- مجموعة نون العلمية‎ - http://n-scientific.org -

نماذج مختلفة للكون لعرض نظرية الانفجار العظيم

السؤال عن آلية عمل الكون هو سؤال مثقل والإجابات عليه غنية ومثقلة في حد ذاتها. لدى المتفائلين والمتشائمين وجهات نظر متعارضة، ويختلف الفلاسفة كذلك مع الواقعيين، وأيضا على ما يبدو أن الدين والعلم يناقضان بعضهما البعض. ولكن في إطار هذا المقال سوف نتطرق فقط إلى كيف يتناول العلم وبكل براعة استخدام البدائل لجعل نظرية الانفجار العظيم نظرية مقبولة أنشأت التوسع الكوني. قام الكاتب باختيار وجهة النظر تلك لدراستها لأنه يود رؤية مزايا وعيوب الاحتمالات الأخرى على أمل إظهار كيف أن العلم أحيانا يمكن أن يكون له آثاراً وتداعيات خارج سلطته، على الرغم من أنها تظهر كنتيجة غير مقصودة في أغلب الأحيان. أيضاً يوضح كيف أن هذا المجال حيوي وقابل للتغير بشكل دائم.

 

النموذج الدوري

الفكرة الأولى التي سوف نتطرق إليها والتي نشأت من أذهان كلاً من ستنهاردت وتوروك اللذان ألقيا نظره على تبعات نظرية الأوتار مع سهم الزمن، أو التقدم الذي سوف نتوجه إليه بالرغم من أن العديد من المعادلات الفيزيائية سوف تعمل بشكل جيد في الاتجاه العكسي. ولقد تمت كتابة العديد من الأوراق بشأن نظرية الأوتار، حيث سنتطرق إلى أغلبها دون ذكر التفاصيل الدقيقة. في نظرية الأآوتار: هناك عدد أكبر من الأبعاد مقارنة بالأبعاد الأساسية الأربعة لدينا. ما نعتبره فضاء رابعاً هو في الحقيقة (بعداً ثالثاً في فضاء الأبعاد المرتفعة) يتحرك عبر الزمن، ويُعرف باسم البعد الرابع. هذا الفضاء يُعرف باسم الغشاء، ووفقاً لنظرية الأوتار يجب أن يكون هناك العديد منهم إضافة لما يخصنا. الاصطدامات بين الأغشية تؤدي إلى انفجارات أخرى جديدة. تندمج الأغشية مع بعضها البعض مرة أخرى قبل أن تتأثر، ثم تبدأ من جديد. لا شيء من شأنه أن يوقف ذلك، وهكذا يستمر إلى الأبد. ومن هنا تستمر الطبيعة الدورية لهذا النموذج. بعض الآثار المترتبة على هذه النظرية يمكن أن تتضح في محيط الأشعة الكونية المتناهية الصغر، وأيضا تم اكتشاف أن موجات الجاذبية من الممكن أن توفر أدلة محتملة للنموذج ولكنه يبقى أمراً افتراضياً.

بطبيعة الحال هناك مشكلة في آلية عمل هذا النموذج، حيث يشعر عالم الكونيات الكسندر فلينكن من جامعة تافتس في بوسطن أن النظرية الدورية تنتهك القانون الثاني للديناميكا الحرارية (أن الانتروبيا تزيد مع مرور الزمن). إذا كان النموذج الدوري صحيحاً فإن الكون سوف يتلطخ مع كل نمو مضطرب، مفتقراً إلى أي تركيب يتم تمييزه. الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يعمل النموذج الدوري فيها هي إذا كان التكرار الجديد (النسخة الجديدة) للكون أكبر من سابقتها في حين أن الاصطدام الكبير والتوسع لا يزال هو المهيمن على الدورة.

الفقاعات

تحدث عن الفكرة الثانية الشخص الذي انتقد النموذج الدوري. يشعر فلينكن أنه وجد دليلاً قاطعاً على ما كان موجودا قبل نشوء الكون: لا شيء! ولقد توصل لهذه النتيجة المدهشة بعد مشوار طويل والذي بدأ بعد أن قرأ عن الانفجار العظيم في كتاب ألفه آرثر إدينجتون، وألهمه لمتابعة هذا الموضوع، وحط به في نهاية المطاف في جامعة خاركوف الوطنية. بمجرد دخوله الجامعة قام بدراسة الفيزياء وذلك بسبب المسارات الوظيفية المتوفرة والتي من شأنها أن تساهم في علم الكونيات، وقد كان هذا شغفه الحقيقي. إلا أنه لم يتمكن من الوصول لبرنامج الدراسات العليا، لذلك قام بمغادرة أوكرانيا في عام 1977م وتوجه نحو الولايات المتحدة حيث أصبح في منصب ما بعد الدكتوراه في كيس ويسترن ريزيرف. كما أنه عمل رسمياً على دراسة الخواص الكهربائية للمعادن وعمل أيضاً في أوقات فراغه على دراسة الثقوب السوداء. لحسن الحظ كان لدى جامعة تافتس وظيفة مؤقته وكان ألكسندر قادر على شغلها. وبذلك أصبح في نهاية المطاف مدير علم الكونيات هناك، وتمكن أخيراً من التركيز على رغبته الحقيقية.

بعد ضمان منصبه، بدأ بدراسة التضخم، أو التوسع السريع الذي حدث بعد الانفجار العظيم في فترة وجيزة. حيث تم تطوير الفكرة الأصلية من قبل العالم آلان غوث في عام 1980، ولقد نشأت النظرية كنتيجة لتأثير فيزياء الجسيمات والتي هي دقيقة وخفية وغير ظاهرة لكنها شديدة الأهمية.

من خلال الطاقات العالية في بداية تكون الكون، بدأت الجاذبية بالعمل في الاتجاه المعاكس وبالتالي أصبحت قوة طاردة بدل أن تكون جاذبة مثل تفاعلنا اليومي مع قوة تثبيت الأرض. لو كانت الحالة المنفردة للانفجار العظيم في حالة مثل تلك، حيث أن التنافر سوف يسبب تطاير للمواد في كل مكان في الانفجار العظيم. إنه لا يفسر فقط لماذا حدث هذا في المقام الأول بل أيضاً يفسر التجانس والسلاسة في الكون.

ولكن ما كان غير معروفاً في بادئ الأمر في ذلك الوقت، أنه وفقاً للنظرية التضخم يجب أن يستمر للأبد، مثلما عمل عليه فلينكن في عام1982م لإثباته. الأليات الفعلية تعرف باسم التضخم الأبدي، وهذا يعني أن الأكوان الأخرى ينبغي أن تنشأ في أماكن مختلفة لأن التضخم لا يزال مستمراً في الحدوث في تجاويف أخرى من الكون. قام فلينكن بتحديد ذلك بسبب أن الطبيعة الطاردة لخاصية التفرد تسبب في انهيار الفضاء والمواد بداخله. وبالتالي طيات مختلفة من الفضاء تخضع لمعدلات التضخم. لكن ماذا بشأن المكان الذي يوجد به العديد من العوالم، الكون المتعدد، حتى ما يشابهه أو يبدو مثله؟ في عام 1986م انضم فيلكن مع موكوندا ارياول -وهو طالب دراسات عليا في جامعة تافتس- للعمل على مشروع حاسوبي للمساعدة في تصور المسألة. وما وجدوه كان مشابهاً للفقاعات التي تتشكل في حوض المغسلة، وإذا عملت أحدها عكسيا يبدأ الكون من العدم

 

 

ولكن كيف يمكن لشيء أن يحدث من العدم؟! يقول فلينكن وبكل بساطة أن قوانين الحفظ تحتم أن يكون هذا هو الحال، وتعمل طاقة الجاذبية على جذب المواد معاً في حين أن طاقة المواد تكون منفرة وبالتالي تتحرك بعيداً عن الأجسام الأخرى أما بالنسبة للكون المغلق الطاقة المتبقية يجب أن تساوي صفر، وهذا يتفق مع عمله. لكن ليبقى في ذهنك أنه بسبب التضخم الذي يحدث في أماكن أخرى، قد ولد كون جديد ومن المحتمل أن يكون مختلفا فيزيائيا عن الكون الذي نعيش فيه.

نظرية الكم الداروينية

الان لننتقل إلى مصدر آخر لنظريتنا البديلة التالية. في فترة عمل لورا ميرسيني هاوتون، كانت باحثة علمية تدرس الفيزياء بجامعة ميرلاند. في حين أن هذا في حد ذاته يعتبر إنجازاً عظيماً، حيث أنها اطلعت على الطبيعة الكمية للانفجار العظيم وهذه ليست بالمهمة الصغيرة. ويعتبر هيو ايفرت هو أول من أدرك هذا ووجد أن ميكانيكا الكم تتطلب عوالم أخرى إذا كانت خاصية التفرد لديها قائمة. وتوصلت لورا أيضا إلى استنتاج فيما يخص الأكوان المتعددة ولكن بخلاف عمل لينكن أخذت مسارا مختلفا: كيف يكون التشابك؟

قاموا باستخدام البيانات من تلسكوب بلانك، – والتي تتمثل مهمته في تعيين وإيجاد التفاصيل والمعلومات الأساسية عن الأشعة الكونية المتناهية الصغر- (الحالة التي أصبح فيها الكون مادة ومنفذا للضوء بعد حوالي 380000 سنة من الانفجار الكبير). ولقد لاحظت عدم التماثل في ذلك المحيط والذي ينبغي ألا يكون موجوداً إذا كان التضخم هو الحدث الوحيد الذي يحكم شكله. نعم، هذا المجال برمته يبدو سلساً مثل توقع التضخم لكن بعض الحالات الشاذة تكون موجودة في مناطق معينة. الجزء العلوي من المجال ليس بسلاسة المجال السفلي وبقعة باردة ضخمة مازالت قائمة أيضا. بحسب العمل الذي تقوم عليه لورا، هناك فقط نسبة احتمال 5% لتلك الهياكل لتكون نتيجة الصدفة. في 10000 محاكاة للانفجار الكبير قام بها يهيبيل فانتاج من جامعة اوسلو تظهر أن فقط 7 من 10000انتهت بمعلومات كما تصورها العلماء.

لكن ميكانيكا الكم قد أجابت على هذه المعضلة. في الفترة القريبة من الانفجار العظيم كان الكون في حالة فائقة من الكثافة والتشابك، في الواقع أنه في حالة أعمق من هذه بحيث يصبح عالمنا أكثر تشابكاً مع العوالم الأخرى في هذا الكون المتعدد، ويتم تسجيل أثره علينا إلى الأبد في إطار الموجات الكونية المتناهية الصغر. ولكن مع ميكانيكا الكم كنموذج، فإنه يمكننا أن نحصل على تعديلات في الاكوان الخارجة وبسهولة يمكنها أن تتفاعل معنا بعدة طرق لم نفهمها بعد. ولكن بالطبع بعض التشابك الحاصل قد يعني أن الكون بأكمله لا يمكنه النجاة والبقاء حيا! حيث أنه عادة ما ينتهي في حالة واحدة عند القمة، ولهذا السبب نشير إليها بالكم الدارويني

______________________________________________________________

 

الترجمة: أروى بنت عبد الله الربيعة

Twitter: @msarrwwa

المراجعة: ندى الحسن

Twitter: @NadaFAlhassan

 

المصدر:

 Hub Pages