اكتشاف جديد : خلايا الأطفال الحية قد تنتقل لأدمغة أمهاتهم

تاريخ النشر : 16/04/2015 التعليقات :0 الاعجابات :1 المشاهدات :1238
المراجع حاتم عسيري

خريج جامعة أم القرى ،طب وجراحة ، طبيب نفسي في طور الإنشاء

الأطفال

العلاقه بين الأم وطفلها عميقة جدا , وتقترح الأبحاث الأخيرة أن العلاقة الجسدية أعمق مما كان أي أحد يتصور. إن عمق هذه العلاقة الفيسيولوجية والجسدية المرتبطة بين الأم وابنها خلال حملها به عندما فكانت كل شي للجنين لنموه ،وإعطاءه الدفء والغذاء في حين نبضات قلبها تستمر بذلك الإيقاع المريح .
إن الإتصال الجسدي الذي بين الأم وجنينها بواسطة المشيمة -عضو مكون من خلايا من الأم والجنين- والتي من خلالها تعمل كقناة ناقلة لتبادل التغذية ، الغازات والفضلات.
قد تهاجر الخلايا من خلال المشيمة بين الأم وجنينها ، وتقوم بأخذ مسكن لها في العديد من أعضاء  الجسم مثل الرئة والغدة الدرقية والعضلات والكبد والقلب والكليه وأيضا الجلد .هذا قد يكون له مجال واسع من التأثيرت على إصلاح الأنسيجة والوقاية من الأورام السرطانية إلى إحداث وإثارة الاضطرابات المناعية .
إنه من المدهش كم هو شائع وجود خلايا فرد ما تندمج مع أنسجة شخص أخر تماما . لقد اعتدنا على أن نرى أنفسنا كأفراد مستقلين ومتفردين ، ويبدو أن هذه الخلايا الغريبة قد تخطأ هذا التصور, بل وتشير إلى أن معظم الناس يحملون بقايا من أفراد اخرين . ما يثيرالدهشة أيضاً  ، نتائج دراسة حديثة والتي  أظهرت وجود خلايا في الدماغ من أفراد آخرين  .في هذه الدراسة وُجدت خلايا ذكورية تعيش في دماغ امرأة لفترة من الزمن , وقد تصل في بعض الحالات إلى عدة عقود .ما التأثير الذي يمكن أن يكون قد اٌحدث ؟ يظل الأمر في إطار التوقعات والتخمينات ، لكن هذه الدراسة أظهرت أيضا أن تلك الخلايا كانت أقل شيوعاً في الأشخاص الذين لديهم مرض الزهايمر مقترحة أن لهذه الخلايا علاقة بصحة الدماغ .
جميعنا يرى أن أجسادنا هي ذوات متفردة وخاصة بنا ، لذلك فكرة وجود خلايا من أُناس آخرين ترسوا في أجسادنا تبدو غريبة , والأغرب من ذلك هو اعتقادنا الجازم بأن تصرفاتنا وقراراتنا ناشئة من نشاط أدمغتنا , بالرغم من وجود خلايا من أشخاص آخرين تعيش وتعمل في هذا التركيب المعقد , ومع ذلك الخلايا الممزوجة مع بعضها والتي تعود لأشخاص متمايزين وراثيا ليست شيء غير المألوف , حيث تسمى هذه الحالة  “كايميرازم” أو ظاهرة “الكايمر” وهي مؤخذة من الاسطورة اليونانية نافث النار(كايميرا) وهو مخلوق يصور على أنه مكون من أجزاء : جزء أفعى ضخم وجزء أسد جزء ماعز . تحدث هذه الحالة” كايميرا” في الطبيعة بشكل أقل شؤماً مما هي عليه في  الأسطورة , وتشمل مخلوقات مثل العفن ،الوحل ، الشعب المرجانية .

ظاهرة” الميكروكايمر”  هو وجود مستمر لعدد قليل من خلايا متميزة ومختلفة وراثيا في متعضي(كائن حي). وقد لوحظ أول مرة  في البشر منذ سنوات عديدة عندما تم العثور على خلايا تحتوي على الكرموسوم الذكوري(Y) تجري في الأوعية الدموية لامرأة بعد فترة الحمل . وبما أن هذه الخلايا جينيا ذكورية فمن المستحيل أن تكون لتلك المرأة ، لكن  الاحتمال الأكبر هو أن تكون أتت من أطفالها الذكور خلال حملها بهم .

في هذه الدراسة الجديدة ، لاحظ  العلماء أن هذه الخلايا لا تجري في الأوعية الدموية فقط وإنما كانت  أيضاً مزروعة  في الدماغ . لقد قاموا بفحص أدمغة نساء متوفيات بحثا عن تواجد خلايا تحتوي على الكرموسوم الذكوري (Y) وقد وجدوا أن هذه الخلايا متواجدة في 60% من النساء اللاتي تم فحصن وفي مناطق متفرقة من الدماغ . وبما أن مرض الزهايمر أكثر شيوعا بين النساء اللآتي حملن مرات عديدة أثناء حياتهن , اعتقد الباحثون أن عدد الخلايا الجنينية ستكون أكثر وجوداً في أدمغة النساء المصابين بمرض الزهايمر, بمالقارنة مع النساء اللآتي لايعانين من أمراض عصبية . ولكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً ,حيث وُجد عدد قليل من الخلايا الجنينة في أدمغة المصابات بالزهايمر. وكانت الأسباب غير واضحة.

ظاهرة” الميكروكايمر” يبدو وبشكل واضح أنها تحدث نتيجة انتقال هذه الخلايا عبر المشيمة خلال الحمل ,غير أنها قد تنتقل أيضاً أثناء الرضاعة . إضافة إلى هذا التبادل بين الأم و جنينها ,هنالك نوع آخر من التبادل والذي قد يحدث بين التوائم في رحم الأم ,أيضا هناك احتمالية أن تنتقل خلايا من شقيق أكبر الى أخيه الأصغر عبر الأم , بحيث تبقى هذه الخلايا من الأخ الأكبر في الأم وفي أثناء الحمل بالأخ الأصغر تجد هذه الخلايا طريقها الى الأخ الأصغر عبر المشيمة. قد يكون لدى المرأة خلايا مايكروكايمر قادمة من أمها ,إضافة إلى خلايا ماكروكايمر قادمة من أطفالها أثناء حملها بهم , وهناك دلائل على وجود تنافس داخل الأم بين خلايا الجدة وخلايا الأطفال .

ما تفعله تلك الخلايا الميكروكايمرية الجنينية داخل جسم الأم غير واضح , ومع ذلك توجد احتمالات مدهشة ومثيرة للاهتمام . فعلى سبيل المثال , تُشابه هذه الخلايا أعني الخلايا المايكروكايمرية الجنينية ,الخلايا الجذعية في كونها قادرة على أن تتشكل بأشكل متنوعة من الأنسجة , وتساعد في إصلاح الأنسجة  التالفة . وقد قامت مجموعة بحثية بالتحقيق من هذه الإحتمالية ,عندما تتبعوا نشاط خلايا مايكروكامرية جنينة في أم فأر تعرض قلبها لإصابة ما , فوجدوا أن هذه الخلايا الجنينية قد توجهت إلى قلب الأم المصاب وتخصصت كخلايا قلبية لتساعد في ترميم وإصلاح التلف الناتج عن الإصابة . وفي دراسات أُجريت على الحيوانات ,وُجدت خلايا مايكروكامرية في أدمغة الأمهات بحيث أصبحت هذه الخلايا خلايا عصبية , مقترحةً أنها تعمل بشكل متكامل في الدماغ . ومن الممكن أن الأمر نفسه قد ينطبق على مثل هذه الخلايا في دماغ الإنسان .

أيضاً قد تُأثر الخلايا المايكروكامرية على الجهاز المناعي . حيث أن هذه الخلايا يتعرف عليها الجهاز المناعي للأم أثناء فترة الحمل على أنها خلايا تنتمي للأم  بشكل جزئي , حيث أن الجنين متتطابق بالمناصفة  جينيا مع أمه , وغريبة جزئيا نتيجة مساهمة الأب الجينية . هذا قد يمهد  لجهاز المناعة لدى الأم بأن يكون متنبه ومتحفز للخلايا الذاتية للأم والتي لديها بعض الاختلافات الجينية . الخلايا السرطانية والتي تنشأ نتيجة طفرات جينية ليست سوى مثل هذه الخلايا , وهناك دراسات تقترح أن الخلايا المايكروكامرية ربما تحرض الجهاز المناعي لوقف نمو الأورام . العديد من خلايا المايكروكامرية وُجدت في دم نساء سليمات بالمقارنة مع نساء يعانون من سرطان الثدي وهذا المثال قد يشير إلى أن هذه الخلايا يمكن أن تمنع بطريقة أو بأخرى تكون الأورام . في ظروف أخرى قد يهاجم الجهاز المناعي الجسم ذاته مخلفاً ورائه أضرار كبيرة وجسيمة .

ظاهرة” الميكروكايمر” أكثر شيوعا في المرضى الذين يعانون من التصلب اللويحي المتعدد(Multiple Sclerosis) من أشقائهم الأصحاء, مما يشير إلى خلايا المايكروكايمر قد يكون لها دور سلبي في هذا المرض ,ربما من خلال إحداث هجمات المناعة الذاتية .

هذا مجال جديد ومزدهر يحمل إمكانية كثيرة من الاكتشافات العلمية ,والتطبيقات العملية ,ولكنه يذكرنا في نفس الوقت بمدى ترابطنا.

المصدر : Scientific American

ترجمة : عمار عسيري

تويتر: @AmmarAseeri


شاركنا رأيك طباعة