسبب السكري من النوع الثاني, فقد ارتفعت نسبة الوفيات المتعلقة بالحميات الغذائية من 8 ملايين في عام 1990، ويُعزَى ذلك إلى الزيادة السكانية وتقدم أعمارهم.     

أنماط الاستهلاك العالمية:

وَجَد الباحثون أن جميع العناصر الغذائية الخمسة عشر المتناولة كانت دون المستوى المثالي في معظم مناطق العالم تقريباً، حيث لم تكن الكمية المتناولة هي الكمية المحددة لجميع العناصر الغذائية ال15، كما لم يذكر استهلاك أي عامل غذائي بالكمية المناسبة في جميع مناطق العالم ال21.

استطاعت بعض المناطق تناول بعض العناصر الغذائية بكميات مناسبة؛ على سبيل المثال كانت حصة الخضروات المتناولة مثالية في آسيا الوسطى، والأمر نفسه بالنسبة إلى الحصة المستهلكة في دول آسيا والمحيط الهادي ذات الدخل المرتفع من أحماض أوميجا 3 الدهنية الموجودة في الأطعمة البحرية، وكذلك كمية البقوليات في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية الاستوائية وجنوب آسيا وغربي وشرقي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.  

كان النقص الأكبر في الحصص المحددة من المكسرات، والبذور، والحليب، والحبوب الكاملة، في المقابل كان هناك زيادة كبيرة حد الإفراط  في كميات المشروبات المحلاة بالسكر، واللحوم المعالجة، والصوديوم. يستهلك متوسط العالم نسبة 12% فقط من الكميات الموصى بها من المكسرات، والبذور (الكمية المتناولة هي 3 جرامات يومياً، مقارنة بالكمية الموصى بها 21جراما يومياً)، وما يقارب عشرة أضعاف الكمية الموصى بها من المشروبات المحلاة بالسكر (يُستَهلك 49 جرام يومياً، بينما الكمية الموصى بها 3 جرامات). 

عِلاوة عمّا سبق، تشمل الحمية الغذائية العالمية أيضا 16% من الحليب وهي الكمية الموصى بها (71 جراما متوسط الحصة المستهلكة يومياً، مقارنةً ب 435 جرام الكمية موصى بها)، ما يقارب الربع (23%) هي الكمية الموصى بها من الحبوب الكاملة (29جرام متوسط الحصة اليومية، بالقياس إلى 125 جراما موصى بها يوميا)، وما يعادل الضعف (أكثر من 90%) متوسط المجموعة الموصى بها من اللحوم المعالجة (أربع جرامات متوسط الحصة اليومية تقريبا، قياساً بجرامين من الكمية اليومية الموصى بها)، وزيادة 86% من الصوديوم (ما يعادل الست جرامات يومياً ، قياساً بما يطرده الجسم خلال 24 ساعة عن طريق البول وهي 3 جرامات).

التباينات الإقليمية

على المستوى الإقليمي، وجدوا أن الحصة العالية من الصوديوم (أعلى من 3 جرام يوميّا) هي الخطر الغذائي الأساسي الذي يحصل عنه وفاة وإصابة بأمراض في الصين، واليابان، وتايلاند. أما في الولايات المتحدة، والهند، والبرازيل، وباكستان، ونيجيريا، وروسيا، ومصر، وألمانيا، وإيران، وتركيا فقد وجدوا أن الحصة المتدنية من الحبوب الكاملة (أدنى من 125 جرامًا يوميّا) هي العامل الغذائي الخطير المؤدي إلى الوفاة والإصابة بالأمراض, وفي بنغلاديش، كانت الحصة المتدنية من الفواكه (أدنى من 250 جرام يوميّا) هي الخطر الغذائي الرئيسي, وفي المكسيك، حصلت الحصة المتدنية من المكسرات والبذور (أدنى من 21 جراما يوميّا) على المرتبة الأولى، أما الاستهلاك العالي للحوم الحمراء (أعلى من 23 جراما يوميا)، واللحوم المعالجة (أعلى من جرامين يوميا)، والدهون المتحولة (أعلى من 0.5% من مجموع الطاقة اليومية)، والمشروبات المحلاة بالسكر (أعلى من 3 جرام يوميّا) فتواجدت أسفل ترتيب المخاطر الغذائية المؤدية إلى الوفاة والإصابة بالأمراض في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية.

وفي عام 2017، كان الاختلاف في معدل الوفيات المتعلقة بالحمية الغذائية في أوزبكستان (الأعلى) عشرة أضعاف المعدل في إسرائيل (الأدنى). الدول ذات المعدلات الأدنى من الوفيات المتعلقة بالحمية الغذائية كان كيان إسرائيل (89 حالة وفاة لكل 100,000نسمة)، وفرنسا، وإسبانيا، واليابان، وأندورا. واحتلت بريطانيا المرتبة الثالثة والعشرين (127 حالة وفاة لكل 100.000 نسمة)، فوق إيرلندا التي احتلت المرتبة الرابعة والعشرين، والسويد التي احتلت المرتبة الخامسة والعشرين. واحتلت الولايات المتحدة المرتبة الثالثة والأربعين (171 حالة وفاة لكل 100.000 نسمة) بعد رواندا ونيجيريا اللتان احتلتا المرتبتين الواحدة والأربعين والثانية والأربعين. وشغلت الصين المرتبة ال 140 (350 حالة وفاة لكل 100.000 نسمة)، أما الهند فجاءت في المرتبة ال 118 (310 حالة وفاة لكل 100.000 نسمة). وأما الدول ذات المعدلات الأعلى من الوفيات المتعلقة بالحمية الغذائية فكانت أوزبكستان (892 حالة وفاة لكل 100.000 نسمة)، وأفغانستان، وجزر مارشال، وبابوا غينيا الجديدة، وجمهورية فانواتو.

