لمَ العيش في ظلّ المجهول يغيّر من سلوكنا حتّى عندما لا يجب أن نتغيّر؟

لمَ العيش في ظلّ المجهول يغيّر من سلوكنا حتّى عندما لا يجب أن نتغيّر؟

2 نوفمبر , 2021

ترجم بواسطة:

زهراء جعفر

دقق بواسطة:

زينب محمد

غيّر الناس حول العالم من عاداتهم الشرائيّة بشكل مفاجئ منذ بدء جائحة كورونا، وهرعوا إلى شراء الأدوات المنزليّة الأساسيّة وخاصّةً ورق المرحاض استعدادًا لمواجهة مصيرهم المجهول. أدّى هذا الشراء الجنونيّ إلى نفاذ الكميّات رغم أن البضائع كانت ستلبّي حاجات الجميع لو اشترى كل شخص ما يحتاجه وحسب.

 تشير دراسة قامت بها جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني-أستراليا أنّ هذا السلوك التفاعليّ طبيعيٌّ جدًّا وهو أسلوب متعارف عليه لمواجهة العيش في ظلّ المجهول. فحقيقة الأمر أنّ التعرّض لحالة عدم اليقين المفاجئة يحفّز وبقوّة على التغيير ويعدّل من سلوكنا- وإن كان مضرًّا لنا.

 قال المسؤول الأساسيّ عن هذه الدراسة الدكتور أدريان ووكر الذي أكمل أطروحته للدكتوراه في علم النفس في جامعة نيو ساوث ويلز للعلوم: “يميل الناس إلى البحث عن وسائل لتخفيف الأحداث غير المتوقّعة عندما يتعرّضون لتغيير مفاجئ في بيئتهم، ويغيّرون من سلوكهم وقراراتهم بهدف استرجاع التحكّم بزمام الأمور”. وأظهرت دراستنا أنّ الأحداث غير المتوقّعة قد جعلت الناس يغيّرون من تصرّفهم وإن كانوا سيصبحون أفضل لو ظلّوا متمسّكين باستراتيجيّتهم القديمة.

 إنّ الدراسة السلوكيّة التي نشرت مؤخّرًا في صحيفة علم النفس التجريبي بعنوان: “التعلّم والذاكرة والإدراك”، هي أوّل دراسة تظهر نوع الشكّ الذي نعانيه ويلعب دورًا أساسيًّا في انفعالنا سواء كان متوقّعًا أو العكس. فعلى سبيل المثال، إنَّ العامل في المدينة الذي تعوّد أن تستغرق مواصلات الصباح بين ال ٣٠ و ٥٠ دقيقة، لن يتفاجئ برحلة مدّتها ٥٠ دقيقة، بعكسِ السائق الريفيّ الذي سيتفاجئ كثيرًا إن تمدّدت الرحلة المتوقّع أن تبلغ ٣٠ دقيقة إلى ٥٠ دقيقة.

من أجل اختبار كيف يتجاوب الناس مع التغيير المفاجئ، طلب الباحثون من الناس تحت التجربة أن يبيعوا غرضين إلى واحد من شيئين- وفي هذا السيناريو كانوا مخلوقات فضائيّة- وفي خلال هذا التحفيز المرئي، كانت مهّمتهم سهلة؛ توجّب عليهم تجميع النقاط ما استطاعوا- وسمّيت بدولارات المخلوقات الفضائيّة.

توجّب على المشتركين اختيار مخلوق فضائي لبيعه مادتين كيميائيّتين، ولكن إحدى هاتين المادتيّن تحدّد السعر الذي سيدفعه المخلوق الفضائي. وهكذا، كان عليهم تخمين أي مادّة مع أي فضائي تجنيهم الربح الأكبر.

كانت المهمّة مألوفة بالنسبة إلى المجموعة الأولى التي تألّفت من ٣٥ مشتركٍ، وتعلّموا بسرعة تكتيك منحهم عرض قيمته ١٥ نقطة شرط أن يختاروا الاحتمال( أ). ولكن تغيّر نمط الجائزة أثناء التجربة، وأصبح الاحتمال ( أ) يعطي جائزة عشوائيّة بين ٨ و ٢٢ نقطة.

يقول الدكتور ووكر: « في اللحظة التي أدخلنا فيها حالة الشكّ، شرع المشتركون لإيجاد طرق جديدة لإتمام المهمّة، إلّا أنّ الغريب في الأمر، أنّهم في كلّ الحالات قدّموا أفضل ما لديهم عندما استعملوا تكتيكهم القديم».

يقول دكتور ووكر: «إن الجائحة وتفاعلنا معها هو مثال عن المجهول غير المتوقّع، فقد تغيّر كل شيء فجأة مع بدء جائحة كورونا». وأضاف: «إن الكثير منّا انتقل فجأةً إلى العمل عن بعد وغيّر من طريقته في الشراء والتواصل الاجتماعي». بالإضافة أنّنا لم نعد نطبّق القواعد التي كنّا نعتمدها سابقًا وما زال مجهولًا كيف ومتى ستنتهي هذه الجائحة.

وأردف قائلاً: «إنّ الناس قد جرّبوا أكثر من طريقة مثل الشراء بشكل جنوني كوسيلة لتخفيف حدّة العيش في ظلّ المجهول محاولين استرجاع الحياة الطبيعيّة. ولكن لم تكن نتائج هذه الأساليب الانفعاليّة مفيدة على المدى الطويل».

متلازمة الضفدع المغلي:

 خلّف المجهول غير المتوقّع نتائج دراماتكيّة، أمّا المجهول المتوقّع فقد أدّى إلى نتائج معاكسة. ففي المرحلة الثانية من التجربة، أدخل الباحثون التغييرات تدريجيًّا لمجموعة مختلفة ومكوّنة من 35 مشتركٍ. تغيّرت عدد نقاط الاحتمال (أ) من 15 نقطة إلى احتمالية تترواح بين 14 و 16 نقطة، وهكذا ازداد الفرق تدريجيًّا إلى ما بين 13 و17 نقطة ثمّ إلى ما بين 8 و 22 نقطةٍ.

 لم تتغيّر ردّة فعل المشتركين رغم أنّ نسبة الشكّ زادت إلى أن وصلت إلى مستوى التجربة الأولى؛ لقد حافظ الناس على استراتيجيّتهم القديمة عندما أدخلت حالة الشك تدريجيًّا.

 كما قال إنّ: « الهدف من وراء هذه التجربة كان أن تبقى الاستراتيجيّة الأولى الأكثر فعاليّة. لقد بيّنت لنا بحوث أخرى السلبيّات وراء عدم تغيير السلوك عند مواجهة التغيير المتزايد. ويمكن ملاحظة هذا الأسلوب في الكثير من تحديّات الحياة على سبيل المثال، أزمة تغيّر المناخ».

إنّ التغيير التدريجي وغير الملحوظ لا يحثّنا على التغيّر، ولذلك نتمسّك بسلوكنا المعتاد.

 إنّ محاولة حلّ أزمة التغيّر المناخي تشبه كثيرًا متلازمة الضفدع المغلي، فعندما تضع ضفدعًا في إناء وتغليه، لن يدرك الضفدع الخطر إلّا بعد فوات الأوان، وذلك لأنّ الماء يسخن تدريجيًّا وببطء.

شارك في هذا المشروع نائب مدير مدرسة علم النفس في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني الأستاذ بين نيويل، وقال: «إنّ الخطوة التالية في التجربة مهمّة وتهدف إلى تحليل الإحصاءات عن ردة فعل الناس حول العيش في ظل المجهول في المختبر من خلال إخضاعهم إلى تجربة حقيقيّة».

يقول الأستاذ نيول: « إذا تمكّنا من معرفة حوافز البحث عن وسائل جديدة، فسنتمكّن من تخطّي الكسل الملازم مع تطوير سلوكيات جديدة ومستدامة».

التيقّن بالمجهول:

 يواجه الناس المجهول يوميًّا، سواء كان عن احتماليّة تعسّر السير أو ما الأسئلة التي قد تورد في الامتحان.

 زادت جائحة كورونا من حدّة المجهول في الكثير من مجالات حياتنا الأساسية، مثل: العمل، والصحة، والظروف المعيشيّة.

 صرّح الدكتور ووكر، وهو الآن باحث في مدرسة علم النفس في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني للطب والصحة، أنّ هذه الدراسة قد لا تظهر الصورة الكاملة عن سلوك الإنسان في أثناء الجائحة، ولكن تفسّر لما بحث بعض الناس عن وسائل جديدة لزيادة الحتميّة في حياتهم.

 قال المؤلّف المشارك الدكتور توم بيسلي الذي كان يعمل سابقًا في جامعة نيو ساوث ويلز والآن مستقرٌّ في جامعة لانكستر:« إنّ بحث الدكتور ووكر يساعدنا كثيرًا في فهم كيف يرى الناس المجهول الذي يواجههم، وكيف يتأقلمون مع الوضع أو يرفضونه».

 وأضاف قائلًا: « إنّ مختبري يحاول تشكيل نموذج للسلوك من خلال هذه العلاقة، مما يساعدنا بالقيام بتوقّعات أوضح عمّا ممكن أن يحدث عند التعرّض لحالات مختلفة من المجهول».

 رغم أنّ تركيز الدكتور ووكر يقع على البحث حول علم نفس الأوبئة حاليًّا، فهو يتطلّع إلى رؤية ما قد تتوصل إليه الأبحاث في هذا المجال-وخاصّةً التنبؤ بردّات الفعل الفرديّة عند مواجهة المجهول.

 يقول الدكتور ووكر:« نظرًا للقرارات التي نتّخذها متأثّرين بالمجهول الذي نواجهه في حياتنا اليوميّة، نأمل أن الفهم الأعمق لكيفيّة اتّخاذ هذه القرارات، سيمكّن الناس من اتّخاذ قرارات جيّدة».

المصدر: https://medicalxpress.com

ترجمة : زهراء جعفر

مراجعة وتدقيق: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية