هل الغش نتاج للبيئة أم سمة شخصية؟

هل الغش نتاج للبيئة أم سمة شخصية؟

2 نوفمبر , 2019

سلط مختبر للسلوك الإنساني الضوء على سلوك الغش خلال فترات الرخاء الاقتصادي وفترات شح الموارد لتحديد فيما إذا كان الغش للحصول على كسب مادي هو نتاج للبيئة الاقتصادية أم لا، فوجدوا دليلا على أن سبب الغش هو نزعة الشخص للغش أكثر من كونه نتاجا لعوامل خارجية.

أجرى الدكتور ماركو بالما مدير مختبرات السلوك الإنساني في جامعة إي أند إم في تكساس، وبروفيسور في قسم الاقتصاد الزراعي، والدكتورة بيلار أكسوي وهي أستاذ مساعد في كلية الاقتصاد في معهد رينسيلر بوليتكنيك في نيويورك، أجريا دراسة حول الغش خلال فترات الرخاء الاقتصادي النسبي وشح الموارد لتحديد فيما إذا كان الغش للحصول على كسب مادي هو نتاج للبيئة الاقتصادية.

ووجدا دليلا على أن الغش يحدث على الغالب بسبب نزعة الشخص للغش أكثر من كونه نتيجة للعوامل الخارجية.

وأوضح الدكتور بالما أن نزعة المجرمين المعروفين إلى الغش عادة ما تنسب إلى ظروفهم وتنشئتهم الفقيرة. ولاختبار هذه النظرية اختار الباحثون مجتمعا نائيا في جواتيمالا لإجراء تجربة ميدانية لتحديد فيما إذا كان شح الموارد أو ظروف الفقر لهما تأثير مباشر لنزعة الشخص إلى الغش والكذب.

◄التجربة :

بحسب ما ذكر الدكتور بالما، فإن التجربة أتاحت للمشاركين فرصة الغش دون أي تبعات، وأجريت التجربة عليهم خلال فترتي شح الموارد والرخاء النسبي. وبما أن القرية التي أجريت فيها التجربة كانت تعتمد في كسب رزقها على إنتاج القهوة فقط، فإن فترة الرخاء ستكون خلال فترة الحصاد الأسبوعي للقهوة التي تستمر لمدة خمسة أشهر، وستجرى التجربة خلال فترة الشح التي تستمر لمدة سبعة أشهر دون حصاد، أي، دون دخل.

تضمنت التجربة إعطاء المشاركين كوبا وقطعة نرد والطلب منهم دحرجة النرد في الكوب، وبحسب الرقم الناتج عن دحرجته يأخذ المشاركون مقابلا ماليا لملء الإستبيان. فإذا ظهر الرقم واحد يأخذ المشارك مبلغ 5 كتزال، وهو أقل بقليل من الدولار، وظهور الرقم اثنان يستحق 10 كتزال، وثلاثة يستحق 15 كتزال، وهكذا. أما ظهور الرقم ستة فلا يستحق مقابله شيئا. ويطلب من المشاركين دحرجة النرد مرتين بهز الكوب.

يقول الدكتور بالما: ” يراقب المشاركون في الرمية الأولى للنرد، ثم يدحرجون النرد للمرة الثانية بحيث لا يرى أي شخص ناتج دحرجتهم الاخيرة لقطعة النرد، وهكذا تتاح للناس فرصة الغش لزيادة مكاسبهم. قمنا بهذه التجربة في فترة الشح، ومرة أخرى في فترة الرخاء.”

