هل يجعلنا الإنترنت أكثر سعادة؟ هناك ثمن باهظ مقابل منافع تكنولوجيا الإنترنت

هل يجعلنا الإنترنت أكثر سعادة؟ هناك ثمن باهظ مقابل منافع تكنولوجيا الإنترنت

22 يناير , 2022

ترجم بواسطة:

ميار متولي

دقق بواسطة:

كريم طارق

علي الرغم من تقدم التكنولوجيا والإنترنت وتوفيره للوقت والجهد والمال إلا أن له آثار سلبيية فقد أثر علي العلاقات الاجتماعية والتواصل بين الأفراد في الواقع  بغض النظر عن مدى السرعة والفائدة التي ستصبح عليها تكنولوجيا الإنترنت، فلن تعتبر سريعة ومفيدة بما فيه الكفاية.

لست مناهضاً للتطور التكنولوجي، بل استخدم شبكة الإنترنت على الأقل بنفس قدر الشخص العادي وأنا منبهر بسرعته وكفاءته. فالمنتج الذي يصل أمام عتبة بابي بعد يوم من إجراء بضع نقرات يعتبر معجزة. ككاتب أود أنا أعبر عن مدى سعادتي بعدم الاضطرار للذهاب إلى المكتبة للبحث أو الحصول على إجابة لأسئلتي الكثيرة. فكما حدث مع الجميع، وفرت الكثير من الوقت والطاقة بأداء العديد من الأشياء دون الحاجة لمغادرة المنزل وخاصة خلال فترة الوباء.

ولكن هل أصبحت أسعد؟ أنا وبلا أدنى شك لا اعتقد ذلك. هل تحسّن المجتمع- أي العلاقات مع الآخرين- بطريقة يمكننا ملاحظتها؟ إجابتي هي لا. ربما تكون الحضارة قد تقدمت بشكل ما ولكن اعتقد قد دُفع مبلغ كبير في المقابل.

في الواقع، كان الناس عموما أقل رضاً مما أصبحوا عليه عندما بدأ الإنترنت في السيطرة على حياتنا قبل ربع قرن.  وأضيف أننا أصبحنا مجتمع أكثر إثارة للجدل مما كنا عليه  قبل نهاية القرن الماضي.

فالجميع غاضبون من بعضهم فكل منهم يعتقد أنه في وضع أسوء من غيره. الإجهاد أصبح داء هذا الزمن، والانكشاف الدائم للوعود الكاذبة للتكنولوجيا بجعل حياتنا أبسط. ووسائل التواصل الاجتماعي منقسمة بقدر ما هي طائفية، لدرجة أن الكثيرين يختارون المغادرة.

من الواضح أن التدخل المستمر للإنترنت في حياتنا اليومية لم يكن مجرد وجبة غذاء مجانية.  فلكل فعل رد فعل مساوٍ له وأخر معاكس له وأخر مساوٍ له – وفقا لقانون نيوتن الثالث للحركة-(بحثت عنه عبر الإنترنت) ويتضح أن هذا القانون يمكن تطبيقه على التكنولوجيا. وخير مثال على ذلك هو السيارة، فهي تتيح لنا الوصول إلى أي مكان بطريقة أسرع بكثير من المشي أو عن طريق الحصان. ولكن دفع ثمن تلك السرعة ملايين الأرواح بسبب الحوادث والتلوث.

بالنسبة لي، الجانب غير الإنساني للتكنولوجيا هو ما جعلنا نتراجع بنفس قدر تقدمنا. فالعواطف والمشاعر هما قلب وروح التجربة الإنسانية واللائي لا يمكن محاكاتهما إلا عبر الإنترنت. لا يمكن للبريد الإلكتروني أو أحد الرموز التعبيرية إيصال الكيمياء الحقيقية التي تحدث عندما يجتمع شخصين أو أكثر.  وأرى أننا أصبحنا أقل لطفاً وتعاطفاً ورحمة منذ أوائل القرن الواحد والعشرين واعتقد أن الكون الموازي الذي صنعناه له عامل كبير. الصبر- الذي اعتبره من الصفات المهملة جداً- شحيح التواجد في هذة الأيام، ففكرة “أنا أريد ذلك الآن” أصبحت طبيعة عصر الإنترنت.

بالرغم ما سيقوله الكثير من جيل الألفية وما بعده عن عدم جدوى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد نشأت في عالم تناظري يقدم رؤية قيمة. وبعد كل شئ، سكان المجتمع الرقمي -كما يطلق عليهم- لا يتذكرون فترة عمل فيها الناس بموجب القوانين الفيزيائية للزمان والمكان. اعتقد أن تلك القوانين تعتبر تكاملية من أجل الرفاهية النفسية للبشر، لأنها توفر حدوداً من خلالها نفهم العالم. فبدونها سنكون مشتتين في بحر عميق من المعلومات والبيانات لا نهاية له وللمفارقة يمكن أن تكون معلومات سطحية وغير موفية.

الانتقام لكل الأشياء المزدهرة والحنين لها له علاقة بشكل كبير مع رقمنة الحياة. قد تكون عقولنا راضية، ولكن أجسادنا تتوق للأشياء المادية والحسية. ونحتاج إلى الترياق بسبب الساعات الطويلة التي نقضيها أمام الشاشات. وغني عن القول، أن الإنترنت ليس له نفس أو روح، والشبح في ذلك الجهاز يتركنا يائسين في العثور على إجابات لأسئلة الحياة الكبيرة والتي حتى جوجل (Google) لا يعرف إجابتها.

حتى آلية عمل الإنترنت الأساسية -القدرة على القيام بالأشياء بشكل أسرع وأكثر دقة- بها إشكالية. السرعة والكفاءة الأكبر أشياء رائعة، ولكن هناك عيب، أنها ستجعلك تتعطش لسرعات وكفاءة أكبر فأكبر.  بغض النظر عن مدى السرعة والفائدة التي ستصبح عليها تكنولوجيا الإنترنت، فلن تعتبر سريعة ومفيدة بما فيه الكفاية.

وغني عن القول أن الإنترنت قد لعب دوراً رئيسياً في الإحساس بأن الوقت يتسارع. إنه لا يتسارع بالطبع، ولكن بسبب اختلاف العصر جعلنا نشعر أنه يجب أن نؤدي أشياء أكثر.  هذه الحلقة اللانهائية، جنباً إلى جنب مع عدم وجود بُعد مكاني للإنترنت، ساعدت على خلق شعور واسع النطاق بالتشوش الثقافي، حيث يمكن أن يحدث أي شيء في أي وقت وفي أي مكان. كما لو كنا نعيش داخل أغنية لدايفيد بيرن(David Byrne).

ومع ذلك، لم نرى شيئاً بعد،  فأجسادنا تتحول تدريجياً إلى شخصيات افتراضية (Avatars)  تتحرك من خلال الميتافيرس (Metaverse) أو ما يطلق عليه ما وراء الكون.  إذا كان مع حدث في الماضي مجرد البداية والقفزات السريعة والمتزايدة ستستمر، فإن الإنترنت سيلتهم العمل والمدرسة والترفيه وكل شئ كباك مان (Pac-Man) حتى يحجب العالمُ الافتراضي العالمَ الحقيقي. فبمجرد دخولك حفرة الأرانب التكنولوجية، نعلم أنه لا يوجد عودة إلى الوراء، ولا يسعني إلا أن اتساءل كيف ستكون الحياة بينما نحفر أعمق وأعمق في تلك الحفرة على مدى العقود القليلة القادمة. وبتغيير التشبيه، لقد غادر القطار المحطة ولكن قد نريد أن نفكر في أين يأخذنا.

المصدر: https://www.psychologytoday.com

ترجمة: ميار متولى

مراجعة وتدقيق: كريم طارق


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية