جديد أبحاث الشيخوخة : من دم إلى دم

تاريخ النشر : 17/03/2015 التعليقات :0 الاعجابات :2 المشاهدات :2256
الكاتب نجلاء الحربي

طالبة ماجستير في الكيمياء الحيوية.

ابحاث الشيخوخة

 

تجلس هناك فأرتان بجانب بعضهما البعض بينما تقضمان قطعة من طعام تتشاركانها سوية. بينما تلتفت احداهما لليسار، يصبح من الواضح جداً رؤية أن الطعام ليس الشيء الوحيد الذي تتشاركانه. أقدامهما الأمامية والخلفية مثبتة معاً بشكلٍ جيد، وصفٌ من الغرز النظيفة تمتد على طول جسميهما وتربط بشرتيهما سويةً …! بالرغم من ذلك، تحت تلك البشرة ترتبط هاتين الفأرتين بشكلٍ أعمق مما نتصور؛ فكلٌ منهما تضخّ الدم للأخرى !

تُسمّى هذه العملية حرفياً بالتعايش الالتصاقي (Parabiosis)، وهي عبارة عن تقنية جراحيّة عمرها 150 سنة والتي يقوم مبدأها على ربط الأوعية الدموية لحيوانين على قيد الحياة. (وعندما نتأمل في المعنى الحرفي للكلمة الإنجليزية Parabiosis فهي من أصلٍ يوناني؛ Para تأتي بمعنى جنباً إلى جنب، بينما bios تعني الحياة). هذه التقنية تحاكي اللحظات الطبيعية للإمداد بالدم المشترك كما يحدث في حالة التوائم السيامية أو كما في حالة الحيوانات التي تتشارك مشيمة واحدة في رحم الأم.

في المختبر، تُقدّم تقنية التعايش الالتصاقي فرصة نادرة لمعرفة ماذا يمكن أن تفعل العوامل المنتشرة في دم حيوانٍ ما عندما تدخل جسد حيوان آخر، فقد أفضت التجارب في أزواج القوارض التي تم عمل هذه التقنية عليها إلى تقدم هائل في عددٍ من العلوم مثل: علم الغدد الصمّاء، علم الأورام، وعلم المناعة. ولكن معظم هذه الاكتشافات كانت قد حصلت قبل أكثر من 35 عاماً ولأسبابٍ غير واضحة تماماً، لم تعد هذه التقنية مثيرة للإهتمام من بعد السبعينات الميلادية من القرن الماضي.

ومع ذلك، ففي السنوات القليلة الماضية، قام عدد صغير من المختبرات بإعادة استخدام تقنية التعايش الالتصاقي مرةً أخرى، وخاصةً في مجال أبحاث الشيخوخة. فعندما تمّ دمج نظام أوعية الفأر المُسن الدموية مع أوعية الفأر الشاب، حصل العلماء بذلك على نتائج استثنائية ولافتة للأنظار كثيراً. كان ذلك في القلب، والدماغ، والعضلات وتقريباً كل نسيج آخر تمّ فحصه، حينما أظهر دم الفأر الشاب قدرته على جلب نوعٍ من الحياة والتجديد في تلك الأعضاء المُسنّة، حيث جعل ذلك الفأر المُسنّ أقوى، وأذكى، وأكثر صحةً. بل وعلاوةً على ذلك، فقد أصبح فراء الفأر المُسنّ أكثر لمعاناً. وكنتيجةً لذلك، فقد بدأت هذه المختبرات الآن بتحديد المكونات الموجودة في الدم الشاب والمسؤولة عن تلك التغييرات. وفي سبتمبر الماضي، أُقيمت تجربة طبية في كاليفورنيا كانت الأولى من نوعها في اختبار فوائد الدم الشاب في كبار السنّ المصابين بمرض ألزهايمر.

يقول د.توني وايسكوراي، طبيب الأمراض العصبية في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا ومؤسس الشركة التي تقوم بالتجربة، عنها: “أعتقد بأنها إعادة الشباب، نحن سنقوم بإعادة بدء ساعة التقدم في السن”. بينما العديد من زملائه يبدون أكثر حذراً من قول هكذا افتراضات، فهنا تتحدث آمي ويجرز، وهي باحثة في الخلايا الجذعية في جامعة هارفرد بكامبريدج والتي قامت بتحديد نوع العامل المسؤول عن إعادة الشباب للعضلات في دماء الفأر الشاب، قائلة: “نحن لسنا نقوم بالرجوع للوراء بسنّ الحيوانات”. ويجرز عارضت تلك الفكرة معلّلة أن تلك العوامل لا تقوم بتحويل الأنسجة المُسنّة إلى أنسجة شابة، إنّما تقوم بمساعدة الأنسجة المسنّة على إصلاح الأضرار الحاصلة فيها، فتقول: “نحن نستعيد الوظائف مجدداً للأنسجة”.

وقد أكدت ويجرز أنه لم يقم أحداً بشكل مقنع بإثبات أنّ الدم الشاب بإمكانه إطالة الحياة، ولا يوجد هناك أي وعد بأنّ ذلك سيحدث مستقبلاً. بالرغم من ذلك، فقد قالت بأنه من الممكن أن تلك العوامل الموجودة بالدم الشاب تكون لديها القدرة على مساعدة كبار السن في الشفاء بعد العمليات الجراحية، أو في معالجة أمراض الشيخوخة.

مارك ماتسون، رئيس مختبرات علم الأعصاب في المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة في ماريلاند، والذي لم يشارك في تجربة التعايش الالتصاقي، يقول مازحاً: ” إنه مستفز جداً ويجعلك تفكر: ربما يجدر بي أن أخزن بعضاً من دم حفيدي، فأحصل على البعض منه عندما تعتريني بعض المشاكل الإدراكية! ”

 

  • قوة الاثنين معاً

بول بيرت، عالم الوظائف الحيوية، كان قد أدّى أول تجربة للتعايش الإلتصاقي في العام 1864م كما ذكر في التسجيلات القديمة. وكان ذلك عندما أزال قطاع من بشرة الخاصرة لاثنين من الجرذان البيضاء ثمّ قام بخياطة جسدي الحيوانين معاً آملاً في صنع نظام أوعية دموية مشترك بينهما. من هنا، قامت طبيعة الجسدين بعمل المتبقي: فقد كانت عملية شفاء الجرح الطبيعية من دمجت النظام الدموي لدى الحيوانين كشعيرات دموية نمت من جديد في التقاطع بينهما. وجد العالم بيرت بعد ذلك أن السائل الذي يُحقن في وريد أحد الجرذين يعبر بسهولة إلى وريد الجرذ الآخر، فكان هذا العمل الذي جعل العالم يفوز بجائزة الأكاديمية الفرنسية للعلوم عام 1866م.

منذ تجارب بيرت الأولية، لم تتغير الطريقة كثيراً؛ فهي عُملت أيضاً على الهيدرا -وهي عبارة عن كائنات لا فقارية صغيرة قريبة من قنديل البحر- والضفادع وكذلك الحشرات، ولكن تبيّن أنها تُظهر أفضل النتائج عند عملها على القوارض التي تتعافى بشكلٍ جيد بعد العملية. وحتّى منتصف القرن العشرين، فقد استخدم العلماء الأزواج الملتصقة من الفئران أو الجرذان لدراسة الظواهر المختلفة عليها. فعلى سبيل المثال، قام فريق بطرح فكرة أن تسوس الأسنان يكون نتيجة كمية السكر في الدم وتمّ دراسة ذلك عن طريق استخدام زوج من الجرذان الملتصقة، بحيث يكون أحدهما فقط يُغذّى بنظام غذائي يومي من الجلوكوز. كلٌّ من الجرذين كان لديه مستوى الجلوكوز بالدم مقارب للآخر وذلك نتيجة للنظام الدموي المشترك ما بينهما، إلاّ أنّ الوحيد الذي أصيب بالتسوس كان الجرذ الذي تغذّى على الجلوكوز بنفسه.

كلايف مكاي، عالم كيمياء حيوية وأخصّائي في الشيخوخة في جامعة كورنيل في نيويورك، كان أوّل من طبّق تقنية التعايش الالتصاقي في دراسة الشيخوخة. كان ذلك في عام 1956م، عندما قام فريقه بدمج 69 زوج من الجرذان من مختلف الأعمار تقريبًا حيث اشتملت على زوج يتكون من جرذ يبلغ من العمر شهراً ونصف وتمّ ربطه مع جرذ يبلغ من العمر 16 شهراً، وهو ما يساوي عند عمر الإنسان ربط طفل يبلغ 5 سنوات مع شخص عمره 47 سنة. ولكن للأسف، كانت التجربة مخيبة للآمال نوعاً ما، فقد كتب المؤلفون في وصف عملهم في التجربة: “عندما لا يتأقلم الجرذان مع بعضيهما البعض، سيقضم واحدٌ منهما رأس الآخر حتى يدمّره”. من بين الأزواج الـ69، مات منهم 11 زوجاً نتيجة لوضعٍ غامض سُمّي بمرض التعايش الالتصاقي، والذي يحدث على الأغلب بعد دمج الشريكين معاً بأسبوع أو أسبوعين وربما يكون السبب نتيجة لرفض الأنسجة.

اليوم، يتمّ عمل التقنية بحذر شديد وذلك لتفادي عدم ارتياح الحيوان وكذلك لتقليص معدل وفاته أيضاً. يقول توماس راندو، عالم أعصاب في جامعة ستانفورد والذي استخدم التقنية: “نقوم بمراقبة الفئران على الدوام ونقوم أيضاً بنقاشات مطولة مع لجنة رعاية الحيوان لدينا، نحن لا نأخذ هذا على محمل المزح”. يتمّ خلط الفئران ذات الجنس والحجم الواحد مع بعضها البعض لمدة أسبوعين قبل عملية الربط، وتتم العملية الجراحية في بيئة معقمة بالإضافة إلى التخدير، قطع التدفئة وبعضٌ من المضادات الحيوية لمنع انتشار وحصول العدوى. وقد تبين أنه باستخدام فئران المختبرات الطبيعية والتي تتوافق جينياً مع بعضها البعض، يمكن أن يُقلّص ذلك من خطر حدوث مرض التعايش الالتصاقي، فالفئران المربوطة تأكل، وتشرب وتتصرف بشكلٍ طبيعي تماماً، بالإضافة إلى أنه يمكن فصلهما بنجاح.

في تجربة العالم مكاي الأولى للتعايش الالتصاقي والشيخوخة، وبعد أن تمّ ربط الجرذان كبيرة السن مع صغيرة السنّ لمدة 9-18 شهراً، فقد ظهرت عظام الجرذان كبيرة السن مشابهة في الوزن والكثافة لعظام شريكتها الشابّة. وبعد 15 سنة في العام 1972م، قام باحثان في جامعة كاليفورنيا بدراسة دورة الحياة لأزواج الجرذان الكبيرة والشابّة. كانت الجرذان المربوطة الكبيرة في السن قد عاشت 4-5 أشهر أطول من فئران الضبط (وهي التي لم يتم عمل التقنية عليها أي أنها طبيعية)، ونتيجةً لذلك فقد طُرحَ اقتراح للمرة الأولى أنه ربما يكون النظام الدموي للجرذ الشاب قد أثّر على طول العمر للكبيرة في السنّ.

بغض النظر عن هذه النتائج الشاذة، فلم تعد تقنية التعايش الإلتصاقي قيد الإستخدام. فهؤلاء الذين درسوا تاريخ التقنية خمنوا إمّا أن الباحثين قد تعلموا كل ما باستطاعتهم منها، أو أن حاجز الحصول على موافقة المؤسسات لعمل دراسات التقنية قد أصبح مرتفعاً جداً ليصعب بعدها عمل هذه التقنية. أيّاً كان السبب، فقد توقفت التجارب، إلى أن أتى عالم خلايا جذعية يدعى ايرفينغ ويزمان وأعاد التقنية مجدداً إلى الحياة.

 

  • العودة إلى المصدر

كان العالم ويزمان قد تعلّم كيف يربط الفئران سويّةً عندما كان في 16 من عمره، وذلك تحت إشراف أخصائي علم أمراض في أحد المستشفيات في محافظة صغيرة في مونتانا عام 1955م. كان المشرف الأخصائي يدرس زراعة الأنتيجينات، وهي عبارة عن بروتينات تقع على سطح الخلايا أو الأنسجة المزروعة والتي تحدد هل يمكن أن يتقبلها أو يرفضها جسم المضيف. كان ويزمان يتذكر أن بعضاً من صبغة تقفي الأثر المشعة كانت تضاف إلى دم أحد الفئران في الزوج الذي تُقام عليه التجربة وبالتالي استطاع رؤية تلك الصبغة في الدم وهي تتحرك ذهاباً وإياباً ما بين الحيوانين، وقد عبّر عنها قائلاً: ” لقد كان ذلك مدهشاً حقاً !”.

ولقد أمضى ويزمان ثلاثة عقود وهو يدرس الخلايا الجذعية والتجديد في التلاصق الطبيعي في الغلاليات (بخّاخ البحر) وبالتحديد في فصيلة النجمة الغلالية الذهبية. ومن ثًمّ في عام 1999م، أرادت ويجرز وباحث آخر في دراسات ما بعد الدكتوراه في مختبر ويزمان ستانفورد، أن يقوما بدراسة حركة ومصير خلايا الدم الجذعية، ولذلك قام ويزمان باقتراح أن تقوم ويجرز باستخدام فأرين متلاصقين وأن تقوم بتمييز الخلايا التي تودّ أن تتبّعها إشعاعيّاً في أحد الفأرين. قادت تجارب ويجرز إلى اكتشافين انتشرا كانتشار النار في الهشيم في مجال طبيعة وتحرك خلايا الدم الجذعية، كما أن هذه التجارب قامت بإلهام زملاؤها في ستانفورد.

في عام 2002م، قامت إيرينا كونبوي، وهي باحثة لبحوث ما بعد الدكتوراه في مختبر راندو، قامت بتقديم أحد أوراق ويجرز البحثية في اجتماع لنادي المجلة. بينما كان يغط زوجها، مايكل كونبوي وهو باحث في مجال ما بعد الدكتوراه في نفس المختبر، في الوراء في نفس غرفة الاجتماع، سمع عن خياطة الفئران معاً واستيقظ على الفور، وقد عبّر قائلاً: “لقد كنا في نقاش طويل لسنوات طويلة حول كون الشيخوخة تصيب جميع خلايا الجسم وأنسجته”. بالرغم من ذلك، لم يكونوا قادرين على التفكير بتجربة واقعية بحيث تمكنهم من معرفة ما الذي ينسق ويساوي الشيخوخة في جميع أنحاء الجسم. أكمل  مايكل قائلاً: “لقد فكرت: لحظة! إن هذين الفأرين يتشاركان الدم نفسه! ربما تكون هذه هي الإجابة للسؤال الذي لطالما كنا نطرحه لسنوات عديدة”. في نهاية العرض التقديمي، ذهب مايكل إلى إيرينا وراندو، ولم يكمل جملته حتى فاجأه راندو: “لنقم بفعلها !”.

قام الباحثين جميعاً بتكوين فريق واحد مع ويجرز، والتي قامت بعمل أزواج الفئران الكبيرة مع الصغيرة في السن للتجربة والتي قامت بتعليم مايكل التقنية. يذكر راندو أنه لم يكن يتوقع أن تتمّ التجربة على نحوٍ صحيح، ولكنها تمت بشكل جيد. فخلال الخمسة أسابيع التي عُملت بها التجربة، كان الدم الشاب قد استعاد خلايا العضلات والكبد في الفئران كبيرة السن، وكان ذلك، كما لوحظ، أن الدم الشاب قام بتنشيط الانقسام مجدداً في الخلايا الجذعية المسنّة. وقد وجد الفريق أيضاً أنه نتج عن الدم الشاب تعزيز النمو في خلايا الدماغ في الفئران المسنة، بالرغم من أن هذه النتائج لم يتم ذكرها في الورقة التي أصدرها الفريق عام 2005م والتي وصفوا فيها نتائجهم. وبشكلٍ عام، فلقد اقترحت النتائج أن الدم يحتوي على عامل أو عوامل متملصة تقوم بتنسيق الشيخوخة في مختلف الأنسجة.

بعد أن قام الفريق بنشر نتائجه، بدأ هاتف راندو بالرنين بشكل غير منقطع. فكانت بعضاً من الإتصالات من مجلات صحية تبحث عن طريقة لبناء العضلات، بينما البعض الآخر كان من أشخاص قد ذهلوا بهذه الورقة وأرادوا معرفة ما إذا كان الدم الشاب يطيل العمر أكثر. ولكن وبالرغم من أن هنالك بعضاً من التلميحات أن هذا يمكن أن يكون صحيحاً منذ السبعينات، فلم يقم أحداً بإختبار الفكرة تماماً حتى الآن، فستكون التجربة ثمينة ومرهقة جداً.

بدلاً من ذلك، فقد تفرغ أعضاء فريق البحث الأصلي وذلك حتى يبحثوا بجهودهم الفردية ويحددوا ما هو العامل المسؤول عن آثار إعادة الشباب في الدم بشكل دقيق . وفي عام 2008م، قامت إيرينا وماكل كونبوي عندما أصبحا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بربط مسألة تجديد العضلات إما بتنشيط التأشيرات الخلوية للبروتين المستقبل (NOTCH ) –وهو الذي يسمح للخلية بعملية الإنقسام-، أو بتثبيط مسار عامل النمو المتغير (TGF-β) والذي يقوم بإعاقة انقسام الخلية. وبعد ذلك، في العام الماضي 2014م، كانوا قد تعرفوا على أحد عوامل مقاومة الشيخوخة الموجود في الدم: الأوكسيتوسين، وهو عبارة عن هرمون يُعرف بأنه المسؤول في الولادة، ويستعمل حالياً كعقار موافق عليه من قبل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لتسهيل وتخفيف آلام الولادة عند النساء الحوامل. تتناقص معدلات الأوكسيتوسين عند التقدم في العمر عند الرجال والنساء معاً, وعندما يتم حقنه في الفئران المُسنّة، يقوم الهرمون بشكل سريع وفي غضون أسابيع بتجديد العضلات وذلك عن طريق تنشيط خلايا العضلات الجذعية.

 

  • جميع الأعضاء

كانت ويجرز تتابع عمل مضادات الشيخوخة في هارفرد، عندما بدأت مختبرها الخاص عام 2004م. وقد طلبت بعض المساعدة من الخبراء في مختلف أنظمة الأعضاء الحيوية ليساعدوها في تقييم أثر الدم الشاب على الأنسجة الخاصة بهم. بالإضافة إلى عالم الأعصاب روبين فرانكلين في جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، كان فريقها قد أظهر بأن الدم الشاب يعزز إصلاح الحبل الشوكي المتضرر في الفئران المُسنّة. وبمعيّة عالم الأعصاب في هارفرد لي روبين، فقد وجدت ويجرز أن الدم الشاب يُحفّز تكوين الخلايا العصبية الجديدة في الدماغ ونظام الشم، ومع ريتشارد لي طبيب القلب في مستشفى النساء في بوستن، ماساتشوستس، فقد وجدت بأن الدم الشاب يعكس تأثير تصلب جدران القلب والتي ترتبط بالتقدم بالسن.

بدأت ويجرز برفقة لي في فحص البروتينات المتوفرة بكثرة في الدم الشاب ويفتقدها الدم المسن. وجدا أن أحدها كان هو عامل تمييز النمو رقم 11 أو (GDF11). ويجرز ولي أوضحا بأن الضخ المباشر لهذا العامل لوحده كان كافياً ليزيد فيزيائياً القوة وقدرة الاحتمال للعضلات وكذلك ليعكس ضرر DNA داخل خلايا العضلات الجذعية. بالرغم من ذلك، فلم تقم أي دراسة أخرى للفئران خارجاً عن مختبر ويجرز بمضاعفة الاكتشاف، إنما وُجد بروتين مشابه في ذبابة الفاكهة والذي يقوم بإطالة العمر ويمنع تحلل العضلات.

 

ولقد اُعتقد أن اكتشافات التعايش الالتصاقي الجديدة الشهيرة قد انتشرت بين أوساط المختبرات ذات الصلة. ويسكوراي والذي كان يعمل في الغرفة المجاورة لمختبر راندو كان قد اكتشف مسبقاً تغييرات بارزة في معدلات البروتينات وعوامل النمو في دم البشر المُسنين وفي المصابين بمرض ألزهايمر. وبعد أن قام بمتابعة نتائج الدماغ لمختبر راندو الغير منشورة، استخدم ويسكوراي أزواج الفئران المسنة والصغيرة ليبين أن الفئران كبيرة السن والتي تتعرض لدماء الفئران الشابة قد ازداد لديها معدل نمو الخلايا العصبية، بينما الفئران الشابة والتي تتعرض لدماء المسنة كان لديها انخفاض ملحوظ بالنمو. وقد لوحظت التغييرات نفسها في البلازما لوحده. يقول ويسكوراي: ” لم نضطر لمبادلة كامل الدم، إنه يعمل كالعقار”. لاحقاً، قام الفريق بملاحظة التغييرات الكلية في الدماغ، فوجدوا أن البلازما للفأر الشاب ينشط ليونة الدماغ وتكوين الذاكرة في الفئران المسنة، ويزيد القدرة على التعلم والذاكرة، عقّب ويسكوراي قائلاً: “لم نصدق أن هذا نجح فعلاً! “.

لم يصدق النقاد ذلك أيضاً، فيذكر ويسكوراي أنه في المرة الأولى التي سَلّم فيها هذا العمل إلى مجلة، قوبل بالرفض معللاً أن العمل كان جيداً جداً لدرجة يصعب معها أن يكون حقيقياً. ولذلك قام فريقه بإمضاء سنة كاملة في إعادة التجارب في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، والتي كانت بوسيلة مختلفة وطاقم مختلف وكذلك كانت الأجهزة والأدوات. وقد حصل الباحثين على نفس النتائج، يقول ويسكوراي: “بعد أن حصل ذلك، أحسست بالإطمئنان حقاً! ولقد اقتنعت أنه يعمل بنجاح! “.

وكان بحثه الذي نُشر في مايو الماضي، قد حاز على انتباه شركة في هونغ كونغ مملوكة من قبل عائلة لديها تاريخ في مرض ألزهايمر، والذي يتميز بفقدان الخلايا العصبية. فأحد أفراد العائلة يعاني من وضع صحي كان قد قيل عنه أنه قد تحسن بعد خضوعه لنقل البلازما. ولذلك قامت هذه الشركة بوضع تمويل مبدأي حتى يترجم نهج ويسكوراي لعيادات التجارب البشرية. ويسكوراي قام بإنشاء شركة مبتدئة تدعى ألكاهيست في مينلو بارك بكاليفورنيا، وفي سبتمبر من عام 2014م، بدأت الشركة بعمل تجارب عشوائية وعمياء تماماً في ستانفورد، لتختبر مدى أمان وفعالية استخدام البلازما الشابة في علاج مرض ألزهايمر. ستة من أصل 18 شخصاً مصاباً بمرض ألزهايمر وتتجاوز أعمارهم الخمسين عاماً، بدأوا بالفعل في تلقي البلازما التي تم أخذها واستزراعها من رجال بعمر الثلاثين فما فوق. بالإضافة إلى مراقبة أعراض المرض، فإن الباحثين يقومون بالبحث عن التغيرات في فحص أشعة الدماغ وكذلك في المؤشرات الحيوية للمرض في الدم.

 

  • دمُ سيء ؟

إنّ ويجرز مصممة على رؤية النتائج، ولكنها قلقة من أنه سيصبح من الصعب مقاطعة أي فشل يمكن حدوثه وبالتالي سيجعل هذا حقل هذه التقنية يرجع للوراء أكثر. فعلى سبيل المثال، البلازما المأخوذة من متبرع يبلغ 30 عاماً من عمره قد لا تحتوي على العوامل ذات الفائدة للمرضى بألزهايمر. فهي وراندو وآخرون يفضلون رؤية اختبارات لعوامل معينة في الدم أو مجموعة مركبة من عوامل معروفة مصنعة في المختبر، والتي يمكن أن توضح بشكل كامل آلية عمل التقنية.

ولكنهم أيضاً قلقين بشأن تنشيط الخلايا الجذعية، التي يبدو أن هذا ما يفعله الدم الشاب غالباً، لمدة طويلة قد ينتج عنه انقسام للخلايا بشكل زائد. يقول راندو: “إنّ شكّي يكمن في أن العلاج المزمن سواءًا مع البلازما أو العقارات الطبية، والتي تعيد الشباب للخلايا في الحيوانات المسنة سوف يؤدي إلى زيادة فرصة الإصابة بالسرطان. حتى لو تعلمنا كيف نستطيع إعادة الشباب للخلايا، فإنه أمرٌ نريد فعله بترويّ”.

 

ولكن مايكل كونبوي يعتريه القلق لسبب آخر، فهو قد رأى بما فيه الكفاية من أزواج الفئران التي تموت بسبب مرض التعايش الإلتصاقي ولذلك يبدو حذراً بخصوص تجربته على البشر: “سوف أكون حذراً من أي تجربة تحتمل كميات خطيرة من الدم أو البلازما يتم نقلها إلى شخص مسن على نحو منتظم”. يقول الرئيس التنفيذي لشركة ألكاهيست كارولي نيكوليتش أنه يتفهم أمور السلامة والقلق، ولكنه يؤكد على أن ملايين من عمليات نقل الدم والبلازما تمت بشكل آمن في البشر. يُتوقع أن تنتهي الدراسة الأولية لشركة ألكاهيست مع نهاية هذه السنة، وتعتزم الشركة أن تبدأ دراسات أخرى تختبر البلازما الشاب في علاج أنواع مختلفة من الجنون والحالات المتعلقة بالشيخوخة.

كل الاحتياط وسوء الفهم حول الدم الشاب قد تم توضيحه وتسويغه، وذلك بإعطاء التاريخ للتقنية والذي كان يحتوي على آمال في مجال مقاومة التقدم بالسن. ففي العقدين الماضيين، قام العلماء بتحديد الخصائص المقاومة للشيخوخة لعلاجات متعددة تتضمن الحميات الغذائية الصارمة، وريسفراترول وهو عبارة عن مادة كيميائية توجد في قشرة العنب، والتيلوميريز وهو انزيم يحافظ على سلامة الكروموسومات، ورابامايسين وهو عبارة عن عقار قامع للمناعة والذي ثَبُت أنه يطيل عمر الفئران، وأخيراً الخلايا الجذعية، والتي تتراجع في وظيفتها وعددها كلما تقدم سن الشخص.

ولكن فقط إثنان من العلاجات المذكورة سابقاً، وهما الحمية الصارمة ورابامايسين، قد أظهرا نتائج موثوقة في إبطاء أو عكس التأثيرات الناتجة عن التقدم بالسن على مستوى متنوع من العديد من أنسجة الثدييات، ولكن لم يفلح أحدهما بكونه علاجاً للتقدم بالسن. فالأول قد نتجت عنه نتائج متعارضة، بينما الأخير يحتوي على أعراض جانبية سامة.

وعلى النقيض تماماً، فإن الدم الشاب يظهر وكأنه يعكس آثار الشيخوخة، بالرغم من كونه مترافق مع بعض المخاوف المتعلقة بسلامة البشر بالإضافة إلى النتائج المؤيدة من دراسات التعايش الإلتصاقي والشيخوخة في مختبرات متعددة. لكنّ العلماء والأخصائيين الأخلاقيين لا زالوا قلقين إزاء تجربة العلاج على البشر خارجاً عن تجارب المختبرات الموافق عليها وقبل تقديم أي دليل على أمان العلاج وفعاليته. ويحذر ماتسون أنّ زراعة الخلايا الجذعية الغير مرخصة قد أصبحت صناعة مزدهرة، وبالتالي فإن النقل الغير مرخص للدماء الشابة سيصبح أكثر سهولة.

يقول لي تيرنر، وهو أخصائي أخلاقيات طبية في جامعة مينيسوتا في مينابوليس والذي قام بدراسة مجال المضادات للشيخوخة: “سوف تجد غالباً هذه الأسواق المربحة تبرز فوق أساس ضعيف لعمل موثوق”.

في الوقت الراهن، أي اداعاءات بشأن أن الدم الشاب أو البلازما ستطيل العمر تعد خاطئة؛ فالمعطيات الكافية ليست موجودة. وأي تجربة ستختبر صحة هذه الإدعاءات فستأخذ تقريباً مدة ستة سنوات، وذلك لإنتظار فئران التجربة حتى تشيخ، وتموت بشكل طبيعي، وبعدها تحليل النتائج والمعطيات. يقول مايكل كونبوي: “لو كان لدينا التمويل الكافي لفعل هذا، لفعلته. ولكننا لا نملكه. أتمنى أن يكون هناك شخص ما في مكان ما قادر على ذلك”.

 

 

المصدر :

Nature

 

 


شاركنا رأيك طباعة