وقال أيضا:” حسب مبدأ التوزيع الزوجي فإن احتمالية ظهور كل رقم هي 1/6 كل مرة . “

◄الغش لتحقيق مكاسب شخصية :

 قال الدكتور بالما: ” بالنظر إلى الأرقام ذات الدخل المرتفع، فإن هناك ثلاثة أرقام من أصل ستة، لهذا يجب أن تكتب التقارير الاحصائية كالتالي 50% أرقاما ذات دخل مرتفع و50% أرقاما ذات دخل منخفض، إلا أننا وجدنا أن التقارير كانت 90% أرقاما ذات دخل عال في فترة الشح و90% في حال الرخاء، ولذا لم يكن هناك تغير في الغش طوال الفترتين. وهذا يدل على أنه لا يوجد تغير فعلي في النزعة إلى الغش خلال فترة الشح والرخاء، مما يعني أنها بالأحرى سمة ذاتية للشخص نفسه.”

◄الغش لصالح صديق :

أتاح الجزء الثاني من التجربة للمشاركين فرصة الغش لصالح شخص آخر في قريتهم، كأن يكون فردا من العائلة أو صديق، لزيادة مكسبهم المالي.

قال الدكتور:” يغش الناس بشكل عام لصالح عضو في الجماعة، لكن بنسبة أقل من غشهم لصالح أنفسهم، وهذا لا يتغير كثيرا طوال ظروف الشح والرخاء “.

◄الغش لصالح شخص غريب :

بعد ذلك أتيح للمشاركين فرصة الغش لصالح شخص غريب لا ينتمي إلى الجماعة. قال بالما:” خلال فترة الرخاء لم يغش الناس لصالح شخص من خارج الجماعة، بمعنى أن نسبة ما سجلوه من الأرقام عالية الدخل كان 50% بالضبط كما هو متوقع. لكن خلال فترة الشح تضاءلت الفروقات في الغش لصالح الأشخاص سواء المنتمين إلى الجماعة أو الغرباء، وبشكل مفاجئ بدأ الناس يغشون لصالح الغرباء بنفس معدل غشهم لصالح جماعة الأهل والاصدقاء.

◄النتائج :

أوضح الدكتور بالما أن رغبة المشاركين في الغش خلال فترة الشح كانت غير متوقعة، فخلال هذه الفترة اختفت الفوارق بين الجماعة والغرباء، لأن الناس كانوا مستعدين لمساعدة أفراد جماعتهم والغرباء بشكل متساوي سواء من الناحية الأخلاقية أو المادية.

وقال بالما:” ساعدت هذه التجربة في ملء الفجوة بين تجارب المختبرات والواقع، ونستطيع أن نُعلِم صناع القرار وأن نضع توقعات دقيقة حول ردود أفعال البشر في بيئات مختلفة “.

وتعتقد أكسوي بأن هذه النتائج تبدو عالمية، قائلة:” لم نر في تجربتنا أي تأثير كبير لشح الموارد على سلوك الغش عندما يكون المستفيدون هم نفسهم الأشخاص التي تجرى عليهم التجربة، وفي دراسة حديثة غير منشورة بعنوان ” الفقر ينفي أثر المعايير الاجتماعية على الغش ” توصل باحثون آخرون إلى نفس النتيجة في تجربتهم على مزارعي الأرز في تايلاند. وهذا يشير إلى أن نتائجنا لا تقتصر فقط على مزارعي القهوة في جواتيمالا، ولكن بالطبع يجب إجراء المزيد من الأبحاث لفهم هذه الظاهرة أكثر، وفي الواقع تكشف دراسة أجريت في 23 دولة وجود القليل من الاختلافات في سلوك الغش في هذه البلدان.

حصل مختبر السلوك الإنساني مؤخرا على منحة، بإشراف الدكتورة كاثرين إيكل ودكتور جواناثان مير من قسم علم الاقتصاد في جامعة إي أند إم في تكساس، لمواصلة دراسة سلوك الغش، كما أنهما يعتزمان إجراء تجارب متابعة ضمن نطاق الولايات المتحدة.

المصدر:  https://www.sciencedaily.com  

ترجمة: ديمة حنون

TW: Dhanoon3

مراجعة: لينا عوض

tw : kuuderel


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية