دعوى جديدة: المسائل الجنسانية في الرعاية الصحية( الجزء الثاني)

دعوى جديدة: المسائل الجنسانية في الرعاية الصحية( الجزء الثاني)

6 أكتوبر , 2019

تحدثنا في الجزء السابق عن عدم تساوي الجنسين في الأبحاث الحيوية الطبية و مدى تأثير الجنس والجنسانية على الفروق في أعراض ظهور المرض وعوامل الخطورة ومدى انتشار الأمراض مثل: أمراض المناعة الذاتية والنوبات القلبية وسرطان الرئة وغيرها من الأمراض. و أهمية الأبحاث المحددة بالجنس و التي ستؤدي إلى تشخيص وعلاج الجنسين بكفاءة أكثر. و في هذا الجزء من المقال نستكمل الحديث عن صحة القلب و المناعة الذاتية لدى الجنسين و اختلاف التعامل مع الأطباء مقارنةً بالطبيبات.



◄النساء وصحة القلب:

تُعَد صحة القلب إحدى المجالات الأساسية التي من المهم معرفة الفروقات الجنسية فيها وذلك لمصلحة النساء ومقدمي الرعاية الصحية. تميل النساء للإصابة بأمراض القلب بعد حوالي عقد من الرجال ويموت عدد أكبر من الرجال من أمراض القلب في منتصف العمر. لذلك، تاريخيًا، معظم الدراسات في مجال القلب مختصة بالرجال، بفضل هذه الدراسات انخفض معدل النوبات القلبية عند الرجال في الأعمار ما بين ٣٥-٥٤، ولكن ارتفع معدل الإصابة عند النساء من نفس الفئة العمرية.

يقول د. مارك مينولاسينو ( Dr. Mark Menolascino ) في كتابه الحديث “علاج القلب للنساء”: حتى هذا اليوم، من غير المرجح فحص النساء المصابات بأمراض القلب لمعرفة مدى خطورة ظرفهن الصحي، بالرغم من أنه بعد النوبة القلبية غالبا ما يكون التنبؤ بسير المرض أسوأ عند المريضات من المرضى الذكور.

تُعَد صحة القلب والأوعية الدموية عند المرأة من الأولويات في نطاق البحث في مركز الأبحاث بمايو كلينيك، تقول د. ميلر: “الفيل الكبير في الغرفة* (في نطاق الفروقات بين الجنسين في الرعاية الصحية) هي أمراض القلب والأوعية الدموية “، فهي القاتل الأول للنساء والرجال ولكن عوامل الخطورة للإصابة بأمراض القلب عند النساء تختلف عنها عند الرجال. تكمل د. ميلر بقولها: “بعض عوامل الخطورة لدى النساء مرتبطة بالمبايض والهرمونات، كما أن بعض مضاعفات الحمل قد تهيء المرأة للإصابة بأمراض القلب. هذه منطقة مهمة جدا تسترعي الاهتمام”. تهدف الأبحاث في مايو كلينيك لتسليط الضوء على التغييرات الهرمونية أثناء الحمل وفي سن ما بعد انقطاع الحيض وتأثيرها على الصحة القلبية والأداء المعرفي لدى النساء، على أمل أن تتقلص الفجوة المعرفية التي تجعل النساء أكثر عرضة للوفاة بسبب الأزمة القلبية من الرجال.

◄فجوة المناعة الذاتية بين الجنسين:

يبدو أنه للجنس دور بارز في انتشار أمراض المناعة الذاتية وعلاجها. تاج، ممثلة ومرتجلة في مينابولس (Minneapolis )، عانت من آلام شديدة في البطن فذهبت لطبيبتها الخاصة والتي بدورها أجرت العديد من الفحوصات وتحاليل الدم التي أظهرت نتائج طبيعية. تقول تاج: “أخبرتني طبيبتي أنها أعراض نفسانية جسمانية على الأغلب”، استغرق الأمر ٥ أشهر إضافية من الآلام المستمرة حتى تم تحويلها على أخصائي وتم تشخيصها أخيرًا بالقولون التقرّحي وهو مرض من أمراض المناعة الذاتية، يصيب ما بين ٢٥٠٠٠٠ و٥٠٠٠٠٠ شخص في الولايات المتحدة.

حوالي ٧٥% من المصابين بأمراض المناعة الذاتية هنّ من النساء، ومعدلات هذه الأمراض منها الذئبة الحمراء و داء سيلياك في ازدياد. ولكن، لا زالت قلة فهم هذه الأمراض منتشرة بين الأطباء، ولا يزال العديد من المرضى يعانون من الأعراض المنهكة لشهور وسنوات قبل أن يتم تشخيصهم بشكل صائب.

عدم الفهم هذا يؤثر على جميع المرضى، ولكن، توصّلت دراسات عديدة إلى أنه عالميًا، يتم تشخيص الرجال المصابين بأمراض المناعة الذاتية أسرع من النساء. في دراسة أُجرِيَت عام ٢٠٠٥، وُجِدَ أنه تم تحويل الرجال المصابين بالروماتيزم لأخصائي أمراض الروماتيزم خلال ٣ أسابيع من زيارتهم الأولية للطبيب بينما استغرق الأمر حوالي ١٠ أسابيع للنساء بالرغم من أن معدل الإصابة بالمرض لدى النساء أكثر ب٣ مرات منها عند الرجال.

هذا التفاوت في التوقيت حتى التشخيص يدل على مشكلة تتجاوز قلة المعرفة بأمراض المناعة الذاتية لدى الأطباء. في كتابها، أشارت دوسينبري لهذه المشكلة ب “فجوة الثقة”، تعتبر الأعراض والأحاسيس المُبلّغة ذاتيًا من قِبَل المريضات مشكوك بها، بغض النظر عن جنس الطبيب المعالج.

د. روبي ناقوين ( Dr. Ruby Nguyen )، أخصائية الوبائيات عند النساء بجامعة مينيسوتا، تقول بأنه كثيرًا ما يُشَار لآلام النساء بأنها “في عقولهم فقط”، مثل هذا التجاهل قد يُضاعِف المشكلة الأساسية المسببة للألم وقد يؤدي لمشاكل نفسية. تشرح ناقوين ذلك بقولها: “عندما لا يتم تقديم الدعم لشكاوى النساء بالآلام، قد تسوء الآلام وقد تؤثر على علاقاتهم الاجتماعية كما أنها قد تعرضهم لخطر الإصابة بالاكتئاب، ففي كثير من الأحيان قد تعتبر آلام النِساء أعراض للاكتئاب بينما تكون هي المسبب للاكتئاب”.

لم يعد المجال الطبي ينظر لشكاوى صحة المرأة بأنها هستيرية، لكنه لا زال يفتَرَض بأن تلك الأعراض نفسانية جسمانية أو مُبَالغ فيها. تقول د. اليزابيث قراي (Dr. Elizabeth Grey) أخصائية القلب في Allina Health: “عندما تأتي المرأة لقسم الطوارئ بسبب الألم، يتم التعامل معها بطريقة مختلفة تماما عن التعامل مع آلام الرجال، حتى وإن كان الألم في عقولهن فقط، عالجه!”.

◄بين الجنس والهوية الجنسانية:

الحقيقة أننا نتعلم أكثر مع مرور الوقت عن التفاعل المعقد بين سيكولوجيتنا وبيئتنا وعلاقاتنا وصحتنا الجسدية. في بعض الأحيان، يجد الممارسون الصحيّون أنفسهم في حالة من التناقض، فهُم يحاولون ألّا يقللوا من شكاوى النساء بأنها “في عقولهم فقط” وفي نفس الوقت يعملون لفهم كيف تشارك عقولنا فعلًا في أدائنا الحيوي العام.

تقول قراي: “هذا من التحديات في الرعاية الصحية بشكل عام، فهناك الكثير من المسارات المختلفة التي نجمع فيها ما يحدث في العالم من حولنا ونصفّيه عبر مليارات الخلايا العصبية، ليؤثر على أجسدانا بطرق غير مفهومة تمامًا. لذلك فإن الجنس البيولوجي والذي يعيّن الفروقات الصحية بين الجنسين عبر الكروموسومات والهرمونات المختلفة، ليس المؤثر الوحيد، بل الجنسانية أيضًا، الطريقة التي يعيش بها الشخص في العالم ويتعامل معه. هناك فروقات هرمونية بين الرجال والنساء ولكن الأمر أكبر من ذلك، الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا البعض تختلف أيضًا وهذا ما قد يؤثر بشكل فعلي على الرعاية.”

جنسانية مُوفّر الرعاية الصحية تؤثر أيضًا، أظهرت الدراسات الحديثة أن مرضى الطبيبات يحظون بنتائج أفضل من مرضى الأطباء الذكور، التكهنات حول السبب خلف ذلك تتراوح بين كون النساء مستمعات أفضل من الرجال وأنه لديهنّ درجة أعلى من العطف والتعاطف، تعتقد قراي أن السبب قد لا يكون الطريقة المختلفة التي تتعامل بها الطبيبات، بل كيف يُنظَر إليهن من قِبَل مرضاهنّ.

تقول قراي: “أحيانًا أدخل الغرفة ويظنني المريض ممرضة، إنه يقول ما يفكر به دون أن يحاول أن يكون مهذبًا”، حتى موظفو المستشفى يعاملون الطبيبات بطريقة مختلفة، فيستدعون الممرضات أكثر مما يستدعون زملائهم الذكور ذوي المسمى الوظيفي والرتبة نفسها، ربما لأنهم يشعرون أن الأطباء الذكور أهم من أن يتم إزعاجهم. “إنه فرق بسيط، ولكنه قد يؤثر على نتائج المرضى” تقول قراي، وتضيف: “لا أعتقد أن الطبيبات أكثر عطفًا أو أفضل استماعًا بالضرورة، ولكن كيف تتم معاملتنا واحترامنا، هو ما ينفع مرضانا”.

هنا على الأقل، قد يكون من الجيد عكس النمط التاريخي وتطبيق دروس من تجربة النساء لمصلحة الرجال، لا تعامل الطبيبات مثل الأطباء الذكور ولكن عامل الأطباء الذكور مثل زميلاتهم الطبيبات، بنفس سهولة التواصل والتعامل معهم، بنفس القدر من الإنسانية.

ملحوظة:* الفيل الكبير في الغرفة: عبارة مجازية باللغة الإنجليزية، يُقصَد بها المشاكل الواضحة التي لا يناقشها أحد.

ترجمة: سندس المذلوح

حساب تويتر: @sondos3li

مراجعة : خلود الشريف

حساب تويتر : @kkoloud

رابط المقال الأصلي: https://www.minnesotamonthly.com/

شارك المقال

اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية