رحيل نابغة

تاريخ النشر : 10/12/2017 التعليقات :0 الاعجابات :2 المشاهدات :525

 

توفيت الإيرانية المسلمة مريم ميرزا خاني في الرابع عشر من يوليو الماضي، بعد معركة مع سرطان الثدي استمرت لأربع سنوات. وهي المرأة الوحيد الحاصلة على ميدالية فيلدز التي تعادل جائزة نوبل في مجال الرياضيات. ورغم عمرها القصير الذي لم يتجاوز الأربعين عاماً، إلا إنها قدمت مساهمات هامة لعلم الرياضيات. خصوصاً في هندسة سطوح ريمان، في بحث جمع ما بين الطوبولوجيا مع الهندسة والأنظمة الديناميكية.

 

النشأة

إن احتمال اتخاذ الرياضيات مجالاً لدراسة فتاة إيرانية نشأت في طهران أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ومع وجود حكومة دينية تعادي العلوم الغربية، هو أمر مستبعد جداً. بل إن عشقها الأول هو القراءة لا الرياضيات، وكانت تلتهم أي كتاب يقع بين يديها.  وكان حلمها أن تُصبح كاتبة.

كان أخ مريم الأكبر هو البوابة التي دخلت منها لعالم الرياضيات، فقد كان ينقل لها ما يتعلمه أثناء يومه الدراسي. وقد بدأت عليها علامات النبوغ مبكراً. لذلك، تم قبولها في أحد المدارس التي ترعى المواهب، وهي مدرسة فرزانكان للبنات في المرحلة المتوسطة والتي استمرت فيها إلى المرحلة الثانوية. إلا إنها لم تحقق في سنتها الأولى سوى علامات عادية في الرياضيات. وهي تُرجّع السبب لمدرس لم يؤمن بموهبتها،ففشل في إدراك وتنمية قدراتها. لكنها استرجعت ثقتها وعادت موهبتها في الرياضيات للتدفق من جديد في السنة التالية مع مدرس آخر.

حاولت مريم في بداياتها أن تحِل بعض المسائل من أولمبياد الرياضيات الدولية، لكن نتائجها أتت متفاوتة. لذلك،اقترحت على إدارة مدرستها طرح فصول للتدرب على حل المعضلات الرياضية لكي تتمكن الفتيات ولأول مرة في إيران من منافسة الفتيان للتأهل إلى الفريق الأولمبي الوطني. وافقت إدارة المدرسة على الاقتراح، ونجحت مريم مع زميلتها رويا بهشتي (أستاذة الرياضيات حالياً في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس) في الانضمام للفريق الوطني الإيراني. بعد فترة من التدريب الكثيف، فازت مريم بأول مدالية ذهبية وهي بسن السابعة عشر أثناء مشاركتها الأولى بأولمبياد سنة 1994. كما فازت في السنة التالية بمداليتين ذهبيتين محققةً النتيجة الكاملة. ورغم أن الخبرة المكتسبة أثناء الاستعداد والمنافسة في هذه الاولمبياد تعتبر شيئاً مهماً في مسيرة تطور مريم، إلا أن حل المعضلات الرياضية لا يشبه أبداً خوض مجال الأبحاث العلمية. لكن حسب المشرف على رسالتها للدكتوراه كيرتس ماكملين Curtis McMullen والذي هو نفسه حاصل على ميدالية فيلدز: “كانت وبخلاف العديد من الحاصلين على درجات عالية في الأولمبياد، قادره على إنتاج رؤيتها الذاتية”.

ولكن حتى أذكى عقول الأرض تعتمد على العون الإلهي لتواصل مشوار نبوغها. فقد نجت مريم بأعجوبة من حادث مأساوي وقع للحافلة التي كانت تُقلّ مجموعة من الطلبة الإيرانيين أثناء إحدى منافسات الرياضيات، مما تسبب في وفاة سبعة من الطلبة، وذلك بعد تخرجها من جامعة شريف للتكنولوجيا في طهران وقبل رحيلها إلى الولايات المتحدة.

 

النجاح

كان الاختبار الحقيقي الأول لها في عالم الرياضيات هو رسالتها للدكتوراه في جامعة هارفارد، تحت إشراف أستاذها كيرتس ماكملين. وقد تطورت مسيرتها المهنية بصورة سريعة بعد ذلك، فأصبحت أستاذة للرياضيات في جامعة برينستون أولاً، ثم في جامعة ستانفورد.

كانت مساهمات مريم ميرزا خاني في مجال الرياضيات تتسم بالأصالة والتميز، فأبحاثها في هندسة سطوح ريمان. وبشكل خاص، بحثها عن التماثل عند الأسطح المنحنية (مثل الأشكال الكروية أو ما يشبه كعكة الدونات)، وكيفية تشوه تلك الأسطح بسهولة، والذي جمعت فيه ما بين الديناميكا (علم التحريك) وعلم الهندسة (الهندسة الرياضية) أتى بنتيجة تتجاوز نطاق علم الرياضيات، بأن وصلت مثلاَ إلى نطاق نظرية الكمّ والمجالات الهندسية والفيزياء الفلكية.

كانت إحدى نقاط تميزها هو في قدرتها على الربط بين مجالات الأبحاث المختلفة، مما مكنها من إيجاد حلول رائعة وغير متوقعة لمعضلات يئس منها الآخرون. وما إن تُحل المعضلة التي تسد باب مجال ما، حتى ينشأ مجال بحثي جديد.

 

شخصيتها وأسلوب بحثها

تتشابه المسيرة المهنية لمريم ميرزا خاني مع العديد من سِير العلماء العظماء. فقد تمكنت من إحاطة نفسها بالعديد من الأشخاص الذين دعموا موهبتها. مثل زملاء الدراسة والعمل، وأن تعمل تحت اشراف أستاذ حاصل على أعلى التقديرات. كما أنها كانت جريئةً في تغير بيئتها منذ البداية، حسبما يعكس اقتراحها مثلاً أن توجد حصص لحل المعضلات الرياضية. كما أن قدرتها على إدراك العلاقات بين العناصر في فراغ ما (البصرية الفراغية visuo-spatial) كانت سبباً في تميزها بمجالها. فقد تطلبت أبحاثها تخيل أشكال يستحيل وجودها في الواقع، ومعقدة أعلى درجات التعقيد. كما امتلكت القدرة أيضاً على إعادة تعريف المشكلة بطرق غير مألوفة.

كان دافعها الذاتي لهذا كله قوي جداً، يقوده فضولها وتمتعها بجمال تراه في الرياضيات. بجانب طموح جسور يخالف شخصيتها المتواضعة خارج عالم الرياضيات. كما أن الصبر اللامحدود والإصرار والمثابرة من سماتها، وهي تعلق على ذلك بقولها: “إن جمال الرياضيات لا يكشف عن نفسه إلا لأتباعه الصابرين.”

تصف إحدى النظريات المؤثرة في علم النفس عملِيّتي الإبْداع والبحث عن حل لمشكلة ما; بانَهُ بحْثُ ضمن حيز، تكون فيه الحركات التي تشكل حالة ما قبل اكتشاف الحل، منطلقةً من نقطة بداية نحو الهدف المنشود، بالاعتماد على المعرفة ووسائل البحث، بجانب الحظ أحياناً. وهو وصف يتناسب جداً مع أبحاث مريم ميرزا خاني، حسب معرفتنا بها. وقد أشارت هي لذلك بقولها: ” البحث يشبه أن تضيع في غابة فتحاول أن تستخدم كل ما تتذكر لتأتي بحلول مبتكرة، لتتمكن في الأخير وبواسطة بعض الحظ أن تجد طريق الخروج”. كانت إحدى وسائل التنقيب التي استخدمتها لتبلور أفكارها هي الخربشة ورسم الأزهار على أوراق من القطع الكبيرة.

 

لازال الرجال هم من يسيطرون على عالم الرياضيات. لكن الأمل معقود على أن تكون مريم رمزاً لغيرها من الفتيات. ورغم أن الطرق الصعبة لا تغرى السالكين، إلا أن مريم لم تتردد في السير فيها رغم مشاقه. مريم صاغت تجربتها بقولها: “يجب عليك أن تتجاهل الثمار الدانية. وهو أمر صعب. ولا أدرى إن كانت هذه هي الطريقة الأفضل. لأنك في الواقع تُعْلم نفسك طوال حياتك، ولا يجب أن نتصور أن الحياة أمر هين”.

 

 

 

 

ترجمة: فهد محمد الحزمي

Twitter: @Q8_Lines

مراجعة: وجدان الغيهب

 

 

المصدر:

Psychology Today: Death of a Genius

 

 


شاركنا رأيك طباعة