الحياة الاجتماعية للجينات (الجزء الثاني)

تاريخ النشر : 17/07/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :319
المراجع جهاد أبو الرب

ماجستير طب مخبري، وبكالوريوس علوم حياتية وتكنولوجيا طبية. Bachelor degree at biology and medical technology Master degree at medical laboratories sciences in microbiology and immunology

 

في الجزء الأول، لاحظنا كيف انتقل الباحث كول، وفرق الباحثون الآخرون بين التجارب لإثبات كيفية تأثر الجينات بالظروف البيئية، والنفسية المحيطة، وكانت التجارب قد التي قد بدأوها من النحل، مرورًا بالطيور والأسماك، وبعض الملاحظات على البشر، أراد الباحثون إثبات نظرياتهم بشكل أقوى من خلال بعض التجارب على القرود، والبشر.

في هذا الجزء ستلاحظ انتقال الباحثون إلى مستوى أعلى في التجارب الجينية.

 

كما أسلفنا، كانت خطوة كول القادمة هي الانتقال إلى القرود (فصيلة مختبر تسمح بإقامه الدراسة)، وفي عام 2007 التحق بجون كابيتانيو – عالم مختص بالقرود في جامعة كاليفورنيا في ديفيز – في النظر في كيفية تأثير الضغط الاجتماعي على القرود التي تحمل فيروس نقص المناعة القردي، وهو نسخة من فيروس نقص المناعة البشرية يصيب القرود. وجد كابيتانيو أن القرود التي تحمل فيروس نقص المناعة القردي مرضت وتوفيت بشكل أسرع إذا كانوا قد شعروا بالقلق والتوتر بسبب نقلهم إلى مجموعات جديدة بين الغرباء باستمرار -دراسة موازية لدراسة كول عام 1996 على الرجال المثليين الوحيدين-، قام كابيتانيو بتحليل المناعة التي أكدت أن القرود المتوترة أظهرت أن الردود المضادة للفيروسات كانت ضعيفة لديهم. نظر كول بشكل أعمق فقام بتمزيق العقد الليمفاوية -الأرض الرئيسية لاستقطاب العدوى- ووجد أن الفيروس في القرود المتوترة اجتماعياً ازدهر حول الجذع، وهي الأعصاب التي تحمل إشارات التوتر في العقدة الليمفاوية.

ويقول كول: كان هذا تلميحًا، كان الفيروس ينتشر على وجه التحديد في المكان الذي من المفترض أن تكون فيه الاستجابة المناعية أقوى. على ما يبدو أن إشارات التوتر في جذوع الأعصاب، إما أنها تصبح صامته في طريقها للوصول أو أنه يتم تجاهلها عند الوصول. عندما بدأ كول ينظر بدقة، وجد أن الإشارات يتم تجاهلها عند الوصول: أجساد القرود كانت تولد إشارات توتر مناسبة، ولكن لا يبدو أن الجهاز المناعي يستجيب لها بشكل صحيح. لكن لماذا؟ لم يستطع أن يكتشف بالأدوات التي كانت لديه. كان لا يزال ينظر إلى الخلايا. كان بحاجة لأن ينظر إلى ما بداخل الخلايا وأخيرا حصل كول على فرصته. في جامعة كاليفورنيا حيث أصبح بروفسورا في عام 2001، كان يعمل بجد لإتقان تحليل التعبير الجيني عبر الجينوم بأكمله -آلات النسق المايكروي- النوع الذي كان يستخدمه جين روبنسون على النحل أصبحت أرخص ثمناً. حصل كول على واحدة وبدأ بالعمل عليها. وهكذا بدأ بما يمكن أن نسميه دراسات الاشخاص الوحيدة.

 

في البداية، بالتعاون مع عالم النفس الاجتماعي في جامعة شيكاغو جون كاتشوبو، استخرج كول استبيان حول الاتصالات الاجتماعية التي أعطاها كاتشوبو إلى 153 شخصاً في شيكاغو يتمتعون في صحة جيدة في الخمسينات والستينات من أعمارهم. حدد كاتشوبو وكول الثمانية أشخاص الأكثر أمانًا اجتماعيًا والستة أشخاص الأكثر وحده وتم سحب عينات الدم منهم (الست أشخاص الغير آمنين اجتماعيًا كانوا بالفعل وحيدين؛ أفادوا بأنهم شعروا بأنهم بعيدين عن الآخرين على مدى السنوات الأربع الماضية)، ثم استخرج كول مادة وراثية من كريات الدم البيضاء (لاعب رئيسي للجهاز المناعة) ونظر إلى الحمض النووي.

وجد نمط قوي غريب وواسع لاستجابة التعبير الجيني، الذي من شأنه أن يصبح مألوفًا بشكل هائل على مدى السنوات القليلة المقبلة. من بين ما يقارب 22,000 جين في الجينوم البشري، أظهرت مجموعة الأشخاص الوحيدين وغير وحيدين اختلافًا في استجابة التعبير الجيني في 209 جين. وهذا يعني أن نحو واحد في المئة من الجينوم -جزء جدير بالاعتبار- كان يستجيب بشكل مختلف اعتمادا على ما إذا كان الشخص يشعر بالوحدة أو بالترابط. مطبوعات أنماط التعبير الجيني للأشخاص كانت تشبه قراءات روبنسون الحمراء والخضراء التي تظهر التغيرات في دراسة تبديل النحل: قطاعات كاملة من الجينات ظهرت مختلفة بشكل ملحوظ في الأشخاص الوحيدين والآمنين اجتماعيًا. والعديد من هذه الجينات لعبت أدوارا في الاستجابات المناعية الالتهابية. الآن بدأ كول في الذهاب إلى مكان ما.

في العادة، النظام الصحي المناعي يعمل من خلال ما يمكن تشبيهه بهجوم كلب مقيد. يكشف مسببات المرض، ثم يرسل الاستجابات الالتهابية وغيرها لتدمير الغزاة، بينما يفعّل أيضا استجابة مضادة للالتهابات -القيد- للحفاظ على الالتهاب ومنعه من الخروج عن السيطرة. أنظمة المناعة في الأشخاص الوحيدين في الدراسة، تقترح إلى أن هجوم الكلب خرج عن -القيد- على الرغم من أنهم لم يكونوا مرضى. كان ما يقارب 78 جين التي عادةَ ما تعمل معاً في تكوين الالتهاب أكثر انشغالًا من المعتاد، وكأن هؤلاء الأشخاص الأصحاء كانوا يقاتلون العدوى. وفي الوقت نفسه، كانت 131 جين التي عادة ما تتعاون للسيطرة على الالتهاب أقل نشاطًا. وتتضمن الجينات الأقل نشاطاً جينات رئيسية مضادة.

فتح هذا آفاق جديدة من البصيرة. إذا كان الضغط الاجتماعي هو الذي صنع هذا الملف للتعبير الجيني، فإنه قد يفسر الكثير للعديد من التساؤلات. فعلى سبيل المثال، مرض الأشخاص الوحيدين الحاملين لفيروس نقص المناعة البشرية في دراسات كول السابقة أصيبوا به بشكل أسرع بكثير، ولكن هذه كانت دراسة لـ 14 شخص فقط. كول كان بحاجة إلى أكثر من ذلك.

 

على مدى السنوات القليلة المقبلة حصل على ما يريد. وجد ملفات مماثلة لتعبير جيني أو استجابة مناعية غير متوازنة في مجموعات تتضمن أطفال فقراء، أشخاص مصابون بالسرطان يعانون من الاكتئاب، وأشخاص مسؤولون عن رعاية أزواج يموتون من السرطان. وتصدرت جهوده دراسة حيث كانت مستويات التوتر الاجتماعي في الشابات تتوقع تغيرات في النشاط الجيني بعد ستة أشهر. كول والأشخاص الذين تعاونوا معه على تلك الدراسة، علماء النفس غريغوري ميلر ونيكولاس روهلدر من جامعة كولومبيا البريطانية، في فانكوفر انشؤوا مقابلات حول الحياة الاجتماعية لـ 103 من النساء الذين يتمتعون بصحة جيدة وتتراوح أعمارهم بين 15 و 19 عاماً، وسحبوا عينات دم، واستخرجوا ملف التعبير الجيني، وبعد نصف عام سحبوا عينات دم واستخرجوا ملفات التعبير الجيني مره أخرى. وذكرت بعض النساء في وقت المقابلة الأولية انه كانت لديهم مشكلة مع حياتهم العاطفية أو أسرهم، أو أصدقائهم. على مدى الأشهر الستة المقبلة، خضع أولئك النساء المضطربات اجتماعيًا لنفس الاختلال في توازن ملف التعبير الجيني الذي وجده كول في دراسات العزلة الاخرى -الكلاب المشغولة بالهجوم والقيد الغير مربوط- باستثناء هنا: (في دراسة استباقية) رأى كلب الهجوم يفك القيد! التوتر الاجتماعي يغير أنماط التعبير الجيني لهؤلاء النساء الشابات أمام عينيه.

في أوائل عام 2009، جلس كول محاولًا أن يصل إلى معنى كل هذا في إعداد ورقة مراجعة سينشرها في وقت لاحق من ذلك العام في مجلة الاتجاهات الحالية في علم النفس بعدها بعامين كنا نجلس في مكتب صغير نوعا ما في جامعة كاليفورنيا، ونناقش ما قد وجد. كول، بنيته جيده ولكن طوله يقارب الستة أقدام، ويتحدث بصوت عالي النبرة الذي هو أعلى مما قد تتوقعه من جسده.

في بعض الأحيان، عندما يحاول انتزاع فكره جديدة أو يحاول التأكيد على نقطة، فإنه يقفز. وكثيرا ما يطلب منه إعطاء أحاديث عن عمله، ومن السهل أن نرى لماذا هو مسترخي ولكنه مليء بالحماسة، ويتحدث بطريقة منظمة لدرجة تمكنك من تخيل الفقرات في الهواء بينكما. إنه يقضي معظم وقته على الطريق لذلك كان المكتب نصف مفرغ، قال وهو يشير حول هسوسا اريفالو “مختبره في أسفل القاعة هو في الأساس مدير مختبر جيد حقًا” هسوسا اريفالو -الذي كان كثيرًا ما يورد على أوراقه- “وحفنة من الروبوتات” يعني أجهزة التجارب.

 

وأضاف كول “نعتقد عادة أن الضغط النفسي عامل خطر للمرض، وهو كذلك، إلى حد ما ولكن إذا كنت في الواقع ستقيس الضغط، وذلك باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، فإنه لا يمكنه حمل شمعة إلى العزلة الاجتماعية. العزلة الاجتماعية هي أفضل مؤسس وأقوى عوامل الخطر الاجتماعي أو النفسي للمرض. لا شيء يمكن أن ينافسها”.

هذا يساعد على تفسير على سبيل المثال: لماذا كثير من الناس الذين يعملون في وظائف مجزية تعرضهم للضغوط العالية لا يبدون أنهم يعانون من آثار سيئة وأمراض، أما البعض الآخر لا سيما أولئك الأشخاص المعزولون وتحت وطأة الفقر، ينتهي بهم الأمر في قوائم التشخيص المرتبطة بالتوتر مثل السمنة، والسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وتصلب الشرايين، وفشل القلب والسكتة الدماغية.

وعلى الرغم من هذه التأثيرات المعروفة قال كول: أنه ذهل عندما بدأ يكتشف أن التواصل الاجتماعي يسبب هذه الآثار القوية على التعبير الجيني!