فداحة الأمراض المتعلقة بالحمية الغذائية تسلط الضوء على أن الكثير من الحملات القائمة لم تكن نافعة، ولذا ينادي العلماء المشاركون في الدراسة بتدخلات متمثلة في نظام غذائي جديد لإعادة التوازن إلى الحميات الغذائية حول العالم, والأهم أن الباحثين أشاروا إلى أن التغييرات يجب أن تراعي الآثار البيئية للنظام الغذائي العالمي؛ وذلك تفاديًّا لحدوث الأضرار المؤثرة على تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وتدهور الأراضي، واستنزاف المياه العذبة، وتآكل التربة.     

وفي يناير من عام 2019، نشرت مجلة “ذا لانسيت” لجنة اسمها “لجنة الطعام في لانسيت”، التي تقدم أول أهداف علمية لحمية غذائية صحية، ناتجة عن نظام مستدام لإنتاج الأغذية؛ يدار ضمن حدود الكوكب الغذائية. واستعان هذا التقرير ببيانات من عام 2016، خاصة ببرنامج عبء المرض العالمي؛ وذلك لتقدير إلى أي حد ما زال العالم بعيدا عن اقتراح حمية غذائية صحية.   

أشار العلماء المشاركون إلى وجود قصور في الدراسة الحالية؛ منها أنه على الرغم من أن الدراسة تستعين بأفضل البيانات المتوفرة، إلا أنها تعاني من ثغرات على مستوى التمثيل الوطني في بيانات الأفراد الخاصة بحصص الأطعمة والمواد الغذائية الرئيسية حول العالم, ومن ثَمَّ، تعميم النتائج قد لا يكون مناسبًا؛ بما أنّ معظم نتائج الدراسات المتعلقة بالحميات الغذائية والأمراض تستند في معظمها إلى السكان من أصل أوروبي، لذا يستحسن إجراء دراسات إضافية على السكان من أصول أخرى. قوة الأدلة الوبائية التي تربط بين العوامل الغذائية والوفاة والأمراض تنبع غالبا من الدراسات الرصدية، ولكنها ليست بقوة الأدلة التي تربط بين عوامل المخاطر الرئيسية الأخرى-مثل التبغ وضغط الدم المرتفع- باعتلال الصحة. بيد أن معظم جمعيات الصحة والحمية الغذائية مدعومة بدراسات عشوائية قصيرة الأمد؛ نتائجها هي عوامل الخطر المتعلقة بالإصابة بالأمراض.  

كانت تقديرات الصوديوم مبنية على قياسات صوديوم البول على مدار 24 ساعة، عوضًا عن عينات بقع البول؛ التي لم تكن متوفرة إلا في حوالي ربع عدد الدول الواردة في الدراسة. التقدير الدقيق لبعض العناصر الغذائية -مثل الألياف، والكالسيوم، والأحماض الدهنية المتعددة غير المشبعة- معقد؛ ومن ثَمَّ، حثَّ العلماء المشاركون في الدراسة إلى زيادة أنظمة الرصد والمراقبة الوطنية لعوامل الخطر الغذائية، كما دعوا إلى جهود تعاونية لجمع البيانات الغذائية من دراسات التعرض ومواءمتها مع بعضها البعض.     

علاوة على ذلك، فقد بحث العلماء في الطعام وحصة العناصر الغذائية فقط، فيما أهملوا تقييم نحافة وبدانة الناس. ختاماً يمكن ربط بعض الوفيات بأكثر من عامل غذائي واحد، وربما قد أدى ذلك إلى المغالاة في عبء المرض الذي يُعزى إلى الحمية الغذائية. 

وكتبت نيتا جي. فروهي، الأستاذة في وحدة علم الأوبئة التابعة لمجلس البحوث الطبية، في كلية الطب السريري، بجامعة كامبريدج البريطانية: ” على الرغم من القصور، تُقدم النتائج الحالية لعبء المرض العالمي دليلاً يُحوِّل التركيز -كما يدعي علماء الدراسة- من التشديد على القيود الغذائية، إلى الترويج لعناصر الغذاء الصحي في إطار عالمي. يؤيد هذا الدليل تأييدا كبيرا دعوى التحول عن المبادئ التوجيهية القائمة على العناصر الغذائية، إلى أخرى قائمة على الأطعمة. هناك طبعا تحديات كبيرة في تحويل حمية الشعوب الغذائية إلى هذا الاتجاه، ممثلةً بكون تكاليف الخضروات والفواكه باهظة على نحو غير مناسب؛ فطبقان من الفواكه وثلاث أطباق من الخضروات للفرد الواحد يوميا تمثل 52% من دخل الأسرة في البلدان المتدنية الدخل، وتمثل 18% في البلدان التي يتراوح دخلها بين المستوى المتدني والمتوسط، و16% في البلدان التي يتراوح دخلها بين المستوى المتوسط والمستوى المرتفع، و2% في البلدان ذات الدخل المرتفع. وجود قائمة من التدخلات السياسية المتكاملة عبر الأنظمة الغذائية برمتها، عالميا وداخل حدود البلدان، جوهري لدعم التحول الجذري المطلوب في الحميات الغذائية للارتقاء بالإنسان، وحماية صحة الكوكب”.   

المترجم: أريج القحطاني

المراجع: سارة إسماعيل ياسين

تويتر: @sosoyas

المصدر: https://www.sciencedaily.com

   


شاركنا رأيك طباعة