ما الذي يعنيه عدم إيجاد جسيمات جديدة للفيزياء

تاريخ النشر : 17/03/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :572
المراجع أسماء محمد

أحببت عملي مع نون العلمية كثيرًا فقد فتح آفاقًا و سدد جهودًا ، مرحبا بكل عشاق العلم و المعرفة ..أتمنى أن تجدوا المتعة و الفائدة فيما نقدم هنا =)

ما-الذي-يعنيه-عدم-إيجاد-جسيمات-جديدة-للفيزياء

يواجه الفيزيائيون كابوسهم! فما الذي يقوله غياب جسيمات جديدة عن كيفية عمل الطبيعة؟

الفيزيائيون الذين يعملون في المصادم الهادروني الكبير (LHC) في أوروبا قاموا باستكشاف خصائص الطبيعة عند طاقات عالية جدًا لم تجرب من قبل، ووجدوا نتيجة عميقة: لا شيء جديد.

 

إن النتوء غير الشهير للجسيم الرنيني الناتج عن فوتونين متماثلين والمسمى نتوء ثنائي الفوتون الذي ظهر في الرسوم البيانية في شهر ديسمبر الماضي اختفى، مما يشير إلى أنه كان مجرد تأرجح إحصائي عابرًا بدلًا من جسيم أساسي جديد. في الواقع لم تجد أجهزة التصادمات أي جسيمات على الإطلاق غير تلك المصنفة ضمن النموذج المسيطر وغير الكامل ألا وهو “النموذج المعياري” للجسيمات الأولية الفيزيائية. في حطام التصادم، لم يجد الفيزيائيون أي جسيم يفسر المادة المظلمة، لا أشقاء أو أبناء عم لجسيم هيجز، لا أثر لأي أبعاد إضافية، لا كوراكاتليبتو وفوق كل هذا لا شيء من جسيمات التماثل الفائق التي يتوقون إلى إيجادها بيأس والتي بإمكانها أن تحقق المعادلات وترضي “الطبيعية”naturalness وهو مبدأ عميق يشرح كيفية عمل القوانين الطبيعية.

 

يقول نيما أركاني حامد – وهو أستاذ فيزياء في مؤسسة الدراسات المتقدمة في برينستون -: “من الصادم أننا فكرنا بهذه الأشياء لقرابة ثلاثين عامًا ولم نقم بتنبؤ صحيح واحد قاموا هم برؤيته”.

و قد برزت أخبار في المؤتمر العالمي لفيزياء الطاقة العالية في شيكاغو خلال الأيام الماضية القليلة في عرض عن تجارب أطلسATLAS وCMS ، التي تقع أدوات الكشف الشبيهة بالكنائس الخاصة بهما موضع الرقمين 6 و 12 في الساعة في مدار المصادم الهادروني الكبير ذي المسار المقدّر بقيمة 17 ميل. كلا الفريقين يعمل في كل منهما أكثر من 3000 شخص، كانوا يعملون بسرعة محمومة خلال الأشهر الثلاثة الماضية بهدف تحليل بيانات متخمة تم الحصول عليها من جهاز بدأ يعمل أخيرًا بسرعة بعد تحديثه إلى ما يقارب ضعف طاقة عمله السابقة.

إنه يقوم الآن بإحداث تصادم بين بروتونات طاقتها تعادل 13 تريليون فولت – أكثر بثلاثة عشر ألف مرة من كتلة الفوتونات منفردة – وهذا كافٍ لتوليد مواد خام لإنجاب جسيمات أولية عملاقة، في حال كانت هذه الجسيمات موجودة.

حتى الآن لم يتم إيجاد أي منها. هذا الأمر سبب حزنًا للكثيرين خاصة بعد فقدان “نتوء ثنائي الفوتون” وهي أزواج زائدة من الفوتونات ظهرت فجأة في بيانات العام الماضي في دفعة البيانات الأولية الخاصة بطاقة 13 TeV، والتي تم كتابة حوالي 5000 ورقة علمية من قبل الفيزيائيين النظريين للتكهن حول مصدرها. الإشاعات حول اختفاء نتوء ثنائي الفوتون في بيانات هذا العام بدأت بالتسرب في يونيو، مما أثار دوارًا بعد السَكَر سببه ثنائي الفوتون في مجتمع كامل. قال رامان سندرم وهو فيزيائي نظري في جامعة ماريلاندبأنه: “كان بإمكانهلوحده أن يشير إلى مستقبل مثير لتجارب الجسيمات. اختفاؤه يعيدنا إلى نقطة البداية”.