قال: “أو أننا لم نجده (صحح)، لكننا نراه هو مع هذا التناسق. العلم صاخب! كنت مستعد أن أراهن أننا سوف نحصل على الكثير من النتائج الصاخبة التي تتعارض من مملكة إلى أخرى، وعلى مستوى نوع الجينات الفردية هذا صحيح -فهناك بعض الضوضاء-.” ثم قال: “ولكن أنواع من الجينات التي يزداد وينخفض نشاطها ردا على التجربة الاجتماعية، وشبكات الجينات وسلاسل التعبير الجيني التي تبدأها، تتناسق بشكل مفاجئ! من القرود إلى الناس، من الأطفال الذين تبلغ من أعمارهم الخمس سنوات إلى البالغين، من المراهقين في فانكوفر إلى الذين يبلغون الستين عاماً في شيكاغو”.

عمل كول يحمل كل أنواع الآثار -بعضها راجحة وعملية، وبعضها فلسفية-، والتي من الممكن لها على سبيل المثال أن تساعد في تفسير المشاكل الصحية التي غالبا ما تؤرق الفقراء، فالفقر يهاجم الجسم بشراسه. وربطت مئات الدراسات على مدى العقود القليلة الماضية الأشخاص ذوي الدخل المنخفض بارتفاع معدلات الربو، والانفلونزا، والنوبات القلبية، والسرطان، وكل شيء بين ذلك. الفقر في حد ذاته بدأ يبدو وكأنه مرض. مع ذلك المحفظة الفارغة لا يمكن أن تجعلك مريضاً. ونحن جميعا نعرف أناسًا هربوا من مخاطر الفقر. لذلك، ماذا عن حياة الفقر التي تجعلنا مرضى؟

 

سأل كول هذا السؤال أساساً في دراسة أجريت عام 2008 مع ميلر وإديث تشن (علماء نفس اجتماعيين آخرين في ذلك الوقت في جامعة كولومبيا البريطانية) ظهرت ورقة في منتدى القفص الصدري -وهي مجلة عن المشاكل الطبية حول الصدر-. تجمع الباحثون واستخرجوا ملفات التعبير الجيني لـ 31 طفلا، تتراوح أعمارهم ما بين تسعة إلى الثامنة عشر عاماً، والذي كانوا مصابين بالربو. 16 كانوا فقراء، 15 كانوا ذوي أحوال حسنة. كما توقع كول، أظهرت مجموعة الأطفال ذوي الأحوال الحسنة استجابة مناعيه صحية، مع نشاط مرتفع بين الجينات التي تتحكم في الالتهاب رئوي. وظهر لدى الأطفال الأكثر فقراً أن جينات الالتهابات أكثر انشغالًا، وبطء في شبكات الجينات التي تتحكم في الالتهاب، وفي -تواريخهم الصحية- المزيد من نوبات الربو ومشاكل صحية أخرى. يبدو أن الفقر أدى إلى تلويث أجهزتهم المناعية.

كول، تشن، وميلر مع ذلك، كانوا يشتبهون بشيء آخر في العمل -وهو الأمر الذي غالبا ما أتى مع الفقر ولكن لم يكن الشيء نفسه-. لذلك جنبا إلى جنب مع سحب الدم للأطفال وجمع المعلومات الاجتماعية والاقتصادية، فإنهم جعلوهم يشاهدون أفلامًا من المواقف الاجتماعية الغامضة أو الحرجة، ثم سألوهم عن كيفيه تهديد وجودهم.

الأطفال الأكثر فقرا اعتقدوا أنها أكثر تهديدًا. الآخرين اعتقدوا أنها أقل تهديد. هذا الاختلاف هو ما يسميه علماء النفس “التأطير الإدراكي” لم يفاجئ أي أحد. العديد من الدراسات السابقة أظهرت أن الفقر والأحياء الفقيرة، لأسباب مفهومة، تميل إلى جعل الأشخاص أكثر حساسية للتهديدات في المواقف الاجتماعية الغامضة. وكان تشن على وجه الخصوص قد قضى سنوات في دراسة هذا النوع من التأثير.

ولكن في هذه الدراسة أراد تشن وكول وميلر معرفة ما إذا كان يمكن تفصيل تأثير “التأطير الإدراكي” من تأثير التفاوت في الدخل. اتضح أنهم يستطيعون ذلك؛ لأن بعض الأطفال في كل مجموعة واردة قد خرجوا عن النمط. هناك عدد قليل من الأطفال الفقراء رأوا الخطر ضئيل جداً في حالات غامضة، ورأى عدد قليل من الأطفال ذوي الحالة الحسنة الكثير من الخطر في الحالات الاجتماعية الغامضة. عندما فصل الباحثون هذه التصورات من الدرجات الاجتماعية والاقتصادية ووضعوها على مدى درجات التعبير الجيني، وجدوا أنه كان حقًا تأطير الإدراك لدى الأطفال، وليس مستويات دخلهم، التي تمثل معظم الفرق في التعبير الجيني. وبعبارة أخرى: عندما تحكم الباحثون عن الاختلافات في تصور التهديد، اختفى تأثير الفقر تقريبًا. يبدو أن الشيء الرئيسي الذي يدفع الاستجابات المناعية للعطب ليس هو الفقر، ولكنه إذا ما كان الطفل ينظر للعالم الاجتماعي بخوف!

ولكن من أين أتى ذلك؟ هل رأى الأطفال العالم على أنه مخيف لأنهم علّموا ذلك؟، أو لأنهم شعروا بالوحدة في مواجهة العالم؟ تصميم الدراسة لا يمكن أن يجيب على ذلك. لكن كول يعتقد أن العزلة تلعب دوراً رئيسياً. هذه الفكرة تحظى بدعم من دراسة مذهلة أجريت عام 2004 تضمنت 57 طفلا في سن المدرسة الذين تعرضوا للاعتداء بشكل سيء جدًا لدرجة أن الأخصائيين الاجتماعيين أخرجوهم من منازلهم. الدراسة، وغالبا ما تسمى فقط “دراسة كوفمان” نسبة لمؤلفها، طبيبة نفسية وخريجة جامعة ييل. جوان كوفمان، تتحدى عددا من الافتراضات حول أشكال الردود على الصدمات أو الإجهاد.

 

دراسة كوفمان في البداية تشبه التحقيق الكلاسيكي إلى ما يسمى -جين عرضة خطر الإصابة بالاكتئاب-، الجين المسؤول عن نقل السيروتونين، أو – سيرت- الذي يأتي في أشكال طويلة وقصيرة. تأثير أي جين واحد على المزاج أو السلوك محدود، وبطبيعة الحال، دراسة هذه الجينات المنفردة، أو “الجين المرشح” يجب أن ينظر إليها في الاعتبار. ومع ذلك، فقد وجدت العديد من الدراسات أن النموذج القصير لسيرت يبدو أنه يجعل العديد من الناس (والقرود) أكثر حساسية للبيئة. وفقا لتلك الدراسات فإن الأشخاص الذين يحملون نموذج -سيرت القصير- هم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب أو القلق إذا ما واجهوا الصدمات النفسية والتوتر.

نظرت كوفمان أولا لمعرفة ما إذا كانت الصحة العقلية للأطفال تتبع متغيرات -سيرت- الخاصة بهم. وفعلت ذلك: الأطفال الذين يملكون النموذج القصير عانوا ضعف مشاكل الصحة العقلية العديدة مقارنة بأولئك الذين لديهم النموذج الطويل. ويبدو أن الحظ العاثر المضاعف من الاعتداء بالإضافة إلى نموذج سيرت قصير كان كثيراً عليهم.

ثم وضعت كوفمان معدلات الاكتئاب للأطفال ومتغيرات -سيرت- على حد سواء في أمام مستويات “الدعم الاجتماعي” للأطفال. وفي هذه الحالة، حددت كوفمان بدقة الدعم الاجتماعي على أن يكون الاتصال على الأقل شهريا مع شخصية راشدة موثوقة بها خارج المنزل. بشكل غير عادي، للأطفال الذين امتلكوا هذه الفرصة، هذا الاتصال الاجتماعي الواحد المتواضع، والمحدد بشكل وثيق مسح نحو 80 % من المخاطر المجتمعة لنموذج -سيرت القصير- وسوء المعاملة. واقترب لتحصين الأطفال ضد كل من الضعف الوراثي والاعتداء المروع أو لقوله كما يمكن لكول أن يقول:                                        “عدم وجود اتصال موثوق آذى الأطفال تقريبًا بقدر ما فعل الاعتداء. عزلتهم تمارس ما يكفي من القوة لرفع سؤال ما هو حقاً الأكثر سمية في مثل هذه الحالات. معظم الأعمال المنشورة في الطب النفسي تعرض أساسا تجارب سيئة -الضغط الشديد وسوء المعاملة والعنف- كأنها سموم، والجينات التي تسبب عرضة الإصابة بأمراض كأنها ضعف شبه مناعية التي تسمح للسموم بأن تسممنا. والاعتداء سام بشكل واضح. مع ذلك إذا كان الاتصال الاجتماعي يمكن تقريبًا أن يحمينا تماما من الآثار المعروفة للاعتداء الشديد، أليست العزلة تقريبا كسمية الضرب والإهمال؟!”

كما تتحدى دراسة كوفمان الكثير من التفكير الغربي التقليدي عن حالة الفرد. باستخدام لغة الدراسة نحن نتصور أحيانًا أن “الدعم الاجتماعي” كنوع من الوظيفة الإضافية، شيء إضافي قد يحصننا بطريقة ما. بعد هذا الرأي يفترض أن الحالة الافتراضية الإنسانية هي العزلة. لكنها ليست كذلك. حالتنا الافتراضية هي الاتصال. نحن مخلوقات اجتماعية، وكنا كذلك لدهور. كما كتب زميل كول جون كاتشوبو في كتابه (الوحدة) حين قال: “كان هوبز مخطئاً عندما كتب أن حياة الإنسان دون حضارة كانت وحيدة وفقيرة ومقرفة ووحشية وقصيرة”. قد تكون فقيره ومقرفة ووحشية وقصيرة ولكن نادرا ما تكون وحيدة.

باقتراب نهاية العشاء الذي تشاركته مع كول، وبعد أن أخذ النادل الصحون الفارغة بعيداً وجلسنا نتحدث أكثر على الشاي الأخضر، وسألته إذا كان هناك أي شيء من المفترض أن اسأل عنه لكنني لم أفعل. كان يتحدث أغلب الثلاث ساعات الماضية بعض الأشخاص يتعبون لكن كول ليس من ضمنهم! تحدث عن كيف أننا كائنات مرنه قابلة للاختراق بدلا من أن نكون كائنات وحيدة مستقرة ومعزولة؛ حول إعادة الإعمار المتكرر للنفس؛ حول الارتباط مع العالم الذي يجعل منك شخص متجدد باستمرار، لكنك لا تعرف ذلك، لأنك لو عرفت فلن تكون الشخص الذي أنت عليه. “أنت التجربة المقامة قبل شخص واحد والذي فقد السيطرة عليها”. وأراد أن يضيف شيئا آخر: قال إنه لا يرى هذا بشكل حتمي.

 

من الواضح أننا كنا نتحرك بعيدًا عما يمكن أن يثبته عند هذه النقطة، ربما نبتعد مما هو قابل للاختبار. كنا في الواقع نلتف حول حفرة أرنب التي تعتبر نقاش الإرادة الحرة. لكنه أراد أن يوضح أمر أنه لا يرانا كعبيد إلى بيئة. “ولا حتى يمكنك تغيير الجينات الخاصة بك. ولكن إذا كنا حتى نصف محقين في كل هذا، فيمكنك تغيير الطريقة التي تتصرف بها الجينات الخاصة بك -وهو تقريبًا نفس الشيء- من خلال تعديل البيئة الخاصة بك يمكنك تعديل النشاط الجيني الخاص بك. وهذا ما نقوم به ونحن نتحرك من خلال الحياة. نحن نحاول باستمرار ملاحقة تلك البقعة الحلوة بين الكثير والقليل جدًا من التحدي”.

وأضاف “هذا جزء مهم جدًا إلى حد ما نادرًا ما يقدره علماء المناعة وعلماء الوراثة، نحن مهندَسين من قبل تجربتنا الخاصة. تجربتك الشخصية تحمل قوة أكبر من الظروف المتجردة الخاصة بك. إذا كنت تشعر بالوحدة حتى عندما تكون في غرفة مليئة بأقرب الناس إليك، سوف تصبح لديك مشاكل. إذا كنت تشعر وكأنك تُدعم بشكل جيد على الرغم من أنه لا يوجد أحد آخر على مد بصرك، إذا كنت تحمل العلاقات في رأسك، إذا أتيت للعالم مع شعور بأن الناس يهتمون لك، أنك شخص قيم، أنك بخير. فسوف يتصرف جسدك كما لو كنت بخير -حتى لو كنت مخطئ في كل ذلك- !

كول بدأ يتكلم وكأنه جون ميلتون: “إن العقل هو المكان الخاص، الذي في حد ذاته يمكن أن يجعل النعيم جحيم، والجحيم لجنة”.

بالطبع لم أكن أدرك ذلك في تلك لحظة. كانت ردة فعلي كانت أكثر ركاكة.

قلت له: “لذا البيئة والتجربة ليست نفس الشيء” ، فقال: “بالضبط يمكن لشخصين أن يشتركا في نفس البيئة ولكن ليس بنفس التجربة. فالتجربة هي ما تكونه أنت من البيئة. على سبيل المثال يبدو أنا وأنت على حد سواء نستمتع هنا وأعتقد أننا كذلك، ولكن إذا كان أحدنا لا يروق له أن يجلس قبالة الآخرعلى طاولة لمدة ثلاث ساعات، ذلك الشخص يمكن أن يشعر بالإجهاد النفسي والتوتر على نحو تام. قد يكون لدينا الكثير من الخبرات المختلفة. ويمكنك تشكيل كل هذا من خلال كيفية تأطريك للأشياء. يمكنك تشكيل كل من بيئتك ونفسك من خلال كيفية تصرفك. أنها حقا فرصة”.

 

كول غالبًا ما يقولها للحضور بشكل مختلف في ختام أحاديثه حول هذا الميدان من العمل. “تجاربكم اليوم سوف تؤثر على التركيب الجزيئي جسمك للشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة أو، ربما، لبقية حياتك. خطط ليومك بناءً على ذلك”.
ملخص المقال:

الجينات، هي الوحدات الفعالة في مادتنا الوراثية، والتي سبق للأبحاث أن أثبتت أهميتها، ولكن هذا المقال تتضمن دراسات جديدة أثبتت أن هذه الجينات تتأثر وتؤثر حسب البيئة المحيطة بكل شخص. فعلى سبيل المثال الوحدة تؤثر على استجابة الجسم للأمراض، وسرعة التعافي. معلومات قيمة وجميلة جدا تجدونها في المقال.
“لم تعد التعبيرات الجينية لخلايا المخلوق بمعزل عن المحيط من علاقات اجتماعية وظروف بيئية. ففي هذا المقال تم عرض العديد من البحوث تعرض وتثبت هذا الارتباط وتستعرض بعض من نتائج هذه العلاقة”.

 

 

 

 

 

 

 

ترجمة: نورة العقيلي

Twitter: @NorahAQL

مراجعة: جهاد أبو الرب

Twitter: @jabulrob

 

 

المصدر:

Pacific Standard


شاركنا رأيك طباعة