هل سوف يحل جهاز الكمبيوتر محل البشر في الرياضيات؟

تاريخ النشر : 12/11/2016 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :674

%d9%87%d9%84-%d8%b3%d9%88%d9%81-%d9%8a%d8%ad%d9%84-%d8%ac%d9%87%d8%a7%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%85%d8%a8%d9%8a%d9%88%d8%aa%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7

 

تأتي أجهزة الكمبيوتر بالبراهين والإثباتات الرياضية والتي كانت من شبه المستحيل أن يتحقق منها الانسان.

يمكن أن تكون أجهزة الكمبيوتر أدوات قيمة في يدي الرياضيين لمساعدتهم على حل المشكلات إضافة إلى دورها الخاص في اكتشاف النظريات الرياضية وإثباتها. فأحد النتائج الرائدة والبارزة كانت بواسطة جهاز كمبيوتر تقريباً قبل 40 عام، فعمل هذا الجهاز على إثبات نظرية الألوان الأربعة التي تنص على أن أي خريطة (مع وجود شروط معقوله) يمكن أن تكون ملونة بأربع ألوان مميزة فقط. ففي عام 1976م، استخدم  الكمبيوتر لأول مرة لإجراء إثبات، بالرغم من العيوب والأخطاء التي وجدت في وقت لاحق، لكن لم يكتمل اللإثبات الصحيح إلا في عام 1995م.

وفي عام 2003 قام توماس هيلز من جامعة بيتسبرغ بنشر إثبات لفرضية كيبلر باستخدام الحاسوب والتي تنص على أن الطريقة المألوفة لرص البرتقال على رفوف المتجر هي الطريقة الأكثر كفاءة لاستغلال المساحة عن طريق ترتيب مجسمات كروية ذات أقطار متساوية. بالرغم من أن هيلز قام بنشر إثبات نظيرة كيبلر الحدسية في عام 2003م، إلا أن هناك العديد من الرياضيين لم يقتنعوا بسبب أن الإثبات يحتل 2 قيقا بايت من سعة الكمبيوتر (كمية كبيرة في ذلك الوقت)، وبعض العمليات الحسابية لم تكن موثقة، وردا على ذلك، قام هيلز بتحقيق إثبات رسمي استناداً على جهاز الحاسوب في عام 2014م.

ما توصلوا إليه  

فأخر التطورات، هو إعلان هذا الشهر الصادر من مجلة (Nature) العلمية حول إثبات جهاز الحاسوب لنظرية تعرف بالمعضلة الثلاثية لمنطقية فيثاغورس (Boolean Pythagorean triples problem).

الأمر المثبت هنا هو أن الأعداد الصحيحة المندرجة من واحد إلى 7824 يمكن أن تكون ملونة إما بالأحمر أو الازرق بشرط أن تكون مجموعة الحل المتمثلة بالأعداد الصحيحة A، B، C التي تحقق  A2 + B2 = C2 (نظرية فيثاغورس حيث A، B، C تشكل جوانب مثلث قائم الزاوية) كلها من نفس اللون. وبالنسبة للأعداد الصحيحة من واحد إلى 7825، فهذا لا يمكن القيام به.

حتى بالنسبة لأعداد صحيحة صغيرة، فإنه من الصعب العثور على تلوين غير احادي اللون. على سبيل المثال: إذا كانت الخمسة حمراء اللون، إذا واحدة من 12 أو 13 يجب أن تكون زرقاء اللون، بما أن 52 + 122 = 132. وواحدة من كلا من الثلاثة أو الأربعة يجب أن تكون أيضا زرقاء، بما أن
33 + 42 = 52. فكل خيار يمتلك عدة قيود.

%d9%a2

وكما اتضح أيضا أن عدد الطرق الممكنة لتلوين الأعداد الصحيحة من 1 إلى 7825 عدد هائل –أكثر من102300 (واحد يليه 2300 من الأصفار). وهذا العدد أكبر بكثير من عدد الجسيمات الأساسية في الكون المنظور، وهو 1085 جسيم.

لكن قد تمكن الباحثون على تخفيض هذا العدد بشكل كبير عبر الاستفادة من عدة نظريات حول المتماثلات وخصائص نظرية الأعداد إلى تريليون واحد فقط. فمدة فحص الكمبيوتر لكل حالة من الترليون قد تتطلب يومين باستخدام 800 معالج من الحاسوب العملاق الخاص بجامعة تكساس.

