ثمن عدم أخذك لدوائك

ثمن عدم أخذك لدوائك

8 أغسطس , 2017

تعاني الولايات المتحدة حالياً من وباء خارج عن السيطرة حيث أظهر هذا الوباء تأثيرا بالغاً من حيث حصده لأرواح عديدة وإثارته لقلق الناس في أمريكا أكثر من أي مرض آخر.

ويطلق عليه مرض عدم الالتزام بالوصفات الطبية, ولكن على الأقل يمكن للمصابين به التصدي له بنسبة 100%.

 

وتبدو الأرقام صاعقة حيث أشارت نشرة في سجلات الطب الباطني أن الدراسات أظهرت باستمرار أن 20% إلى 30% من الوصفات الطبية لا تعبأ، وأن 50% من أدوية الأمراض المزمنة لا تؤخذ حسب الوصفة الطبية، وأن الناس الذين يأخذون الوصفات الطبية سواء لحالة مرضية بسيطة أو حالة خطيرة يتناولون عادة حوالي نصف الجرعات التي وصفها لهم الطبيب.

وقد أشارت سجلات الأحداث أن عدم الالتزام بأخذ الدواء يسبب حوالي 125000 حالة وفاة وهو ما يشكل 10% من المرضى المقيمين في المستشفيات للعلاج وبتكلفة تصل إلى ما بين 100$ و289$ بليون في السنة تنفقها أمريكا على القطاع الصحي.

وقد صرّح الجنرال سي. إيفرت كوب وهو جرّاح سابق: “إن الأدوية لا تعطي مفعولا للمرضى الذين لا يأخذونها” وهذا ما يفسر لماذا تعمل الأدوية الجديدة بشكل مذهل عند إجراء الدراسات عليها بينما عند متابعة مدى التزام المرضى بتعاليم الطبيب فإن هذه الأدوية تفشل بمجرد دخولها للسوق التجاري.

الجدير بالذكر أن هذا يفسر أيضا تأخر شفاء الكثير من المرضى أو تعرضهم لانتكاسات مفاجأة أو حتى وفاتهم في حين كانت بحوزتهم الأدوية والوصفة الطبية التي كانت ستجعل مشاكلهم الصحية تحت السيطرة.

وأظهرت الدراسات أيضا أن ثُلث المرضى الذين أجريت لهم زراعة الكلى لا يتناولون أدويتهم المضادة للرفض، وأظهرت أيضا أن 41% من مرضى الأزمات القلبية لا يأخذون أدوية ضغط الدم، كما أظهرت الدراسة أيضا أن نصف الأطفال الذين يعانون من الربو إما أنهم لا يستخدمون أجهزة الاستنشاق بتاتا أو أنهم غير منتظمين على استخدامها.

وقد قال بروس بندر المدير المشارك في مركز تعزيز الصحة في المركز الوطني الصحي الإسرائيلي في دنفر: “عندما لا يلتزم الأفراد بالوصفات الطبية المكتوبة لهم فإن عدد المرضى الذين يزورون المستشفيات وقسم الطوارئ يزيد وبالتالي فإن عدد الوفيات يرتفع”، وأضاف: “إن عدم الالتزام بالوصفات الطبية مشكلة كبيرة ولها حلول كثيرة وذلك نظرا لاختلاف أسباب ودوافع حدوثها”.

 

فعلى سبيل المثال قال الدكتور بندر: “غالباً ما يقوم الوالدين بإيقاف علاج أبناءهم عن الربو وذلك لعدم رغبتهم على تعويد الأطفال على أخذ الأدوية بشكل مستمر إلى أجل غير مسمى” وعلى الرغم من أن الطفل المصاب بالربو قد لا تظهر عليه أعراض المرض ولكنه يعاني من التهابات مخفية داخل الرئة, “فإذا أُصيب فجأة بنزلة برد فإنه من المحتمل أن يبقى مريضاً لمدة 6 أسابيع”.

وعندما سألت الدكتورة ليزا روزنباوم التي تعمل طبيبة للقلب في برجهام ومستشفى النساء في بوسطن المرضى المصابين بأزمات قلبية عن سبب عدم أخذهم لأدويتهم فقد أجابها أحد المرضى الذي يعاني من مرض السكري وفشل كلوي ومرض الأوعية الدموية الطرفية وتجلط كبير في غرفة الضخ في قلبه: “أنا شخص من الطراز القديم ولا آخذ الدواء بدون سبب” ومن الإجابات الأخرى الشائعة التي تتلقاها هي: “أنا لا أحب شرب الأدوية”.

وعندما أخبرت الدكتورة روزنباوم مصفف الشعر الخاص بها أنها أجرت دراسة حول الأسباب التي تدفع مرضى القلب للتوقف عن أخذ أدويتهم أجابها: “أن الأدوية تذكر الناس بأنهم مرضى ومن يحب أن يكون مريضا؟” وقد ذكر أن جدته المصابة بمرض في القلب ترفض أخذ الوصفة الطبية ولكنها تتقبل أخذ الفيتامينات لأنها تعلم أنها تساعدها في الحفاظ على صحتها”, لذلك فهو يخبرها بأن الحبوب التي يعطيها إياها كل ليلة هي فيتامينات.

وبعض المرضى يرفضون الأدوية لأنهم يرونها مثل “الكيماويات” أو شيء “غير طبيعي” وقد قال أحد مرضى القلب للدكتورة روزنباوم أنه قبل إصابته بأزمة قلبية استبدل أدوية الستاتين المخفضة للكوليسترول التي وصفها له الطبيب بزيت السمك الذي يختلف عن الستاتين ولا يعمل على خفظ الكوليسترول وموازنة اللويحات داخل الشرايين.

وقالت الدكتورة روزنباوم في مقابلة أجريت معها: ” بالطبع هناك ضغوط مجتمعية تدفعك لفعل أمور معينة حيث يعتقد بعض الأشخاص  أن اتباع الحميات الغذائية ومواضبة التمارين الرياضية يغنيك عن أخذ الأدوية”.

وقال الدكتور بندر: “أن الناس يعملون اختبار أحيانا فيتوقفون عن أخذ الدواء لبعض الأسابيع وعندما لا يشعرون بالفرق فإنهم يقلعون عنها, وهذا الفعل شائع خاصة مع الأدوية التي تعالج الأمراض “الصامتة” مثل أمراض القلب وضغط الدم العالي. وعلى الرغم من أن نتائج إهمال أخذ الدواء قد لا تظهر مباشرة إلا أنها قد تقود لنتائج خطيرة على المدى الطويل”.

وأضافت أن بعض المرضى يطبق قاعدة التكاليف والفوائد: “حيث أن الستاتينات غير مكلفة ماليا وتظهر البيانات أن هناك فوائد ربحية كبيرة لها ولكن إذا كان الأشخاص لا يرون مشكلة الشرايين موضوعاً خطيراً فإنهم لن يعطوا بالا لأخذ الدواء ولن يستمروا عليه. أو إذا سمعوا الآخرين يتحدثون عن الأعراض الجانبية للدواء فإن ذلك يلغي فكرة أخذه من الأساس”.

وتشكل تكلفة الدواء مانع آخر حيث قال الدكتور بندر: “عندما تصل رسوم الدواء لـ 50$ أو أكثر فإن الالتزام بأخذ الدواء يقل” أو عندما تكون كلفة الدواء عالية مثل العلاج البيولوجي المستخدم لعلاج التهاب المفاصل الروماتويدي والذي يبلغ 4000$ شهرياً, لذلك فإن المرضى قليلا ما يأخذونه أو أنهم يأخذونه بجرعات أقل مما وصف لهم مما يجعلها أقل فعالية.

وقال رئيس الوحدة الطبية في البرنامج الصحي لجامعة بيتسبيرغ, الدكتور ويليام شرانك: “عندما منحت شركة أتينا الأمريكية أدوية مجانية للمرضى الذين يعانون من أزمات قلبية زاد التزامهم بأخذ الأدوية بمقدار 6% مما قلل حالات الأزمات القلبية والسكتات الدماغية بمقدار 11% مقارنة بالمرضى الذين يدفعون لأدويتهم بأنفسهم كما أن نسبة التزامهم بالأدوية شهدت ارتفاع طفيف لأكثر من 50%.

وأضاف الدكتور شرانك: “هناك أسباب عديدة لعدم التزام المرضى بأخذ أدويتهم فالوصفة الطبية قد تكون معقدة كثيرا، وقد يكون المريض مشوشا أو أحائرا أو قد لا تظهر عليه أعراض المرض, وقد لا تعجبه الأعراض الجانبية للدواء, وقد لا يستطيع دفع تكلفة الدواء, وقد يعتقد المريض أيضاً أنه من الضعف أن يحتاج لدواء, وهذا ما يجعل المشكلة معقدة ويصعب حلها فأي مقياس نستخدمه يعالج أحد هذه العوامل فقط”

وقد أضاف أنه بالرغم من ذلك فإنه مازال هناك أمل للتغير للأحسن. فبدلاً من صرف العديد من الأدوية لحالة واحدة يمكن دمجها في قرص واحد أو تغليفها في علبة واحدة أو تخفيف الجرعات. كما يمكن للأطباء والصيدلانيين التواصل مع المرضى عن طريق التكنولوجيا الرقمية لتعزيزهم بشكل دوري وإرشادهم حول اهمية الالتزام باخذ أدويتهم بانتظام.

إن الخوف من الأعراض الجانبية يمكن أن يكون من الأسباب التي تدفع المريض لعدم الالتزام بأخذ الدواء، لذلك يجب على الطبيب إخبار المريض بالأعراض الجانبية المحتمل ظهورها عند أخذه لوصفة الدواء. وفي حالة عدم حدوث هذا فإن على المريض أن يسأل الطبيب بنفسه عن ما إذا كانت هناك أعراض جانبية يمكن أن يتعرض لها عند أخذه للدواء.

إن نسيان أخذ الوصفة الطبية هو مشكلة شائعة لاسيما للذين لديهم تردد من أخذ الأدوية ويمكن للمرضى استخدام عدة أجهزة كالهواتف الذكية لتذكيرهم بأخذ الجرعة القادمة أو الاستعانة بالأصدقاء لجعل الالتزام مثل الرياضة الجماعية. واقترح الدكتور شرانك لجعل أخذ الحبوب عادة أن يضعها المريض بجانب فرشاة الأسنان حتى لاينسى أخذها.

 

 

 

 

 

ترجمة: شيماء الراشدي

Twitter: @OoRayhana

مراجعة: عمر العماري

Twitter: @Omar_br1

 

 

المصدر:

The New York Times

شارك المقال

اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية