قريباً ما سيصبح الطعام المصنوع من الغاز الطبيعي غذاءً للحيوانات، ولنا أيضاً

تاريخ النشر : 28/05/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :195

 

 

تم تكوين جميع ما نأكله من طعام خلال التقاط النباتات لضوء الشمس قبل أكله بشهور أو ببضع سنين. لكن بعض الطاقة التي في طبق طعامك سوف تصبح قريباً من نباتات التقطتها من ضوء الشمس قبل ملايين السنين، وبفضل هذه النباتات سوف تتغذى الماشية على الوقود الأحفوري.

تستعد شركة كاليستا Calysta في كاليفورنيا والمختصة بالتقانة الحيوية، للإعلان عن أول مصنع يستخدم الميكروبات لتحويل غاز طبيعي (غاز الميثان) لطعام غني بالبروتين على نطاق واسع على هيئة أعلاف للحيوانات. وسوف يقوم المصنع المزعم إنشاءه بالتعاون مع شركة التغذية العملاقة كارجيل Cargill بإنتاج 200.000 طن من العلف سنوياً.

وقد اعتمد بالفعل الاتحاد الأوروبي الطعام المصنع من غاز الميثان كعلف لمزارع الأسماك ولبعض الماشية مثل الخنازير. إلا أن شركة كارجيل تسعى لاعتماده في الولايات المتحدة ولنطاق يتعدى استهلاك حيوانات المزارع.  يقول رئيس شركة كارجيل آلان شو Alan Shaw: “نحن نسعى للانتشار حتى نبلغ القطط والكلاب، بل ربما البشر أيضاً”.

وفي سبتمبر 2016  قامت شركة كاليستا بافتتاح منشأةٍ صغيرة في منطقة  تيساد Teesside البريطانية لإنتاج 100 طن سنوياً من علف مزارع الأسماك. كما قامت شركة منافسة بريطانية وهي يوني بايو Unibio بافتتاح منشأةٍ بذات الحجم في الدنمارك بعدها بشهر. فكل من الشركتين تسعيان حثيثاً لمضاعفة إنتاجهما.

 

مرحلة الإحماء

هل تحويل الوقود الأحفوري لعلف للماشية أمر جيد؟ الجواب يعتمد على ما تراه أكثر أهميةً عندما تتصل المسألة بالحفاظ على البيئة.

فلو طبقت العملية على نطاق واسع، لقَلّ الطلب على الأراضي الزراعية المطلوبة لزراعة علف الماشية، كما سيقَلّ الطلب أيضاً على أعلاف مزارع الأسماك. يعلق شو: “سوف تحتاج لملايين الأطنان حتى تُحْدث فرقاً”.

لكن العملية أيضاً قد تزيد من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، مما يُعجّل من عملية الاحتباس الحراري. يقول بوب ريس Bob Rees الذي يدرس انبعاثات الغازات الدفيئة الناجمة عن الزراعة في الكلية الزراعية الأسكتلندية Scotland’s Rural College: “إن خيار استخدام الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة بدلاً من ضوء الشمس، ليس سليماً تماماً من الناحية البيئية”.

وقد تتمكن هذه التقنية أيضاً من إطعام رواد الفضاء لبلوغ الكواكب الأخرى. فعلى سبيل المثال، تشمل خطة  إلان ماسك Elon Musk صاحب مؤسسة سبيس إكس SpaceX لرحلة اكتشاف كوكب المريخ، توليد غازي الميثان والأكسجين لصنع وقود للصاروخ الفضائي. كما بالإمكان استخدامهم أيضاً لصنع الطعام. يؤكد شو ذلك بقوله: “لدينا تواصل مع مؤسسة سبيس إكس”.

تعتمد العملية على ميكروبات تتغذى على الميثان. فبكتيريا الميثانوتروفات methanotrophs  الماضغة للميثان، تقوم بالأساس بحرق غاز الميثان CH4 حتى تستحْصل على الطاقة، مما يُنتج غاز ثاني أكسيد الكربون CO2 والماء H2O كفضلات عن تلك العملية. ثم تستخدم بعضاً من هذه الطاقة لاحقاً لدمج بعض جزيئات الميثان لصنع جزيئات من الكربون أكثر تعقيداً، أي الطعام بمعنى آخر.

تطورت هذ القدرة منذ مليارات السنين (من المحتمل أنها تسبق التمثيل الضوئي) ومن الممكن اليوم أن تعثر على بكتيريا الميثانوتروفات أينما وُجِد الميثان الذي تتغذى عليه، من التسريبات الباردة في قاع البحر إلى البِرْكات والمُستنْقعات.

يرى بعض علماء الأحياء أن الطعام الغامض الناجم عن الميثانوتروفات يلعب دوراً أكبر وأكثر أهميةً مما يتصوّر في الأنظمة البيئية .

 

انْطِلاق الميثان

تستعمل شركة كاليستا بكتيريا تدعى المُسْتَخْفِيَةُ الميثيلِيّة Methylococcus capsulatus يتم تنميتها في أوْعية ضخمة وتغذيتها على الميثان. ثم تجفف لاحقاً وتُقطع على شكل كُريّات (أقرب لشكل مكرونة السباغيتي).

كان أول من بحث فكرة استخدام الميثان هي شركة البترول النرويجية ستات أويل Statoil المملوكة للدولة، وذلك في ثمانينات القرن الماضي. وفي بداية القرن الحالي، شيّدت معملاً قادر على إنتاج 10.000 طن من الأعلاف سنوياً. ولكن أسعار الغاز كانت مرتفعة في تلك الفترة، كما أن الاتحاد الأوروبي لم يوافق على المنتج حينها. فتم إغلاق المعمل وبيعت التقنية لشركة كاليستا.

ولكن اليوم ومع انخفاض أسعار الغاز والحصول على موافقة الاتحاد الأوروبي، يراهن شو بأن هذه التقنية مُقبِلة على فترة ازدهار. وهو ما تراه كذلك الشركة المنافسة يوني بايو.

تُسوّق الشركتان المنتج بناء على فوائده البيئية. يقول شو، بأن هذا المنتج هو: “تباشير لحقبة جديدة في السباق نحو البحث عن غذاء مستدام لسكان العالم المتزايد”. بينما موقع شركة يوني بايو يذهب أبعد من ذلك مدعياً بأن منتجهم سوف “يقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 52%”. فهل ما يدْعونه صحيح؟

كلفت شركة كليستا منظمة كربون ترست Carbon Trust التي تقدم النصائح للحكومات والشركات حول كيفية تخفيض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، بعمل تقرير حول تأثير منتجاتهم المشتقة من الميثان على البيئة. ويقارن التقرير بين مساحة الأراضي المطلوبة، ومقدار المياه المستخدمة، وانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الناجمة، من عدة طرق لإنتاج الأعلاف.

يستنتج التقرير بأنه عند استخدام ميثان أحفوري المصدر، فإن غاز ثاني أكسيد الكربون الناجم من إنتاج الطن الواحد للعلف هو أضعاف ما ينتجه أي مصدر آخر، ما عدى مسحوق الدم[1].

بينما ادعاءات شركة يوني بايو مبنية على إنه بعد صنع العلف (وقبل استهلاكه) فإن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون المطلقة في الغلاف الجوي هي أقل تقريباً بمقدار النصف مما لو كان الغاز قد أحرق[2] أو اشْتعل[3].

 

حقيقة الانبعاثات

إلا أن هذه الادعاءات لا تكشف سوى نصف الحقيقة. فانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون على المدى الطويل هي ذاتها. مثلما يبين ريس ذلك بقوله: “إن أي كربون مُسْتقر في المادة الغذائية سوف يتحرر في النهاية إلى الغلاف الجوي على هيئة غاز ثاني أكسيد الكربون. فلا معنى إذن من كل هذه الادعاءات”.

كما يؤكد رئيس شركة يوني بايو هنريك بوش لارسن Henrik Busch Larsen ذلك بقوله: “الحقيقة هي أن الحيوانات تطلق غاز ثاني أكسيد الكربون نتيجةً لعملية الأيْض كما هو حاصل عند البشر. لكن حساباتنا لا تأخذ ذلك بعين الاعتبار، فنحن نرى أن حسابات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون صحيحة إذا ما قورنت بغاز الشعلة[4]. إلا أن الاعتراف بذلك يجب أن يكون حاضراً في سياق ادعاءنا السابق”.

من الممكن نظرياً خفض انبعاثات الكربون بنسبة كبيرة عند استخدام الميثان من مصادر الطاقة المتجددة، مثل الغاز الحيوي[5] الناجم من مخلفات المزارع أو مكّبات النفايات. فهي على سبيل المثال، سوف تُخفِض الانبعاث لمستوى يساوي الأعلاف المصنوعة من القمْح أو فول الصويا.

يقول توم كابلِقس Tom Cumberlege من منظمة كربون ترست وأحد المشاركين في التقرير: “إن الأعلاف ذات انبعاثات الكربون المنخفضة واستغلال أَقَلّ للمساحة مع استهلاك أَقَلّ من المياه هي مطلب لا شك فيه”.

إلا أن المسكوت عنه هنا هو في عدم وجود مصادر ضخمة ورخيصة من الغاز الحيوي. “وهو أمر لن يحدث أبداً”، حسب كلمات شو. لذلك ستستخدم المصانع الأمريكية الغاز الطبيعي من مصادرة المعتادة، لا من مصادر جديدة (باستخدام تقنية التصديع الهيولي Fracking).

أما على الجانب الإيجابي، فإن التقرير يقول بأن علف شركة كاليستا يتطلب القليل من الماء والأرض مقارنةً بجميع الوسائل الأخرى لإنتاج الاعلاف. وقد يرى البعض إنها ميزة تفوق ميزة خفض انبعاثات الكربون.

يعلق شو، بأنه ليس من المتوقع من هذه التِّقانة (التكنولوجيا) أن  تعالج جميع المشاكل، ويقول: “وأنا هنا أشير لمشكلة الأمن الغذائي والمحافظة على المحيطات، وكذلك المحافظة على فول الصويا عبر منع قطع الغابات الاستوائية. لأن أخذ الأسماك من المحيطات لإطعام أسماك أخرى هو أمر لا يطاق (بيئياً)”.

 

[1]  blood meal، وهو دم البهائم المجفف والمعقم بنسبة بروتين 80% وهو لا يصلح للهضم لاحتوائه على هيموغلوبين الدم الذي لا يتأثر بالعصارات الهضمية لذلك يستخدم كسماد عضوي

[2]  تفاعل كيميائي، وهي عملية أكسدة مع حرارة

[3]  اتحاد كيميائي ينتج نار، نتيجة التقاء مادة قابلة للاشتعال مع حرارة وأكسجين

[4]  Gas flare هو الغاز المنبعث نتيجة حرق الغازات المصاحبة لإنتاج النفط والغاز والمشتقات البتروكيميائية. (http://www.adgas.com/Ar/news/Pages/What-is-Flaring.aspx)

[5]  يطلق مصطلح Biogas  على مخلوط الغازات الناتجة من تخمير المخلفات العضوية بمعزل عن الهواء وبمساعدة الميكروبات اللاهوائية (http://www.arsco.org/detailed/7ab35d27-428c-4cb6-96a9-425d7bb38508)

 

 

 

 

 

ترجمة: فهد محمد الحزمي

Twitter: @Q8_Lines

تدقيق: نور الراعي

Twitter: @sham3t2mal

 

المصدر:

New Scientist


شاركنا رأيك طباعة