 

فقْدُ فيزياء جديدة يعمّق من أزمة بدأت عام 2012 مع تشغيل المصادم الهادروني الكبير للمرة الأولى، عندما تبين أن التصادمات الخاصة به عند طاقة 8-TeV لن ينتج عنها أي جسيمات جديدة غير تلك الموجودة في النظام المعياري. (جسيم هيجز الذي اكتشف ذلك العام كان الأحجية الأخيرة في النموذج المعياري، بدلًا من أن يكون امتدادًا جديدًا له.) جسيم جديد قد يظهر لاحقًا هذه السنة أو السنة القادمة كفارس على حصان أبيض، أو بينما يُتحصّل على البيانات الإحصائية خلال فترة زمنية أطول، فإن مفاجأة في تصرفات الجسيمات المعروفة قد يشير بشكل غير مباشر إلى وجود فيزياء جديدة. ولكن العلماء يقوون أنفسهم بشكل متزايد لمواجهة السيناريو الكابوسيّ، الذي فيه لا يقدم المصادم الهادروني الكبير أي مسار جديد لنظرية متكاملة أكثر حول الطبيعة.

 

بعض الفيزيائيين النظريون يجادلون بأنه قد حان الوقت للمجال بأكمله أن يبدأ بالتعامل مع الرسالة الخالية من النتائج. غياب أي جسيمات جديدة يعني بشكل حتمي أن القوانين الفيزيائية ليست طبيعية كما كان الفيزيائيون لوقت طويل يعتقدون، يضيف سندرم: “مبدأ الطبيعة محفّز بشكل جيد، لدرجة أن غيابه يشكل اكتشافًا ضخمًا”.

 

قطع ناقصة

السبب الرئيسي وراء شعور الفيزيائيين بأن النموذج المعياري قد لا يكون القصة الكاملة هو أن محوره، جسيم هيجز، يملك كتلة تبدو غير طبيعية. في معادلات النموذج المعياري، جسيم هيجز يرتبط بعديد من الجسيمات الأخرى. وهذا الارتباط يمنح تلك الجسيمات الكتلة، مما يسمح لهم بالمقابل بأن يشتقوا قيمة كتلة جسيم هيجز جيئة وإيابًا، كمتسابقين في مسابقة شد الحبل. بعض المتسابقين أقوياء جدًا – بعض الجسيمات المرتبطة افتراضيًا بالجاذبية قد تشارك في منح (أو إنقاص) ما قد يصل إلى 10 مليون بليون تيرا إلكترون فولت إلى كتلة جسيم هيجز – مع ذلك ولسبب ما كتلته ينتهي بها المطاف إلى أن تُقدر بحوالي 0.125 TeV، كما ينتهي المطاف بالمتسابقين في شد الحبل إلى تعادل شبه كامل. هذا يبدو سخيفًا ما لم يكن هناك تفسير منطقي لكون الفرق المتسابقة متشابهة بشكل كامل.

 

التناظر الفائق كما أدرك النظريون في بداية الثمانينات الميلادية يفي بالغرض. حيث يفترض أنه مقابل كل فيرميون متواجد في الطبيعة – جسيم من الطبيعة، مثل الإلكترون أو الكوارك، يُضاف إلى كتلة جسيم هيجز – يوجد “بوزون” ذو تناظر فائق أو جسيم ناقل للقوة يقلل من كتلة جسيم هيجز. بهذه الطرق كل متسابق في لعبة شد الحبل له قوة مساوية ومناظرة للآخر، وجسيم هيجز يستقر طبيعياً. الفيزيائيون النظريون أبدعوا بإيجاد اقتراحات بديلة لكيفية تحقيق مبدأ الطبيعة، لكن كان للتناظر الفائق حجة في صالحه: فهو يؤدي لأن تكون شدة الثلاثة قوى الكمومية متقاربة عند الطاقات العالية، مقترحًا أنهم كانوا متحدات في بداية الكون. وأن هذا أدى إلى تكون جسيم مستقر وجامد بكتلة مناسبة ليكون هو المادة المظلمة.

 

قالت ماريا سيربولو – عالمة فيزياء الجسيمات في معهد كاليفورنيا للتكنولوجياة – وأحد أعضاء فريق CMS “كنا قد اكتشفنا كل شيء”، وأضافت: “لو سألت أحدًا من جيلي، فلقد كنا نعتقد تقريبًا أن التناظر الفائق موجود حتى لو لم نكتشفه. لقد كنا نؤمن به”.

بالتالي كانت المفاجئة حين لم يظهر الشركاء فائقي التناظر للجسيمات المعروفة – بداية في مصادم الإلكترون -بوزترون الكبير في التسعينات، ثم في تيفاترون في التسعينات وبداية الألفية، والآن في المصادم الهادروني الكبير. فيما بحثت المصادمات في الطاقات العالية جدًا وغير المسبوقة، اتسعت المسافة بين الجسيمات المعروفة وشركائها المفترضون فائقي التناظر، والتي يجب أن تكون أثقل بكثير حتى تتفادى اكتشافها. في النهاية أصبح التناظر الفائق “مكسورًا” إلى درجة أن تأثير الجسيمات وشركائها الفائقين على كتلة جسيم هيجز لا يلغي بعضه، مما يعني فشل التناظر الفائق في كونه حلًا لمشكلة الطبيعة. يجادل بعض الخبراء في كوننا تعدينا هذه المرحلة بالفعل. وآخرون، يسمحون بمزيد من الحرية في كيفية ترتيب بعض العوامل، يقولون أن هذا يحدث الآن، مع أطلس و  CMS فيما يبعدون كوارك التوقف – وهو الشريك الفائق للكوارك العلوي ذي طاقة 0.173 TeV – وذو كتلة تصل إلى واحد ترليون إلكترون فولت. وهو بالفعل ستة أضعاف انعدام التوازن بين الكواركين العلوي والتوقف في لعبة شد الحبل الخاصة بهيجز. حتى لو وُجد كوارك توقف أثقل من 1 ترليون إلكترون فولت، سيكون تأثير شده على جسيم هيجز أكبر من المقدار المطلوب لحل المعضلة التي أوجدناه لحلها.

 

البعض سيقولون أن هذا يكفي، لكن البعض الآخر سيجد بعض الثغرات ليتعلق بها. ما بين امتدادات التناظر الفائق الكبيرة في النموذج المعياري، هنالك طرق معقدة مختلفة يتحد فيها كوارك التوقف الأثقل من 1 TeV مع جسيمات تناظر فائق أخرى ليعطوا توازنًا للكوارك العلوي ليضبطوا كتلة جسيم هيجز. النظرية تحتوي على العديد من الاحتمالات،والنماذج المختلفة مما يجعل من نبذها تمامًا مستحيلًا.

جو انكانديلا – وهو فيزيائي يعمل في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا – وقد أعلن عن اكتشاف جسيم هيجز بالنيابة عن اتحاد CMS في 2012، والقائد لأحد أبحاث كوارك التوقف يقول: “إن كنت ترى شيئًا، بإمكانك صنع نموذج لما ترى أو تقول قولًا مستقل بأنك رأيت شيئًا لكن عدم رؤية أي شيء أكثر تعقيدًا”.

 

الجسيمات تستطيع الاختباء في الأماكن المظلمة والأركان. إذا كان للكوارك العلوي والنيوترالينو الأخف (جسيم تناظر فائق مفترض للمادة المظلمة) على سبيل المثال نفس الكتلة تقريبًا فربما لا يزالان مختبئان. السبب في هذا أنه لو تكون كوارك توقف في تصادم، وانحلّ منتجًا ننيوترالينو، فإن جزءًا قليلًا من الطاقة سيتحرر ليأخذ شكل حركة. يقول كايل كرانمر من جامعة نيويورك وأحد أعضاء فريق أطلس: “عندما يتفكك كوارك التوقف، فهناك جسيم طاقة مظلمة قابع في مكان ما، إنك لا تراه. لذا يصعب البحث في هذه المناطق” وفي هذه الحالة، كوارك توقف ذو كتلة ضئيلة بمقدار يقارب 0.6 TeV قد لا يزال مختبئًا في البيانات.

سيناضل التجريبيون لسد هذه الثغرات في السنوات القادمة، أو لإخراج الجسيمات المختبئة. في تلك الأحيان النظريون المستعدون للمضي قدمًـا يواجهون حقيقة أنهم لا يملكون أي توجيهات من الطبيعة للاتجاه الذي يجب عليهم أخذه. يشير أركاني-حامد إلى الموقف بقوله: “إنه موقف مشوش وغير حتمي”.

 

أمل جديد

العديد من نظريي الجسيمات يعترفون الآن بالاحتمال الذي يلوح في الأفق من فترة: أن كتلة جسيم هيجز هي ببساطة غير طبيعية. قيمتها الصغيرة ناتجة من إلغاء عرضي ومضبوط فيلعبة شد حبل كونية ونحن نشاهد هذه الخاصية الغريبة لكون حياتنا تعتمد عليها. في هذا السياق يوجد العديد، والعديد من الأكوان، كل منها يحدده احتمال مختلف من مجموع التأثيرات. من بين كل هذه الأكوان، فقط تلك التي تحتوي على بوزونهيجز بوزن الضوء بمحض الصدفة هي التي سيُسمح فيها للذرات بأن تتشكل وبالتالي أن تعطي فرصة للكائنات الحية بأن تتواجد. ولكن هذه الحجة “الإنسية” غير مرغوبة على نطاق واسع لأنه لا يمكن التحقق من صحتها بالاختبار.

 

في السنتين الماضيتين، بعض الفيزيائيون النظريون بدأوا بابتكار تفسيرات طبيعية جديدة تمامًا لكتلة جسيم هيجز مبتعدين عن تفسيرات تعتمد على القدريّة والإنسية ولا على اكتشاف جسيمات جديدة في المصادم الهادروني الكبير. الأسبوع الماضي في سيرن، بينما كان زملاؤهم التجريبيون في مكان آخر منشغلون في بناء بيانات مطحونة في البحث عن مثل هذه الجسيمات، عقد النظريون ورشة عمل لمناقشة الأفكار الوليدة مثل فرضية ريلاكسيون – التي تفترض أن كتلة هيجز بدلًا من كونها تشكلت بسبب التناظر، قد تشكلت ديناميكيًا بولادة الكون – والطرق المحتملة لاختبار هذه الفرضيات. ناثانيالكريغ – من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا – والذي عمل على فكرة تُدعى “طبيعة الطبيعة” قال في محادثة هاتفية في ورشة عمل سيرن: “الآن بما أن الجميع قد تجاوزوا أثر ما بعد السكر على ثنائي الفوتون، الآن نعود إلى الأسئلة الموجهة للتأقلم مع نقصان احتمالية الحصول على أي فيزياء جديدة من سيرن”.

 

أركاني حامد مع زملاء آخرين اقترح مؤخرًا مقاربة جديدة سموها “ن طبيعة” أو “Nnaturalness” قال: “هناك العديد من النظريين وأنا منهم الذين يشعرون بأننا في وقت فريد تمامًا، حيث الأسئلة المطروحة على الطاولة ضخمة حقًا، بنائية، وليست مجرد تفاصيل عن الجسيم الجديد القادم. إننا محظوظون لكوننا نعيش في هذه الفترة – حتى لو لم يكن هناك تقدم كبير ومؤكد خلال أيام حياتنا”.

فيما يعود النظريون إلى سبوراتهم، الستة آلاف تجريبي الذين يعملون في أطلس و CMS يخوضون في استكشافهم في عالم لم يتم اكتشافه من قبل. تقول سبيروبولو: “كابوس “ما الذي يعنيه هذا؟ إننا نستكشف الطبيعة”. ربما لا نملك الوقت للتفكير بكوابيس مثل هذه، لأننا نغرق في البيانات ومتحمسون للغاية”، لا يزال هناك أمل بأن فيزياء جديدة قد تظهر. لكن اكتشاف لا شيء، في وجهة نظر سبيروبولو هو اكتشاف أيضًا خاصة حين يكون مقدمة لموت أفكار عزيزة. وكما قالت “لا دين للتجريبيين”.

بعض النظريون يتفقون معها. إن الحديث عن خيبة الأمل هو كما يقول أركاني-حامد: “حديث مجنون. إنها الطبيعة! ونحن نتعلم الأجوبة! هؤلاء الستة آلاف شخص يكدحون وأنت تعبس كطفل صغير لأنك لم تحصل على مصاصة أردتها؟”

 

 

 

 

ترجمة: آلاء المشيقح

مراجعة: أسماء محمد القحطاني

 

 

المصدر:

Quanta Magazine

 


شاركنا رأيك طباعة