في حين أن التطبيقات المباشرة لهذه النتيجة بعيدة الاحتمال، قدرة حل مشاكل التلوين الصعبة هذه تقتصر على إيجاد تطبيقات لها بواسطة البرمجة وضمان الأمن.

حساب تكساس، الذي أنجز في تقديرنا ما يقارب1019عملية حسابية، ومازال ليس بالحاسبة الرياضية الكبرى. ففي عام 2013 قد تم حساب الخانات العشرية الخاصة بـπ2 من جانبنا، وباحثين إثنين من IBM فعلو ضعفي تلك العمليات.

مشروع البحث الكبير عن أعداد ميرسين الأولية في الإنترنت (GIMPS) هو عبارة عن شبكة عالمية من أجهزة الكمبيوتر المستخدمة من قبل متطوعين في عدة مناطق في العالم والتي تبحث عن أكبر الأعداد الأولية المعروفة، ويؤدى بشكل روتيني في هذه الشبكة بمجمل 450 تريليون عملية حسابية في الثانية الواحدة، والتي تتجاوز كل ست ساعات عدد من العمليات التي يقوم بها حساب تكساس.
فيما يتعلق بإنتاجية الكمبيوتر، فحسابات تكساس تشكل القالب بالنسبة للحساب الرياضي-  ما يقارب 200 تيرابايت، وهي 21014  بايت، أو 30000  بايت لكل إنسان على الأرض.

كيف يمكن للمرء أن يحقق مثل هذا الإنتاج الكبير؟ لحسن الحظ، أنتج برنامج المعضلة الثلاثية لمنطقية فيثاغورس الحل (كما هو موضح في الصورة أعلاه) والذي يمكن فحصه من قبل برنامج أصغر من ذلك بكثير.

فهذا أقرب لتحليل عامل ضخم لـc إلى معاملات أصغر  aوb بواسطة جهاز الكمبيوتر، بحيث يكون c = ab. غالباً ما يكون من الصعب جداً العثور على العاملين a وb، ولكن بمجرد إيجادهما تكون بسيطة وذلك بضربهما ببعض، والتحقق بأنهما يثبتان النظرية.

هل عفى الزمن على علماء الرياضيات؟

إذن ماذا تعني هذه التطورات؟ هل سينضم الباحثون الرياضيون قريبا إلى صفوف أساتذة الشطرنج وأبطال برنامج Jeopardy، ومحررو سجلات البيع وسائقي سيارات الأجرة وسائقي الشاحنات، وكذلك أخصائي الأشعة وغيرها من المهن المهددة بالزوال بسبب التقدم السريع في التكنولوجيا؟

ليس تماماً. فعلماء الرياضيات، مثل كثيرين غيرهم من المهنيين، قاموا بتبني وبشكل كبير الحساب كأسلوب جديد في البحوث الرياضية، وهو تطور يعرف بالرياضيات التجريبية، والتي لها آثار وتطبيقات بعيدة المدى.

فما هي بالضبط الرياضيات التجريبية؟ أفضل تعريف لها هي كونها نوع من الأبحاث التي توظف أجهزة الكمبيوتر باعتبارها “مختبر”، بنفس معنى أن عالم الفيزياء، الكيمياء، الأحياء أو المهندس ينفذ تجربة ما، للحصول على نماذج، واكتساب المعرفة والخبرة والحدس واختبار الفرضيات، ومن ثم التأكيد في البحث على النتائج المثبتة من خلالها بالوسائل التقليدية. بمعنى أو بآخر، لا توجد هناك أسس جديدة تماما في منهجية التجربة للبحوث الرياضية. ولقد كتب عالم الرياضيات الإغريقي العظيم أرخميدس في القرن الثالث قبل الميلاد:

“أنه من الأسهل التزود بدليل عندما نكون قد حصلنا عليه مسبقا، من خلال طريقة (التجربة) إيجاد الحل بعلمنا بمبدأ السؤال وليس إيجادة من غير معرفة سابقة”.

ولقد أشيع عن غاليليو أنه كتب: “كل الحقائق من السهل فهمها حالما يتم اكتشافها. النقطة المهمة هي اكتشافها”.

كارل فريدريش غاوس عالم رياضيات وفيزيائي في القرن 19 م، كثيراً ما استخدم الحوسبة لتحفيز اكتشافاته الجديرة بالملاحظة، كتب ذات مرة:

“لدي النتيجة، ولكن أنا لا أعرف حتى الآن كيف أحصل على إثبات ذلك”.

الرياضيات التجريبية المعتمدة على أجهزة الحاسوب لديها بالتأكيد التقنيات اللازمة. فمع كل سنة تمضي، يتطور كيان الحاسوب مادياً وفقا لقانون مور، وضمنياً مثل البرامج الحسابية التالية: Maple، Mathematica، Sage، وأخرى قد أصبحت أقوى بكثير مما كانت عليه. ولكن هذه الأنظمة هي بالفعل قوية بما يكفي –بشكل مسبق- لحل تقريبا أي المعادلات، المشتقات، التكاملات أو أي مهمة أخرى في الرياضيات الجامعية.

وذلك في حين أن البراهين القائمة على الإنسان العادي لا تزال ضرورية، فأجهزة الكمبيوتر تقودنا إلى طريقة لمساعدة علماء الرياضيات على تحديد نظريات جديدة ورسم طريق الإثبات الرسمي.

picture1

وما هو أكثر من ذلك، يمكن للمرء أن يقول في حالات عديدة أن نتائج الحساب أكثر إقناعاً من الأدلة القائمة على الإنسان. فالبراهين البشرية، في النهاية، عرضة للأخطاء، والهفوات، وقد تكون معتمدة على النتائج السابقة من قبل الأخرين التي قد تكون غير سليمة. فقد وجد في وقت لاحق أن الإثبات الأولي الخاص بأندرو وايلز حول نظرية فيرما الأخيرة خاطئ. ولقد تم إصلاحه لاحقا.

امتداد لذلك، فقد قاما مؤخراً ألكسندر يي وشيجيرو كوندو بحساب 12100000000000 خانة من العدد π. ولعمل ذلك، قاموا أولا بحساب لحد ما أكثر من 10 تريليون من أساس متكون من 16خانة. ثم قاموا بفحص حساباتهم عن طريق حساب الخانات الأخيرة من أساس-16 بواسطة خوارزمية مختلفة تماما، وبمقارنة النتائج، وجدوا أنها متطابقة تماماً.
إذا فإيهما أكثر موثوقية؟ النظريات التي أثبتها الإنسان في مئات الصفحات والتي تمت مراجعتها بالتفاصيل والتحقق منها من قبل عدد قليل من علماء الرياضيات، أو نتيجة يي-كوندو؟ دعونا نواجه الأمر، يمكن القول أن الحساب أكثر موثوقية من الإثبات في كثير من الحالات.

ماذا يحمل المستقبل؟

تشير كل الدلائل إلى أن علماء الرياضيات البحثية سيواصلون العمل القائم على الاحترام مع أجهزة الكمبيوتر خلال المستقبل المنظور. في الواقع، عندما تنضج هذه العلاقة المتضامنة مع تقنية الحاسب الآلي، سوف يشعر علماء الرياضيات بالراحة أكثر وذلك بترك أجزاء معينة من الإثبات إلى أجهزة الكمبيوتر.

ولقد نوقشت هذه المسألة بذاتها في حلقة نقاش في شهر يونيو من العام 2014 في الاجتماع الخامس للحفل الافتتاحي الخاص بجائزة التطور المعرفي للرياضيين في مجال الرياضيات. ولقد أعرب عالم الرياضيات الأسترالي الأمريكي تيرنس تاو التوافق بينهم في هذه الشروط:

أجهزة الكمبيوتر سوف تزيد بالتأكيد من سلطتها، لكنني أتوقع بأن قدراً كبيراً من علم الرياضيات سوف يستمر بأن يكون من عمل الإنسان واستخدامه لأجهزة الكمبيوتر.

* لذلك لا ترم كتاب الجبر الخاص بك تماما بعد! سوف تحتاجه.

 

الترجمة: أروى بنت عبد الله الربيعة

Twitter: @msarrwwa

 

المراجعة: ياسمين المنيع

 

المصدر :

Phys


شاركنا رأيك طباعة