هل يمكن للألماس أن يساعد على معرفة أصل الأرض؟

تاريخ النشر : 12/04/2015 التعليقات :0 الاعجابات :1 المشاهدات :2038
الكاتب لجين عثمان

طالبة طب بشري بسنتي الخامسة في جامعة الملك خالد

ألماس

في عام ١٩٥٨م، استلمت مؤسسة سميثسونيان طرد بريدي من ورق الكرتون العادي كان قد أُرسل إلى بريدها. كان التلميح الوحيد على محتوى الطرد هو ورق الضمان الملصق على الكرتون البني اللون والذي يشير إلى شرائه بمليون دولار أمريكي.

خُبئت في داخل الطرد أكبر ألماسة زرقاء معروفة في العالم.
قبل أن تصل إلى المتحف، سافرت ” ألماسة الأحلام ” عبر بطون محلات المجوهرات في لندن، ناجيةً من أحداث قطع رأس ماري انطوانيت وسباق الثورة الفرنسية في نهب مجوهرات تاجها.
إلا أنها وقبل مليارات السنين قبل أن يتم التنقيب عنها ثم قطعها وتجهيزها أو التأمين عليها، كانت على الأرجح تقبع عميقاً تحت مئات الأميال في مدينة غولكوندا في منطقة حيدر أباد بالهند.
كلمة ألماس بالإنجليزية (diamond) اشتقت من الكلمة الأغريقية (adamas) والتي تعني: لا يقهر، يعد الألماس أقوى معدن معروف حتى اليوم ـ والذي يُخدش فقط بتأثير الألماس نفسه ـ لذلك يتم استخدامه في مصانع الأسلحة.

أثبتت المجوهرات فائدتها في الحرب العالمية الثانية حيث وضعت الولايات المتحدة الأمريكية حرمان هتلر من إمدادات الألماس الصناعي هدفًا رئيسيًّا لها.
التركيب الجزيئي للألماس يمنحه قوته إذ يتكون الألماس من أربع ذرات كربون مرتبطة ببعضها البعض. كل ذرة تساهم بإلكترون واحد مع أربع ذرات كربون أخرى مما يعطي الألماس شكله الخماسي المتشابك الذي يمنحه الصلابة. فقيراط واحد من الألماس يحتوي على المليارات من هذه الجزيئات المترابطة.
تعطي ذرات الكربون هذا الشكل الكريستالي المميز في ظروف معينة فقط ، إذ ينبغي توفر ضغط مرتفع ودرجة حرارة عالية في عملية تحدث في عمق مئات الأميال تحت طبقات الأرض .قد تأخذ ذرات الكربون عدة أشكال مختلفة، إذ أن الكربون يعد واحداً من أكثر عناصر الأرض وفرة. وهو الأساس الكيميائي لكل أشكال الحياة الموجودة على الأرض. نسمع الكثير عن علاقة الكربون بتغيرات المناخ. إحدى هذه الأمثلة احتراق الوقود المستخدم في المواصلات وإنتاج الطاقة والذي يبعث ثاني أكسيد الكربون في الهواء المسؤول عما يقارب ٨٣٪ من انبعاث الغازات الدفيئة في الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن هناك دورة يشغل فيها الكربون دوراً حساساً في البرنامج البحثي المعروف بدورة الكربون العميق. على الرغم من أن دورة الكربون العميق قد تكون لعبت دوراً مهماً في نشأة الأرض، لا زلنا حتى الوقت الحالي لم نفهم إلا القليل حول كيفية تفاعل الكربون في باطن الأرض أو حتى كميته المخزنة تحت الأرض. إجابة هذين السؤالين قد تضيف معلومات جديدة حول سعة وحدود الحياة على سطح الأرض.
يحتوي الألماس على شوائب تمنحنا الأدلة التي تمكننا من معرفة ما الذي يحصل في داخل الأرض.
لأجل دراسة هذه الشوائب تم تأسيس مرصد الكربون العميق عام ٢٠٠٩ م. بدأت هذه المبادرة العالمية منذ حوالي ١٠ أعوام لاستقطاب العلماء من مجالات مختلفة للتركيز حول الكربون العميق، وقد قال كيميائي الجيولوجيا في جامعة جونز هوبكينز ديمتري سفيرجينسكي (DimitriSverjensky) وهو أحد العلماء المساهمين في (DCI): “إن دورة الكربون العميق هي أحد الموضوعات البحثية التي تم تجاهلها إلى أن بدأ مرصد الكربون العميق (Deep Carbon Observatory) في السنوات الخمس الأخيرة. هذه الدراسات ستساعدنا في صنع رابطة ما بين دورة الكربون السطحية ذات الاهتمام وما بين التغيرات العالمية الحالية”
قام سفيرجينسكي مؤخراً بإحصاء كمية وأنواع الكربون المتواجدة في طبقة السائل التي تقع أسفل طبقات الأرض، وقد ذكر في المقال المنشور في مجلة (Nature Geoscience) أن في كل خمسين إلى مئة ميل من السوائل أسفل الأرض توجد أنواع مختلفة من الكربون العضوي. هذه السوائل قد تنتقل من السطح على شكل نباتات صغيرة إلى طبقة الوشاح العلوي للطبقة الأرضية ومن ثم إلى الغلاف الصخري، ومن خلاله إلى القشرة الأرضية.
يعد هذا خبراً مهماً، إذ أنه لم يتمكن العلماء حتى الآن من معرفة كمية الكربون الممكنة التي تستطيع الوصول إلى سوائل بهذه العمق.
لا زلنا نعلم القليل عما يحدث للماء في هذا العمق الكبير، مع ذلك قد يساعدنا الألماس في معرفة جواب هذا السؤال أيضًا.

وكان سفيرجينسكي قد أخبر مجلة (Popular Science): “نحن لا نستطيع أن نحدد كيف نشأت اللبنات الأساسية للأرض، لا من الفضاء ولا من الأرض نفسها”، وقال أيضاً: ” الألماس مفيد لهذا النوع من الدراسات لاحتوائه على الشوائب، مما سيمنحنا بعض الأدلة التي ستخبرنا عما يحدث في باطن الأرض”، وأضاف: ” تمنحنا هذه المجوهرات معلومات عن كيفية تحرك السوائل الحاملة للكربون.
فكيفية تحرك هذه السوائل هو ما يمنح الأرض قدرتها على توفير البيئة المناسبة للحياة عليها (أو قابلية الحياة على سطحها)، لذلك يمكنك الجزم بأهمية فهم هذا الموضوع”.
حرك نموذج سفيرجينسكي العلم إلى هذا الاتجاه فقد قال: ” كان النموذج السابق لعقود طويلة يستطيع الوصول إلى مساحة تصل إلى ما يعادل تسعة أميال تقريباً في باطن الأرض. أسفل هذه المنطقة لا نستطيع التنبؤ عن كيفية تفاعل الحجر بالماء.
هذا النموذج سوف يمكننا من معرفة ما يحصل أسفل ١١١ ميل، مما سيمكننا من الوصول إلى المنطقة التي نعتقد أن عمليات كيميائية مكثفة تحصل فيها.
المواد العضوية مثل الخلات ـ استر أو ملح حمض الخليك ـ  والبروبيونات ـ استر أو ملح حمض البروبيونيك ـ التي كنا نعرف منذ عقود أنها توجد على مستويات خفيفة وقليلة وكذلك الحال مع الميثان وثاني أكسيد الكربون اللذين يكونان في توازن تحت تأثير ارتفاع كبير من الضغط في باطن الأرض، قد يساعدنا هذا في معرفة كيف يحمل الماءُ الكربونَ في هذا العمق، وتقترح أيضًا أن الأساس الكيميائي للحياة أعمق مما كنا نظن”.
هذه فكرة لها تأثيرات بعيدة المدى، فإذا ما عرفنا كيف بدأت الحياة على الأرض، أو حتى كيف بدَت المراحل الأولى من الحياة، سوف تتحقق لدينا معرفة أفضل حول الأسباب التي تجعل الكواكب الأخرى قابلة للعيش.

 

المصدر : :  Popular Science

 


شاركنا رأيك طباعة