معركة علم الوراثة الجديدة: تعديل الأجنّة البشريّة

تاريخ النشر : 19/04/2015 التعليقات :0 الاعجابات :4 المشاهدات :2581
الكاتب نجلاء الحربي

طالبة ماجستير في الكيمياء الحيوية.

وراثة

إنّ إبدال الجينات الخاطئة في المراحل المبكرة للجنين البشري والخلايا الجرثومية أصبح في متناول أيدينا. فبمثل تلك التغييرات يتأثر الحمض النووي (الدنا- DNA) داخل النواة وبالتالي سيتم توارثه بما فيه من تغييرات؛ وعلى هذا الأساس، فإنّه من الممكن أن تستعمل هذه التغييرات في تكون طفل معدّل جينياً.

وقد نُشرت تقارير بأنّ هناك مجموعات في الصين والولايات المتحدة وصناعات التقنية الحيوية قامت بعمل هذا النوع من الهندسة الوراثية في المختبر، مما جعل بعض العلماء يحثّ على وقف العمل على هذا المشروع؛ وذلك لأنّ التقنية التابعة للمشروع تعتبر تخريبية وبشكلٍ قوي جداً، وتسمح بوجود طرق أسهل وأدق للتلاعب بالجينات. هنا سنلخص لكم ما يجب أن تعرفوه عن آخر ما توصّل إليه العلماء في علم الوراثة.

ما الذي يكمن وراء الجدل الحاليّ حول الهندسة الوراثية البشرية؟

لقد قامت فرقٌ عديدة بمحاولة إجراء تعديلات على الجينوم للجنين البشري وقدمت نتائجها للنشر، وذلك بحسب مقال نُشر في دورية التقنية (Technology) في الخامس من شهر مارس للعام الحالي. ويعتبر هذا النوع من البحث غير أخلاقي في بعض الدول.

ما الذي تمّ فعله بالضبط؟

إنّ التفاصيل غير معروفة لنا حتى هذه اللحظة. ولكن بناءً على ما تمّ عمله في القردة، فإنّ العمل يشتمل بالغالب على تلقيح البويضات البشرية المُتبَرع بها وذلك عن طريق حقنها بحيوان منوي معين ، ثم وفي أثناء كون البويضة الملقحة في طور الخلية الواحدة (ما قبل الانقسام)، يتم حقن البويضة الملقحة بجزيئات الحمض النووي الرايبوزي (RNA) مختلفة. تقوم جزيئات RNA المختلفة بقطع الدنا (DNA  ) في مواقع معينة، وبالتالي يُخدع نظام الدنا (DNA  ) الإصلاحي الطبيعي لدينا ويقوم بتدمير أو إبدال جين واحد أو أكثر؛ وهي تقنية تعرف بإسم تعديل الجينات. بعد ذلك، يتم السماح للجنين البشري بالنمو لعدة أيام حتى يصل لمرحلة المضغة (كتلة الخلايا الكيسية- الكيسة الأريمية)؛ وهي تحتوي على مئات قليلة من الخلايا؛ قبل أن يتم تدميرها. وعندها سيتم أخذ دنا (DNA  ) الجنين وعمل التسلسل الحمضي النووي له وذلك لمعرفة ما إذا كان تعديل الجينات قد نجح أم لا.

إذاً، هل من الممكن الآن أن يتم تصميم البشر وهندستهم جينياً ؟

لقد كان ممكناً من البداية، إنما كان هنالك الجزء الصعب وهو كيفية عمله بشكل آمن وكفؤ. لقد تمّ تطوير تعديل الجينات منذ عدة عقودٍ مضت، ولكن كان عمله في غاية الصعوبة بالإضافة لكونه باهض الثمن كثيراً، وأيضاً لم يكن ينجح في أغلب الأحيان. فعلى سبيل المثال، لإنتاج فقط حيوان واحد معدل جينياً بهذه الطريقة فقد كان يتطلب مئات المحاولات. وفي المقابل، أصبح التعديل الجيني أسهل بكثير، أرخص وأكثر كفاءة وذلك بفضل نظام كريسبر (CRISPR system) والذي تم تطويره قبل ما يقارب السنتين. وكانت هذه هي الطريقة المستخدمة في تعديل الأجنّة البشرية.

لماذا يطالب بعض العلماء بوقف هذا المشروع؟

إنّ العلماء مختلفين حول أن تعديل خط الجينات في البشر يعتبر أمر خطير، غير ضروري وقد يؤدي إلى ولادة أطفال مُصَمَّمين. ويدّعي العلماء أيضاً أنه قد يؤدي إلى ردود فعل عنيفة والتي قد تعيق استخدام تعديل الجينات لصنع تغييرات غير متوارثة لأجسامنا. فالعديد من الأمراض قد تعالج بكفاءة بهذه التقنية من مرض الإيدز الناتج عن فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة إلى أمراض السرطان المختلفة.

إذاً، هل يعتبر تعديل خط الجينات أمرٌ خطير؟

إنّ هذا الأمر غير معروف بعد؛ ولذا يعتبر هذا سبباً للقيام بتجربته في الأجنّة البشرية. إنّما القلق الرئيسي يكمن في الطفرات الجينية البعيدة عن الهدف؛ وهي التغييرات الغير مقصودة الحاصلة للجينوم. وقد اقترحت الدراسات التي عُملت على القردة بأن المخاطر المحتملة قليلة. ومن بين المخاطر التي يجب عرضها في سياق هذه الحالة: هي أن الدنا (DNA  )  في خلايانا تحدث له طفرات بشكل طبيعي. فكل واحد منا يولد مع تقريباً 50 طفرة جينية جديدة، والغالبية من هذه الطفرات لا يوجد لها أثر معروف بعد.

هل تعديل خط الجينات هو السبيل الوحيد لمنع بعض الأمراض الوراثية؟

من الممكن أن يتم منع بعض الإضطرابات الشديدة الناتجة عن جين معيب واحد، مثل التليف الكيسي (Cystic Fibrosis)، عن طريق الفحص الطبي. على سبيل المثال، يمكن أن يختار الوالدان عمل التلقيح في المختبر مع الفحص الجيني لمرحلة ما قبل الزراعة (Preimplantation Genetic Diagnosis)؛ وهو عبارة عن عمل اختبار للجنين للتأكد ما إذا كان لديه جين معيب قبل زراعته في رحم الأم. ولكن، عندما يكون لدى الأطفال خطر وراثة عدة جينات معيبة، فإنّ عمل الفحص يعتبر غير ملائم للحالة.

إنّ نسبة الاضطرابات الجينية الشديدة والجدية والتي تهاجم الطفل في مرحلة مبكرة من حياته، ولحسن الحظ تعتبر نادرة الحدوث. إنّما نرث جميعاً العشرات إن لم تكن المئات من الجينات المتغيرة التي تزيد من احتمالية إصابتنا بأحد الأمراض الشائعة كالسرطان والجنون والاكتئاب وما شابه ذلك.

هل سيؤدي تعديل الجينات إلى أطفال مصممين؟

من الممكن ذلك. ولكنه من غير الواضح أنّ هنالك العديد، أو على الأرجح أيّ والدين لا يرغبان في دفع مبالغ طائلة والقيام بعملية خطرة؛ لأن عملية التلقيح الصناعي لديها مخاطرها؛ فقط للتأكد من أنّ طفلهما لديه عيون زرقاء!

بالإضافة إلى ذلك، فإنّه من الممكن بالتأكيد السماح بتعديل خط الجينات لمنع حدوث مرض أو اضطراب ما بينما يتم منعه لاستعماله لأغراض أخرى. وسيكون أيضاً من الصعب على أي شخص يكسر هذا المنع بأن يفلت من العقوبة، وذلك لأن الفحوصات والاختبارات الجينية سوف تكشف ما إذا كان دنا (DNA  )  الطفل قد عُملت عليه تغييرات أم لا. وبالرغم من ذلك، فالعديد من الأشخاص يطالبون بأن للوالدين الحق في اختيار الصفات التي يرغبونها لطفلهم.

ولكن، ألن يقود السماح بتصميم الأطفال إلى تكوين بشر خارقين بعقليات خارقة وذكية؟

في الحقيقة لا. نستطيع تعديل الأشخاص لجعلهم مقاومين لمختلف أنواع الإصابات والأمراض، ولجعلهم أقوى وأكثر رشاقة. ولكن عندما يأتي الأمر للدماغ، فإنه سيكون من الصعب رؤية كيف سيتخطى ما صنع التقدم الحالي. إننا لسنا قرب أي قدرة على توقع كيفية تأثير تغييرات الجينات على الذكاء؛ في الواقع، يعتبر الدماغ معقد جداً لدرجة أن هذا قد يصبح مستحيلاً! وسيصبح من الواضح انه من غير الأخلاقي اختبار هذه النظرية عن طريق صنع طفرات جينية.

وقد كان هناك، بالتأكيد، الكثير من الإهتمام حول معرفة واكتشاف المتغيرات الجينية الطبيعية التي تؤثر على الذكاء. بالرغم من ذلك الجهد المبذول، فنحن نقوم بالبحث عن أي شيء قد يحدث تغييراً كبيراً.

 

 المصدر:

New Scientist


شاركنا رأيك طباعة