الآثار الجينية الناتجة عن إشعاعات انفجار مفاعل تشيرنوبيل

الآثار الجينية الناتجة عن إشعاعات انفجار مفاعل تشيرنوبيل

29 سبتمبر , 2021

يوصف المقال الفرق ما بين الدراستين اللتين أجريتا لمعرفة الآثار الصحية المحتملة للتعرض لإشعاع المؤين، ومدى تأثيره على الأجيال القادمة.

في دراستين بارزتين، استخدم الباحثون أحدث الأدوات الوراثية لدراسة الآثار الصحية المحتملة للتعرض للإشعاع المؤين – وهو مادة مسرطنة معروفة – من حادث عام 1986 في محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية في شمال أوكرانيا.

واحدة من هذه الدراستين، لم تجد أي دليل على أن تعرض الوالدين للإشعاع أدى إلى انتقال تغييرات جينية من الوالدين إلى الطفل. أما الدراسة الثانية، فوثقت التغيرات الجينية الموجودة في أورام الأفراد الذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية بعد تعرضهم كأطفال أو أجنة للإشعاع المنبعث من الحادث.

ونُشرت هذه الأبحاث في الذكرى الخامسة والثلاثين للكارثة من قبل عدة باحثين عالميين بقيادة المعهد الوطني للسرطان التابع  للمعهد الوطني للصحة في مجلة العلوم بتاريخ 22 أبريل.

قال الدكتور ستيفن شانوك، مدير قسم علم الأوبئة والوراثة في المعهد الوطني للسرطان: “دُرس تأثير الإشعاع على صحة الإنسان منذ القصفين الذريين لهيروشيما وناغازاكي، ومن ثم في حادثة تشيرنوبيل، والحادث النووي الذي أعقب كارثة تسونامي في فوكوشيما، اليابان”. وأضاف: “في السنوات الأخيرة، مكننا التطور التكنولوجي لتسلسل الحمض النووي من البدء في معالجة بعض المسائل الهامة، من خلال التحليلات الجينية الشاملة التي أجريت في الدراسات الوبائية”.

عرّض حادث تشيرنوبيل ملايين الأشخاص في المناطق المحيطة إلى ملوثات مشعة. ووفرت الدراسات العلمية الكثير من المعلومات حول السرطانات الناجمة عن التعرض للإشعاع من حوادث محطات الطاقة النووية.

ويستند البحث الجديد إلى استخدام تسلسل الحمض النووي من الجيل التالي، وأدوات تحديد خصائص الجينوم لتحليل العينات البيولوجية من الأفراد في أوكرانيا الذين تضرروا من الكارثة. وبحثت الدراسة الأولى في السؤال الذي طال أمده عن ما إذا كان التعرض للإشعاع يسفر عنه تغيرات جينية يمكن أن تنتقل من الوالدين إلى الأبناء، كما توصلت إليه بعض الدراسات المجراه على الحيوانات.

وللإجابة على هذا السؤال،  قام الدكتور شانوك وزملاؤه بتحليل الجينوم الكامل لـ 130 شخصًا ولدوا بين عامي 1987 و2002 وآباءهم وأمهاتهم البالغ عددهم 105. وكان إحدى الوالدين أو كلاهما تعرض للإشعاع أما جراء تنظيف الإشعاع أو لإجلائهم، لأنهم كانوا يعيشون على مقربة من موقع الحادث. وتم فحص كل من الآباء والأمهات الذين تعرضوا للإشعاع بشكل كبير، والذي قد يكون حدث من خلال استهلاك الحليب الملوث (أي حليب الأبقار التي ترعى بمناطق قريبة من الإشعاع).

وتعرض كلًا من الأمهات والآباء لكمية من الجرعات الإشعاعية، وقام الباحثون بتحليل الجينوم لدى الأطفال البالغين من أجل دراسة زيادة نوع معين من التغيرات الجينية الموروثة المعروفة باسم طفرات دي نوفو.
إن طفرات دي نوفو هي تغيرات جينية تنشأ بشكل عشوائي في أمشاج الشخص (الحيوانات المنوية والبويضات) ويمكن أن تنتقل إلى ذريتها ولكن لا يتم ملاحظتها في الأبوين.

وفيما يتعلق بنطاق التعرض الإشعاعي الذي شهده الوالدان في الدراسة، لم يكن هناك دليل من بيانات تسلسل الجينوم الكامل على زيادة عدد أو أنواع طفرات دي نوفو في أطفالهم المولودين بين 46 أسبوعًا و 15 عامًا بعد الحادث.

وكان عدد طفرات دي نوفو التي لوحظت في هؤلاء الأطفال مماثلًا إلى حد كبير لعدد الطفرات في عامة السكان الذين يتشاركون خصائص مماثلة. ونتيجة لذلك، تشير النتائج إلى أن التعرض للإشعاع من الحادث كان له تأثير ضئيل – إن وجد – على صحة الجيل التالي.

وأضاف الدكتور شانوك: “نعتبر هذه النتائج مطمئنة للغاية للأشخاص الذين كانوا يعيشون في فوكوشيما وقت وقوع الحادث في عام 2011، ومن المعروف أن جرعات الإشعاع في اليابان كانت أقل من تلك المسجلة في تشيرنوبيل”.

وفي الدراسة الثانية، استخدم الباحثون تسلسل الجيل التالي لتوصيف التغيرات الجينية في سرطانات الغدة الدرقية التي تطورت لدى 359 شخصًا تعرضوا وهم أطفال أو أجنة لإشعاع اليود(I-131) الصادر عن حادث تشيرنوبيل، و81 شخصًا ولدوا بعد أكثر من تسعة أشهر من وقوع الحادث. وكان تزايد خطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية من أهم الآثار الصحية الضارة التي لوحظت بعد الحادث. إن الطاقة الناتجة عن الإشعاع  تكسر الروابط الكيميائية في الحمض النووي، مما يؤدي إلى عدد من أنواع الضرر المختلفة.

وتسلط الدراسة الجديدة الضوء على أهمية نوع معين من ضرر في الحمض النووي الذي ينطوي على كسر في شريط الحمض النووي لأورام الغدة الدرقية. وكان الارتباط بين التغيرات في الحمض النووي والتعرض للإشعاع أقوى بالنسبة للأطفال الذين تعرضوا له في سن أصغر.

بعد ذلك، حدد الباحثون العوامل الدافعة لظهور الأورام السرطانية، والجينات الرئيسية التي مكنت فيها التغييرات الجينية السرطانات من النمو والبقاء على قيد الحياة. ومن ثم حدد الباحثون العوامل الدافعة في أكثر من 95٪ من الأورام، وتضمنت جميع التغييرات تقريبًا جينات في نفس المسار الذي يسمى مسار بروتين الكيناز المنشط بالميتوجين، وبما في ذلك جينات BRAF و RAS و RET. 

تتشابه مجموعة الجينات المصابة مع ما تم التوصل له في الدراسات السابقة لسرطان الغدة الدرقية. غير أن الباحثين لاحظوا تحولاً في توزيع أنواع الطفرات في الجينات.

وعلى وجه التحديد – في دراسة تشيرنوبيل –، كانت حالات الإصابة بسرطان الغدة الدرقية في الأفراد الذين تعرضوا لمستوى عالِ من الإشعاع عندما كانوا أطفال تُعزى إلى ما يسمى بالاندماج الجيني (عندما يتم كسر شريط الحمض النووي ومن ثم تندمج الأجزاء الخاطئة معًا)، في حين الأفراد الذين لم يتعرضوا للإشعاع أو تعرضوا لمستويات منخفضة منه كانوا من المرجح أن تنتج طفرات في حمضهم النووي (تغيرات زوج أساسي واحد في جزء رئيسي من جين معين).

وتشير النتائج إلى أن فواصل الحمض النووي قد تكون تغييرًا جينيًا مبكرًا بعد التعرض للإشعاع في البيئة، مما يُمَكن لاحقًا من نمو سرطانات الغدة الدرقية. وأضاف الباحثون إن النتائج التي توصلوا إليها تعد منطلقًا لإجراء مزيد من الدراسات عن السرطانات الناجمة عن الإشعاع، ولا سيما تلك الحالات التي تنطوي على اختلافات في عمر الفرد وكمية الإشعاع التي تعرض لها.

قالت الدكتورة ليندسي مورتون، نائبة رئيس فرع علم الأوبئة الإشعاعي في المعهد الوطني للسرطان، والباحثة الرئيسية في الدراسة: “كانت إحدى الجوانب المثيرة في هذا البحث هو فرصة ربط الخصائص الجينية للورم بمعلومات حول كمية الإشعاع  والعامل الجيني الذي يحتمل أن يكون سببًا للسرطان. إن وضع أطلس جينوم السرطان معيارًا لكيفية تحديد خصائص الورم بشكل شامل”.

وأضافت: “لقد قمنا بتوسيع هذا النهج لاستكمال أول بحث كبير لدراسة طبيعة الجينات التي قد تعرض حاملها لاحتمالية الإصابة بالسرطان، مما مكننا من دراسة العلاقة بين خصائص الورم المحددة وكمية الإشعاع”. وأشارت إلى أن الدراسة أصبحت ممكنة من خلال إنشاء بنك تشرنوبيل للأنسجة قبل حوالي عشرين سنة – أي  قبل وقت طويل من تطوير التكنولوجيا لإجراء  هذا النوع من الدراسات الجينية والجزيئية الشائعة في يومنا هذا.

واستطردت قائلة: “هذه المرة الأولى التي تقوم فيها مجموعتنا بإجراء دراسات جزيئية باستخدام العينات الحيوية التي جمعها زملاؤنا في أوكرانيا. فتم إنشاء بنك الأنسجة من قبل علماء ذوي بصيرة لجمع عينات الأورام من السكان في المناطق شديدة التلوث والذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية”.

“لقد أدرك هؤلاء العلماء بأنه سيكون هناك تطور في التكنولوجيا مستقبلًا، والآن تستفيد الأوساط البحثية من نظرتهم الثاقبة”.

المصدر: https://www.sciencedaily.com

ترجمة: عبير عبدالله الحقبي

مراجعة: ريناد علي العواجي


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية