كيف تعلمت أن أدّرس مثل العلماء الباحثين؟

كيف تعلمت أن أدّرس مثل العلماء الباحثين؟

13 نوفمبر , 2019

إن التحليل والنقد، ومناقشة الآراء، وطرح الاقتراحات والفروض، واستخدام فاعلية الخيال، من الطرق الفعالة في تحفيز الطلاب للكشف عن إبداعهم، وقدرتهم على الابتكار، وهي من أساسيات إنجاز البحوث العلمية بطريقة صحيحة.



بعد مسيرة موفقة كمدرسة لعلم الأحياء في الجامعة، وصلت لمرحلة التقاعد، سألني رفيقي في العمل فقال:” ما أكثر شيء ستشتاقين إليه؟” فجاوبت بطريقة مختلفة عما كنت سأجيب عنه قبل ثلاثين سنة فقلت:  “سأشتاق لإبداع التدريس”.

عندما كنت عضواً جديداً  في الجامعة ، اعتبرت التعليم مثل مصيبة سلطت علي ودفعتني بعيدا عن المختبرات، وكنت أريد أن أركز على أبحاثي أكثر، و أن أرشد طلابي إلى التركيز على الدراسات الرائدة المتعلقة بمجال نمو الأعصاب، وكنت اعتقد أن الخيال لا يتطور ولا يعيش في القسم، وإنما في المختبرات التي يتم فيها اختراع التقنيات، وتصميم التجارب ، وتمثيل البيانات، ولكن عندما أخذت حياتي مجرى آخر عما كان في ذهني ، اكتشفت أنني كنت على خطأ.

كنت سعيدةً في السنة العاشرة من مسيرتي المهنية، وأضع كل تركيزي على أبحاثي،  كما أنني كنت ملزمة بالتدريس ، إلى أن توفي والدا ابنة أختي ، وأصبحت يتيمة، وأصبحت أرعاها كأم وحيدة بدون أب، وبعد أخذ فترة للتأقلم مع الوضع الجديد لم یعد بإمكاني أن أكمل في ميدان العلوم العصبية، فقد كان يأخذ  كل وقتي، ويمنعني أن أقدم الاهتمام الذي كانت تحتاجه ابنة أختي، لذا قررت أن أغير توجهي كلیًّا نحو التدريس الجامعي، فقد ساعدني التدريس على أن أعود لمنزلي في المساء كل یوم، كما أزال عني التوتر، وأعفاني من الوقت الذي كنت أقضيه كاملًا في متابعة الطلاب ومشاريعهم داخل المختبر.

وكان من الصعب علي أن أترك مجال البحث الذي كان محورَ حياتي العملية، بل وكان شغفًا بالنسبة لي، فأصبحت ألزم طلابي ذوي المستويات الأعلى بقراءة المقالات العلمية لكي أبقى قريبة من مجال الأبحاث ، كما أنني أصبحت أفتح معهم حوارات حول آخر الاكتشافات والمستجدات العلمية، إلا أن هذه الطريقة لم تنجح إطلاقًا ، فقد كان الطلاب لا يعيرون انتباهًا  للمقالات ، و یفهمونها فهمًا سطحييا، بل وأغلبهم لا يرون البيانات التي كنت أتوقع أن يركزوا عليها.

اكتشفت المشكلة عندما رأيت الكتب التي تعطي مقدمة في البيولوجيا التي درسوها في حصصهم السابقة ، وقد كانت عبارة عن رسوم توضيحية مليئة بالوقائع العلمية ، مثل مجموعة العظام المتواجدة في أجنحة الطيور ، وهيكلة الأسواط البكتيرية وغیرها ، والمشكلة تكمن في أن أغلب هذه الأشكال لا تشبه تلك الموجودة في الأبحاث العلمية، والمعضلة الأكبر أن العملية التي قام بها الباحث للخروج بنتيجة حول البحث العلمي لم تكن موجودة أصلًا، بل حتى أن صاحب البحث العلمي لم يتم ذكره ، ومن ثمَّ فهمت أن المشكلة التي يعاني منها طلابي هي أنهم كانوا يحفظون النتائج والوقائع العلمية دون فهم، ولم يفطنوا إلى كيفية خروج العلماء بمثل هذه النتائج العلمية، وكیف كانوا يضعون هذه النتائج في بيانات ، ولم يكن باستطاعتهم فهم الإبداع البحثي – وهو ما كان يحببني في كوني باحثة- وذلك نظرًا لمعرفتهم المحدودة، والتي كانت ترتكز فقط على الحفظ.

هذه الطريقة في الاستيعاب غيرت طريقتي في التدريس، فقد أصبحت أركز على العمق بدلًا من التوسع ، وبدأت أناقش الأبحاث في عدة محاضرات بشكل دقيق ، وأحلل كل رسم تمثيلي وكل شكل، ومن ثمَّ أبدأ في طرح هذا السؤال عليهم:” لو أنّك ساعدت في إنشاء هذا البحث العلمي الذي درسناه ، ما الذي كنت ستركز عليه بعده ؟”

“أردت من طلابي أن يفكروا بعمق حول كيفية البحث العلمي”

كان بعض الطلاب يقولون بأنهم ليسوا مبتكرين أو مبدعين كالعلماء، لكنني طلبت منهم أن يجربوا ويحاولوا، وأوضحت أنني في المحاضرات المقبلة سأقوم بإنجاز لوائح ، حتى تكون اقتراحاتهم مرتبة، ومن ثمَّ نقرر ما هو أفضل اقتراح.

وبعد إنجاز اللوائح ، لاحظت تغيرًا ملحوظًا ، فقد كان الطلبة مبهورين لتنوع اقتراحات زملائهم، وسارعوا  إلى النقاش بشغف حول أفضل الاقتراحات ، بل و تفاجئوا بالاختلافات الواضحة بين الفرضيات في اللوائح كقولهم :” أليس من الواضح أن الاقتراح رقم كذا هو الاقتراح الأفضل؟” ، لقد كانت فرحة كبيرة لي أن أرى اقتناع كل طالب  بأن أفكاره واقتراحاته هي الأفضل، وأن يكون مؤمنًا بصحة أفكاره ، وذلك ليكتشف قوته  وقدرته على الابتكار، وأتذكر أن امرأة ذكية أخبرتني أنها قد أدركت أنه من الطبيعي أن تخرج بفرضيات علمية خاصة بها.

وقد كان بإمكاني أن أنقل المعلومات المتواجدة لطلابي، ولكنها ليست الطريقة التي أريد أن أدرس بها، كما كان بمقدورهم تعلُّم هذه الحقائق وحدهم، بل كنت أريد أن يفكروا بعمق في الطريقة التي یتم بها إنجاز البحوث العلمية، وأن يطوروا من قدرتهم على الإبتكار،  وأن يستفيدوا من مخيلاتهم  ويستعملوها، وهناك أغنية مشهورة كتبها ستيفن سونديم جاء في كلماتها: ” انظر، لقد صنعت قبعة حيث إنه لم يكن هناك قبعة إطلاقًا”، وإني ارفع قبعتي لطلابي متأملة أن ما تعلموه عن إبداعهم هو المعرفة التي ستدوم لهم.

ترجمة :صوفيا داودي رغيوي

تويتر :@sofiaDrri

مراجعة: أفراح السالمي

Twitter:@fara7alsalmi

المصدر:https://www.sciencemag.orgs


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية