كيف نعيش في الفضاء: ما تعلمناه من محطة الفضاء الدولية خلال ٢٠ عامًا

كيف نعيش في الفضاء: ما تعلمناه من محطة الفضاء الدولية خلال ٢٠ عامًا

30 يناير , 2021

ترجم بواسطة:

ولاء الجشي

دقق بواسطة:

ثريا البرقان

يتحدث المقال عن المستوطنات الفضائية وكيفية العيش عليها ومستقبلها.

يصادف الثاني من نوفمبر مرور 20 عامًا على وصول أوائل من سكن محطة الفضاء الدولية (ISS). منذ ذلك الحين أصبحت مستوطنة فضائية مدارية مأهولة بالسكان باستمرار.

عشرون عامًا من الحياة المتواصلة في الفضاء جعلت محطة الفضاء الدولية “مختبرًا طبيعيًّا” مثاليًّا لنفهم كيف تدير المجتمعات شؤونها خارج الأرض.

محطة الفضاء الدولية هي ثمرة تعاون ٢٥ وكالة ومنظمة فضائية. وقد استضافت ٢٤١ فردًا من الطاقم وعددًا قليلًا من السياح من ١٩ دولة. ويمثل ذلك ٤٣٪ من مجموع الأفراد الذين سافروا في الفضاء.

مع التخطيط للبعثات المستقبلية إلى القمر والمريخ، صار مهمًّا معرفة ما يحتاجه الناس للازدهار في البيئات النائية الخطيرة المغلقة حيث لا يسهل الرجوع إلى الوطن.

موجز تاريخ المستوطنات الفضائية المدارية:

أول محطة فضائية خيالية ذكرت كانت “بريك مون” في عام ١٨٦٩ للكاتب إدوارد إيفرت هيل. وبداخلها ١٣ حجرة سكنية كروية.

في عام ١٩٢٩، طرح هيرمان نوردونج تصورًا لمحطة فضائية على شكل عجلة تدور لتخلق جاذبية “اصطناعية”.

لاقت فكرة العجلة الدوارّة استحسان عالم الصواريخ فيرنر فون براون في خمسينيات القرن الماضي، وظهرت في الفيلم الكلاسيكي (٢٠٠١: ملحمة الفضاء) عام ١٩٦٨.

اتضح أن محطات الفضاء الحقيقة ستكون أسطوانية الشكل، لا كروية ولا على شكل عجلات.

إن أول محطة فضاء أُطلقت كانت “ساليوت ١”، وقد أطلقها الاتحاد السوفيتي عام ١٩٧١،  بعدها أطلق برنامج ساليوت  ست محطات أخرى على مدى عقد من الزمان. أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية محطتها الأولى (سكاي لاب) في عام ١٩٧٣. جميع هذه المحطات كانت أنبوبية الشكل.

أطلقت محطة الفضاء السوفيتية (مير) عام ١٩٨٦، وكانت أول محطة تُبنى بوحدة رئيسية، ثم تضاف لها وحدات أخرى لاحقًا. عندما أطلقت وحدات محطة الفضاء الدولية الأولى عام ١٩٩٨، كانت مير لا تزال في المدار.

أُسقطت (مير) عام ٢٠٠١، وتفككت عندما هوت في الغلاف الجوي. والأرجح أن ما بقي منها انتهى به المطاف على عمق ٥٠٠٠ متر في قاع المحيط الهادئ.

تتكون محطة الفضاء الدولية حاليًّا من ١٦ وحدة: أربع وحدات روسيّة، وتسع وحدات أمريكية، ووحدتان يابانيتان، ووحدة أوروبية. إن مساحتها الداخلية كمنزل به خمس حجرات نوم، وبها طاقم مكون من ستة أفراد يتغيرون كل ستة أشهر.

التكيف مع الفضاء:

أثبتت رحلة يوري جاجارين حول الأرض عام ١٩٦١ أن البشر بوسعهم العيش في الفضاء. والحقيقة أن المعيشة في الفضاء أمر مختلف.

محطات الفضاء الحديثة لا تدور لتوفر الجاذبية، ولا وجود فيها لاتجاه أعلى وأسفل، إن تركت شيئا ما فإنه سيطفو، والأنشطة اليومية كالشرب أو الاغتسال تحتاج إلى تخطيط.

في أرجاء المحطة الفضائية توجد مواضع “للجاذبية”، على هيئة مقابض، أو مواطئ قدم، أو مشابك أو أشرطة، أو لاصقات فيلكرو، وذلك لتثبيت الناس والأشياء.

في الوحدات الروسية، تلوّن الأسطح المواجهة للأرض (تحت) باللون الأخضر الزيتوني، أما الأسطح والجدران التي لا تواجه الأرض (فوق) فإنها تلوّن باللون البيجي، وذلك يساعد الطاقم على توجيه أنفسهم.

الألوان مهمة لأسباب أخرى أيضًا. على سبيل المثال، سكاي لاب كانت تفتقر إلى الألوان حتى إن رواد الفضاء كسروا الرتابة بالتحديق في البطاقات الملونة المستخدمة لمعاينة كاميرات الفيديو الخاصة بهم.

إن المحطات الفضائية في الأفلام غالبًا ما تكون أنيقة نظيفة. بينما الواقع مختلف تمامًا.

للمحطة الفضائية الدولية رائحة كريهة، وهي صاخبة وفوضوية، ومليئة بخلايا الجلد المتساقطة والفتات. تشبه سكنًا مشتركًا فظيعًا، غير أنك لا تستطيع المغادرة، عليك أن تعمل باستمرار، ولا أحد ينام نومًا هنيئًا.

ومع ذلك، للمحطة بعض الامتيازات، فوحدة (كوبولا) تقدم ما قد يكون أفضل منظر يراه بشر: تصوير بانورامي ١٨٠ درجة للأرض التي تمر أسفلها.

“مجتمع صغير في عالم صغير”

يستخدم الطاقم ما أتيح لهم من أشياء للتعبير عن هوياتهم في هذا العالم الصغير، كما سُميّت بذلك المستوطنات الفضائية في أحد تقارير عام ١٩٧٢. المساحة الفارغة من الجدران أصبحت كباب الثلاجة، مغطاة بأشياء ذات دلالات وأهمية فردية أو مشتركة.

في وحدة زفيزدا، أعطت الأيقونات الأرثوذكسية وصور أبطال الفضاء مثل قسطنطين تسيولكوفسكي وجاجارين إحساسًا بالانتماء والارتباط بالوطن.

للطعام دور كبير في تكوين العلاقات. إن مشاركة الطعام والاحتفال بالأعياد وأعياد الميلاد، كلها طقوس تساعد الطاقم مختلف الجنسيات والثقافات على تكوين ألفة ومودة بين بعضهم البعض.

لم تكن الأمور جميعها سلسة هينة. في عام ٢٠٠٩، أصبحت المراحيض مصدر نزاع دولي عندما اتخِذت قرارات تمنع الطاقم الروسي من استخدام مراحيض ومعدات التمارين الأمريكية.

لا تقتصر وظيفة التكنولوجيا في هذا “المجتمع الصغير” على ما صممت له، بل تساهم أيضًا في التماسك الاجتماعي.

مستقبل الحياة في الفضاء:

تكلف محطة الفضاء الدولية مبالغ طائلة. فهي تكلف ناسا وحدها ٣-٤ مليارات دولار أمريكي سنويا، ويقول الكثيرون جدلا إنها لا تستحق ذلك. بدون استثمار تجاري إضافي، قد تُخرج محطة الفضاء الدولية من مدارها في عام ٢٠٢٨ وترسل إلى قاع المحيط لتلتحق بـ(مير).

لعل المرحلة القادمة من حياة محطة الفضاء ستكون في مدار حول القمر. سيكون مشروع “البوابة القمرية” أصغر من محطة الفضاء الدولية، وقد خططت له مجموعة من وكالات الفضاء بقيادة ناسا. طواقم المشروع سيعيشون على متنه شهرًا أو أقل في كل رحلة.

من المقرر إطلاق وحدات المشروع، حسب خطة المحطة الفضائية الدولية، إلى المدار القمري في العقد المقبل.

يحتوي أحد التصاميم الأولية للبوابة القمرية على أربع غرف للطاقم قابلة للتوسع، لتوفر لهم مزيدا من المساحة. ولكن المناطق المخصصة للنوم وأماكن المراحيض ومناطق الرياضة وتناول الطعام كلها قريبة جدا من بعضها البعض.

يحب أفراد طواقم المحطة الفضائية الدولية أن ينشئوا عروضًا مرئية ارتجالية، لذلك نود أن نقترح تخصيص مساحات لمثل تلك العروض في الجيل القادم من المستوطنات.

أما في الثقافة الشعبية، فقد أصبحت محطة الفضاء الدولية كمزلجة بابا نويل. وفي السنوات الأخيرة، أخذ الآباء من مختلف أنحاء العالم أطفالهم خارجًا عشية عيد الميلاد لرصد محطة الفضاء الدولية وهي تمر في سمائهم.

 شكلت محطة الفضاء الدولية الثقافة الفضائية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ومثلت بذلك تعاونا دوليا بعد الحرب الباردة. وما زال في جعبتها الكثير لتعلمنا إياه عن المعيشة الفضاء.

المصدر: https://theconversation.com

ترجمة:  ولاء الجشي

مراجعة: ثريا البرقان


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية