سيكولوجية الإلحاد

تاريخ النشر : 25/07/2018 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :369
المراجع ندى الشريف

المدقق Mona Alhammad

أداء الصوت منصور ابو حيمد

 

يمكنك الإستماع لهذه المقالة عبر :

 

اهتم علماء النفس حديثًا بالأسباب النفسية والشخصية والاجتماعية وراء تبني الإلحاد، وخرجت هذه الدراسات العلمية بقناعة بأن هذه العوامل تقف في مقدمة أسباب هذه الظاهرة، ومن ثم فإن ما يطرحه الملاحدة كأسباب معرفية موضوعية (علمية ومنطقية) لإلحادهم ما هي (في معظم الأحيان) إلا قناع تختفي وراءه العوامل النفسية والشخصية والاجتماعية.

 

فالمتخصصون يحدثوننا عن ظروف النشأة المبكرة للطفل كأهم العوامل النفسية لتبني الإلحاد، ثم يحدثوننا عن الشبق الجنسي ـ مثلا – كعامل شخصي، وقد تأتي بعد ذلك طبيعة المفاهيم السائدة في المجتمع كأحد العوامل الاجتماعية لهذه الظاهرة. وفي الحقيقة فإن ظروف النشأة المبكرة -كعامل نفسي- تؤثر في العوامل الشخصية وتحكمها العوامل الاجتماعية.

وبالمثل تتأثر العوامل الاجتماعية بالعوامل النفسية والشخصية. إذاً فالعوامل النفسية والشخصية والاجتماعية متداخلة إلى حد بعيد.

فما يؤثر في توجهاتنا في السنوات الأولى من التنشئة يقع في إطار العوامل النفسية، وما يؤثر بعد ذلك يمكن ضمه إلى العوامل الشخصية. ويترتب على هذا الخط السِّنى مدى وعينا بالعامل المؤثر، فيما يقع في السنوات الأولى من أعمارنا يختفي عادة من الوعى ويسقط في هوة اللاوعي، بعد أن يترك أثره في بنيتنا النفسية، وما يؤثر فينا بعد ذلك يمكن طرحه مع الشخص للتحليل والمناقشة، حيث يكون موجودًا في دائرة وعيه، ومن ثم يعتبر من العوامل الشخصية.

 

العوامل النفسية: 

النظريات المفسرة:

1/ نظرية بول فيتز (متلازمة الأبوة الناقصة):

حصل البروفيسور بول فيتز المولود عام 1935م في ولاية أوهايو، على درجة الدكتوراه في الدافعية والسيكولوجيا التجريبية من جامعة ستانفورد، وظل ملحدا إلى أن تحول إلى النصرانية، وعمل أستاذا في جامعة نيويورك ستي 39 عاما، وفي عام 1999م نشر كتابه الذي أثار ضجة كبرى حينذاك، وهو كتاب “إيمان فاقدي الأب”، وقد ضمنه أطروحته التي تقول إن الأبوة الناقصة (سواء كان الأب مفقودا أو مضطهِدا أو غير جدير بالاحترام) هي من أسباب النزوع إلى الإلحاد، وكان ذلك من خلال دراسة حياة أشهر الملحدين الغربيين، حيث اتضح أن هناك علاقة بين إلحادهم وبين فقدهم الحسي أو المعنوي للأب أو لمكانة الأب.

من خلال دراسة الحالات المتوفرة، خلص البروفيسور فيتز إلى أن الأب الناقص يمكن أن يصنف إلى ثلاثة أصناف رئيسة:

– الصنف الأول هو الأب الذي يرفض أسرته أو يهجرها.

– الصنف الثاني هو الأب الطاغية الذي يسيء معاملة أسرته ويمارس معها سلوكا عدائيا.

– الصنف الثالث هو الأب الذي يموت ويترك أسرته؛ فالأب الميت هو أب ناقص في نظر أطفاله، والطفل الصغير لا يدرك حقيقة الموت كحادثة لا يمكن السيطرة عليها، وإنما يعتقد أن موت الأب هو نوع من الهجر والترك وربما الرفض، وعلى أية حال فالأب الميت هو أب غير موجود.

وقد تم تطبيق هذه الفرضية على مرحلة الطفولة لعدد من الملاحدة المشهورين سواء كانوا فلاسفة أو مفكرين سياسيين أو مشاهير.

 

وفي المقابل تم تطبيق معايير الدراسة على حالات تعيش نفس السياق الزمني والحضاري مع أولئك، ولديهم نفس الشهرة والمكانة ولكنهم من المؤمنين بوجود الخالق، ومن المدافعين عن ذلك. أي أن تطبيق الفرضية تم على مجموعتين: مجموعة التجربة وهي من الملحدين الذين ينكرون وجود الخالق، والمجموعة الضابطة وهي من المؤمنين بوجود الخالق حيث يثبت من خلالها العكس وهو أن الأبوة الكاملة السليمة سبب من أسباب الحفاظ على فطرة الإيمان لدى الابن.

 

وكان سؤال الدراسة هو: هل هناك شواهد من مرحلة الطفولة يمكن التمييز عن طريقها بين الملحدين والمؤمنين؟

تشمل الدراسة أسماء ملحدين معروفين في عالم الفكر الغربي، منهم نيتشه، و فرويد، و سارتر، شوبنهاور، وفولتير، و هوبز، وهيوم، و فيورباخ.

فقد الأب أو المعاناة المرتبطة به وما يترتب على ذلك من انعدام الحنان والرعاية والدعم، وكذلك الدخول في معاناة لا تطاق قسوتها في مواجهة ظروف الحياة، قد تؤدي إلى ميل الشخص إلى الإلحاد تحت ظروف معينة.

 

وخلاصة القول أنه لا يمكن الجزم بأن غياب الأب أو نقصه من أية ناحية هو سبب حتمي يؤدي إلى الإلحاد، ولكنه -حسب فيتز- دافع يدفع إلى ذلك، وكما هو معروف فإن عالم الأفكار عالم غير مادي، فلا يقاس بمعايير وقوانين العالم المادي أو العلوم الرياضية، التي يغلب عليها الضبط والدقة والبناء المنطقي، فعالم الأفكار تتجاذبه المؤثرات والمشاعر والعواطف والمبادئ من كل طرف.

 

ويؤكد بول فيتز أن دور التقصير الأبوي في تبنى الإلحاد ليس حتميًا يُلزم أن يتبنى الابن الإلحاد. فهناك دائما مجال لحرية الإرادة والاختيار بين الإيمان والإلحاد، ذلك يعني أن التقصير الأبوي «ييسر» طريق الإلحاد.

 

ولإثبات ذلك قام بول فيتز بدراسة تحليلية نفسية لمفكرين وفلاسفة عانوا التقصير الأبوي لكنهم تبنوا الإيمان. ومن هؤلاء سير أنتوني فلو الذى أثبتت السير أنه كان يكره أباه وتبنى الإلحاد في سن الخامسة عشرة، وظل ملحدًا ـ بل زعيمًا للإلحاد ـ حتى تجاوز الثمانين من عمره، لقد راجع أنتوني فلو في سنواته الأخيرة أدلته العلمية والفلسفية وانتقل إلى الإيمان بالإله.

 

معنى ذلك أن العوامل المساعدة لا تلغى المسئولية الفردية، سواء في الإلحاد أو في الإيمان، أي أن «وجود التفسير ليس عذرًا».

 

2/ نظرية الارتباط (التعلق):

في أثناء عمل بول فيتز على نظريته عن التقصير الأبوي، كان هناك فريق آخر يصيغ نظرية فرضية الارتباط (التعلق)، وخرج بنظرية نفسية مهمة، تتبنى أن طبيعة الرابطة بين الطفل وأمه تمثل النموذج الذي ستكون عليه العلاقة بين هذا الشخص في المستقبل وبين الآخرين، ويمتد هذا النموذج حتى يؤثر على العلاقة بالإله.

 

وقد طرح هذه النظرية عالم وطبيب النفس الإنجليزي جون بوالبي،  ثم قامت بتعميمها وتقديم المزيد من الأدلة عليها تلميذته عالمة النفس الأمريكية ماري انسويرث المهتمة بعلم نفس التربية.

وبعد دور الرابطة مع الأم تأتي في الأهمية الرابطة بباقي أفراد الأسرة.

 

وقد أظهرت الدراسات أن الارتباط بالأب (منظور التقصير الأبوي) يكون أكثر تأثيرًا في العلاقة بالإله عن باقي أنواع الارتباط، حتى مع الأم.

 

أ) اختلال/ غياب نموذج الأم:

ترمز الأم بالنسبة لطفلها إلى نقاء الإله ورحمته وعنايته. وقد أظهرت الدراسات النفسية لسير كبار الملاحدة أن علاقة الكثيرين منهم بأمهاتهم كانت مضطربة فى أثناء فترة الطفولة.

ويبلغ تأثير هذا الاضطراب أقصى مداه في الفترة العمرية 1-3 سنوات، وقد يمتد لسنوات قليلة بعد ذلك. لذلك، غالبا لا يذكر الشخص طبيعة علاقته بأمه لكنها تترك في نفسه أثارها العميقة التي قد لا تمحى.

و من الملاحدة الذين عانوا من اختلال/ غياب نموذج الأم: فولتير، سارتر، شوبنهور، نيتشه وغيرهم.

 

 

ب) الاختلال الأسري:

لاحظ عالم النفس بنيامين مَلاهمي أن الكثير من الحالات الملحدة يجتمع فيها  التقصير الأبوي مع اختلال رمز الأم، وجمع ملاحظاته حول الخلل الأسري المزدوج في عدد من النقاط:

1) كلما تضاءل اهتمام الوالدين بالدين كلما ازداد تمرد أبنائهم عليه.

2) إذا كان الوالدان مختلفين في الدين، وترتب على ذلك خلافات في الأسرة، زاد احتمال ارتداد الأبناء عن الدين.

3) من ارتدّوا عن الدين بالرغم من نشأتهم في أسر متدينة، عادة ما تكون علاقتهم بالأسرة غير طيبة.

وقد أثبتت الدراسات (2011م) أن الحضارات التي تُولي مؤسسة الأسرة دورًا مهماً وتحافظ عليها تنتج أفرادا على علاقة طيبة بالإله، وإذا تفتت مؤسسة الأسرة هدد ذلك بشدة منظومتي الإيمان والأخلاق في نفوس الأبناء.

 

 

العوامل الشخصية:

1/الشعور بالنقص، والشبق إلى الشهرة

يعتبر الكثيرون من علماء النفس أن الملاحدة يعانون عقدة نقص، وللهرب مما تسببه هذه العقدة من الشعور بالدونية وعدم الشعور بالأمان فإنهم يكبتون هذه المشاعر ويستبدلون بعقدتهم عقدة التعالي، وهذا ما يجعل الملاحدة يشعرون بأنهم متميزون وأنهم أفضل من الآخرين. ومن أجل إشباع هذه العقدة، يسعى الملاحدة إلى الشهرة.

 

كتب علم النفس والسير الشخصية ملأى بمواقف الكثيرين من كبار وصغار الملاحدة التي تكشف ذلك. فتجد الملحد يعلن إلحاده على الملأ ليحقق الشهرة ليشعر بذاتيته وتميزه.

والمتابع لكتابات الملاحدة ومواقع تواصلهم الاجتماعي يدرك بوضوح كم يحبون أن يعرفوا بتفردهم ودقتهم وحريتهم الفكرية، وتمردهم واستنارتهم. يصف ذلك الفيلسوف الملحد جوليان باجيني حين قال: يحتاج الملاحدة لعدو حتى يشعروا بذواتهم.

 

ومن الشواهد ما وُصف به فولتير بأنه نادرا ما كان يحاول إخفاء تفوقه الفكري،  وقد أجمع كُتّاب سيرته الذاتية على طموحه وغروره الفكري، وكان شغفه ينصب على الشهرة.

ونرى الغطرسة أيضاً في نيتشه وقد كان غروره وكبرياءه – الذي وصل به في الغالب حد الشفقة- معروفًا للجميع، وكانت فلسفته في الواقع ، مهرجانًا لتمجيد الرغبة بالسلطة، والرجل الخارق.

أما  فرويد فأفضل ما يلخص هذه السمة في شخصيته هي قوله: أنا بطبعي فاتح منتصر، أنا مغامر.

وكثيراً ما ذكر نقاد فرويد ‏طموحه وثقته الفكرية المفرطة وغالبا ما كان يرفض بغرور كل من يخالفه.

 

2/كراهية الكمالات والفضائل:

وكثيرًا ما تكون أسباب الملاحدة المعلنة قناعًا تختفى وراءه أسباب أعمق لرفض الإله والدين، أسباب يخجل الملاحدة من إعلانها.

فبعضهم يتبنى الرفض بسبب تجارب شخصية ومعاناة مؤلمة. وبعضهم يحمل بغضا شديداً بل وخوفًا من كل ما هو جميل أو طيب، وهؤلاء يسخرون من كل ما جاء في الكتب السماوية من كمالات وفضائل تُنسب للإله وتدعونا للتخلق بها.

 

لكن، لماذا يرفض هؤلاء الجمال والحسن والفضائل؟! السبب أنها تمثل قيودًا يعلمون أن عليهم الالتزام بها.

بل ويسعى كثير من هؤلاء لتحطيم كل صاحب فضيلة أو جمال أو حُسن و صدق، حتى لا يعانون الشعور بدونيتهم.

 

اضطراب الشخصية الإلحادي

حتى الآن لا يصنف الطب النفساني الأفكار والسلوك الإلحادي كأحد أنواع اضطرابات الشخصية ولكن العديد من أطباء النفس يميلون لتصنيف التوجه الإلحادي الأصولي الشرس كأحد أنواع اضطرابات الشخصية، ويلحقونه بمجموعة من اضطرابات الشخصية تُعرف بـ (تغيرات دائمة في الشخصية، لا ترجع إلى أي أذى جسيم أو مرض بالمخ).

أما السمات النفسية والشخصية للملاحدة العتاة، التي ظهرت بوضوح في سيرهم الذاتية وماكُتب عنهم، والتي جمعها القائلون بالعلاقة بين الإلحاد الشرس وبين اضطرابات الشخصية، فيمكن تلخيصها فيما يلي:

الشعور بالتوتر والغضب والمرارة، سهولة الإحباط، تبدل سريع في الانفعالات، مع نوبات من الاكتئاب – التجهم – التشاؤم، الشعور بالخواء والفراغ وانعدام المعنى، الرفض وحب الجدال  والمنافسة والعند والعجز عن التكيف، عدم الشعور بالأمن (ينعكس في الحساسية المفرطة للنقد والتقييمات السلبية)، عدم الثقة بالنفس، وإخفاء ذلك بسلوكيات التكبر والعجرفة وإظهار  العظمة،  التفكير المضطرب، واستخدام عبارات رنانة فى غير موضعها، الانشغال الفائق بالجنس والسعي لتحقيق اللذة، ازدراء المرجعيات والشخصيات التى يحترمها المجتمع، الرغبة في الهيمنة وحب السيادة دائما، الإفراط فى الكحوليات والعقاقير المخدرة وكل ما يحقق الهروب ويغيب عن الواقع، عدم القدرة على التعامل مع فكرة الموت وتحاشي التفكير فيه، احتقار من يتجنبه أو يثيره،تميز  علاقاته بالآخرين بالتحدي والإثارة والسلوك اللافت للنظر، صعوبة تكوين علاقات جديدة أو المحافظة على العلاقات السابقة.

 

آليات الدفاع النفسية:

لكي يخرج الملحد من توتراته ومعاناته النفسية، التى وقفت وراء تبني الإلحاد، وتلك التي تنتج عنه، يلجأ الملحد المضطرب إلي آليات الدفاع النفسية ، وأهمها:

وإسقاط إنكار و رفض استحضار أو التعامل مع تجاربه السابقة المؤلمة وكذلك أفكاره المؤلمة.

  • إزاحة وإسقاط غضبه وضيقه على المفاهيم والشخصيات
  • والجهات الدينية، وإرجاع إلحاده إلى سوء المنظومة الدينية والخطاب الديني
  • رفض المعاونة : كثرة الشكوى مع رفض وازدراء أية نصيحة أو عرض بالمساعدة.
  • الشق (القسمة): السلوك في الحياة بأسلوبين مختلفين؛ الأول شخصى حقيقي، والآخر ظاهري مثالي أمام الناس.
  • الهروب بالإفراط في استخدام الخمور والعقاقير والانشغال المفرط بالجنس.

 

لماذا ظهر الإلحاد الآن؟!

عند تأمل دور الدوافع النفسية وراء الإلحاد،  يقفز في الخاطر سؤال بديهى مهم.

ولماذا ظهر الإلحاد الآن؟!

إن هذه الدوافع النفسية (التقصير الأبوي ـ الارتباط ـ) والعوامل الشخصية أيضًا موجودة منذ نشأة الإنسان في الأغلب، فلماذا لم يظهر الإلحاد إلا في القرن الثامن عشر في أوروبا؟!

للإجابة عن هذا التساؤل نقول: إن هذه الدوافع النفسية ليست التفسير الكامل للإلحاد، وهي غير كافية لإنكار الوجود الإلهي، بل هي عوامل تمهد وتعد النفس البشرية لهذا الإنكار، وعلى هذه الخلفية الذاتية (الدوافع النفسية والشخصية) تمارس الدوافع الاجتماعية والمعرفية الموضوعية دورها.

 

المراجع:

التميمي، رشود عمر(١٤٣٧هـ) تأملات في البواعث النفسية للإلحاد، مركز الفكر المعاصر.

شريف،عمرو(٢٠١٥م)، الإلحاد مشكلة نفسية، نيو بوك للنشر، القاهرة، مصر.

فيتز، بول سي(٢٠١٣م)، نفسية الإلحاد إيمان فاقد الأب، مركز دلائل، الرياض، السعودية.

 

 

كتابة: مرام عبد العزيز

مراجعة: ندى الشريف

Twitter : @ItzNadaFahad

تدقيق النص: منى محمد

Twitter : @MonaAlhammad_

التسجيل الصوتي: منصور ابو حيمد


شاركنا رأيك طباعة